عرض/زياد منى
مؤلف هذا الكتاب، عالم الآثار والتاريخ الأميركي، توماس طومسن، يعد من مؤسسي النظرة الجديدة لتاريخ المشرق العربي القديم، بالعلاقة مع "الكتاب المقدس" لليهودية والمسيحية، والتي يعرف أتباعها باسم (المُقلِّين-
minimalists) أو كما يفضلون هم (مدرسة كوبنهاغن).

-الكتاب: داود ويسوع.. بين التاريخ والتراث المشرقي
-المؤلف: توماس طومسن
-
ترجمة: عدنان حسن
-
الصفحات: 568
-الناشر: قدمس للنشر والتوزيع, دمشق
-الطبعة: الأولى/ 2007
وقد سبق أن تبوأ المؤلِّف صدر الأخبار منتصف التسعينيات عندما قامت الجامعة الأميركية لورنس وماركت التي يدرس فيها بطرده من عمله إثر نشره كتابه الأول تاريخ بني إسرائيل المبكر اعتمادًا على المصادر المكتوبة والأثرية 
حيث رفض بناءً على أسس علمية رواية "الكتاب المقدس" عن تاريخ الإقليم وعدها رؤية لاهوتية أدبية ليس غير.

وقتها قامت دنيا عالم "الدراسات الكتابية" ولم تقعد بعد. لكن منزلة تلك الدراسات ارتقت بدراسات مهمة أخرى نشرها زملاء له ومنهم الإنجليزيان كيث وايتلام وفيليب دفيس والدانماركي نيلز لمكة وغيرهم.

بعد نشر كتابه الأول وفقدان موقعه العلمي، اضطر المؤلف لمغادرة الولايات المتحدة إلى الدانمارك التي قدمت له كرسيا في قسم اللاهوت في جامعة كوبنهاغن حيث يعيش ويعمل الآن، علمًا بأنه تخلى عن التبعية الأميريكية وأخذ الدانماركية.

كتابه الثاني "الماضي الخرافي" الذي نشر بالعربية أيضا تعامل مع المسألة نفسها، لكنه لم يثر أي نقاش علني حيث "تعلم" الخصوم أن أفضل طريقة في ظنهم، لـ "قتل" كتاب لا يرضون عن محتواه هو بإهمال الحديث عنه.

عالَم الكتاب "المقدس"
في مؤلفه الأخير هذا، يقوم المؤلف بطرح محصلة ما وصل إليه من إجابات بخصوص عالَم الكتاب "المقدس" حيث قدم إجابات محددة عن أسئلة سبق له ولغيره من زملائه العلماء طرحها في مؤلفات وأعمال سابقة.

موضوع الكتاب متخصص، وبالتالي فإنه موجه إلى أهل الاختصاص أو لنقل: إلى أهل الاختصاص وطلاب التاريخ واللاهوت أكثر منه إلى العامة.

وذلك لأنه يتناول بالتحليل كثيرا من المفاهيم والمصطلحات اللاهوتية ومنها على سبيل المثال: الجيل الضائع، التقانات السردية، عمانوئيل والملكوت، تطهير الهيكل والأنجاس، نشيد إنسان بائس، أسطورة الملك الصالح، أسطورة المحارب القدوس القاهر، خرافة الإله المحتضر والمبعوث حيا، وغيرها الكثير.

الناشر رأى أن نشر الكتاب تحت عنوانه الأصلي (ترجمته الدقيقة بالعربية: خرافة المسيح- The Messiah Myth) قد تثير إشكالية عند كثير من القراء العرب، فاقترح على المؤلف قبول العنوان الحالي.

"
"الكتاب المقدس" وحده لا يقدم أي دليل مباشر عن ماضي بني إسرائيل قبل العهد الهلنستي ليس لأنه متأخر (زمنيا) وثانوي (يعتمد على مصادر أخرى) بل لأنه يفعل شيئًا آخر غير التاريخ بقصصه حول الماضي
"
طمسن لم يتردد في قبول الاقتراح معقبا: أوافق على مقترحكم لأن المصطلح (خرافة) يعني بالعربية: مختلق، بينما يعني في الأصل عالم القصص.

الرسالة الأساس للكتاب تقول -بحسب المؤلف- إن مؤرخي تاريخ الإقليم بحاجة إلى أدلة لدعم تصوراتهم التاريخية، ومن دونها يكون التاريخ صامتًا.

وحقيقة أن "الكتاب المقدس" وحده لا يقدم أي دليل مباشر عن ماضي بني إسرائيل قبل العهد الهلنستي (القرن الثاني قبل الميلاد) ليس لأنه متأخر (زمنيا) وثانوي (يعتمد على مصادر أخرى) بل لأنه -الكتاب المقدس- يفعل شيئًا آخر غير التاريخ بقصصه حول الماضي.

ومن هذا المنطلق النظري "يحاول المؤلَّف الإجابة عن السؤال الذي سبق أن طرحه في كتابه الثاني المشار إليه أعلاه: ما "الكتاب المقدس" إن لم يكن تاريخا؟. وهو بالتالي يناقض منطلقات زملائه (المُكثِرِين) في المعسكر العلمي النقيض، لأنهم يميلون إلى وضع الأحداث في فضاء مجرد من الأساطير يختلقونه بأنفسهم.

لذا فإن هدف المؤلف: إزاحة الفضاء الخرافي الذي منحته النصوص "الكتابية" والقديمة صوتًا.

بناء على ذلك، البحث في التاريخ القديم لفلسطين وفق المؤلف (الحافة الجنوبية لسوريا) يجب ألا يُعنى بنفس النوع من المسائل التي يُعني بها التفسير اللاهوتي. وعلى علماء الآثار والمؤرخين عدم التعامل مع ماضي الإقليم بنفس طريقة كتاب اليهودية والمسيحية المقدس.

المؤلف لا ينفي إطلاقًا أن "الكتاب المقدس" يحوي معلومات تاريخية ومنها على سبيل المثال الغزوات الآشورية للإقليم، إلا أنه -أي الكتاب- استحضرها واستخدمها لأغراض أدبية ليس غير. وبالتالي فمن غير الصحيح علميا الاعتماد عليه وما يحويه من قصص مرجعا تاريخيا.

تراث من خارج الإقليم

"
كثير من العاملين في الحقل العلمي يميلون من دون أسس علمية سليمة إلى إطلاق الأحكام المسبقة بخصوص بيئة "الكتاب المقدس" التاريخية والسردية
"
النقطة الرئيسة الأخرى التي يطرحها طمسن في مؤلفه هي نفي صحة آراء تقول إن كثيرا من القصص والموعظات في "الكتاب المقدس" مأخوذة من تراثات من خارج الإقليم.

وقد خصص ملحقا خاصا في الكتاب لسرد مجموعة من النصوص المشرقية القديمة التي تسبق مرحلة كتابة "الكتاب المقدس" في شكله الحالي (من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني للميلاد) ما يثبت أصالتها.

ومن النصوص التي يوردها المؤلِّف بتفاصيل: أمثلة مصرية (نقش نفر ششم رع/الألف الثانية قبل الميلاد)، الفلاح الفصيح (المملكة الوسيطة)، نبوءات نفرتيتي، بردية أنستاسي، رُقيم إسرائيل؛ وأمثلة رافدينية وسورية: الربوبية البابلية، حوار بين إنسان وإلهه (نصوص أكادية)، مدونة قوانين حمورابي، ترنيمة حثِّيَّة، ترنيمة إلى مردوك، ترنيمة إلى عشتار، نبوخذ نصر الثاني (بختنصر)، نقش قلمو، داريوس، إمبراطور فارس، مخطوطات البحر الميت.

إن استحضار المؤلِّف تلك الأمثلة، ووضع ترجمتها في الكتاب يساعد القارئ في تتبع رسالة الكتاب الرئيسة، ذلك أن كثيرا من العاملين في هذا الحقل العلمي، غاية في التعقيد، يميلون من دون أسس علمية سليمة إلى إطلاق الأحكام المسبقة بخصوص بيئة "الكتاب المقدس" التاريخية والسردية.

وهو بجلبه أمثلة مشرقية غاية في القدم، من بلاد الرافدين وسوريا ومصر القديمة سبقت كتابة "التوراة" بشكلها الحالي بقرون كثيرة، يوضح أن التشابه بين تلك النصوص هدفه الموعظة وليس التاريخ.

وهذا لا يعني إطلاقًا المس بإيمان أتباع "الكتاب" وإنما الأخذ بيدهم لفهم أعمق لرسالته الموعظية، وليس أبعد من ذلك.

من ناحية أخرى يتعامل هذا المؤلف مع كتاب المسيحية المقدس أي الإنجيل، وما يحويه من مفاهيم عن (الإله الذي مات ثم بعث حيا) وفق الإيمان المسيحي فحسب.

وفي الوقت الذي يستحضر المؤلف أمثلة على هذه المفاهيم والمصطلحات في تراثات الإقليم، فإنه كما يوضح في مقدمة الكتاب ليس في وارد تشكيك الناس في إيمانهم وإنما فهم الرسالة التي تحويها تلك القصص.

ومن الأمور المهمة الأخرى التي طرحها الكتاب، في مقدمة خاصة كتبها للطبعة العربية، مسألة صدام الحضارات والحرب على الإرهاب حيث يستنكر تحالف المحافظين الجدد والأصوليين المسيحيين (المسيحيين الصهاينة) في معسكر يجيز لنفسه استخدام كل ما هو شرير من قصف لبغداد وبيروت بحجة الدفاع عن الخير.

"
لا بد من تأسيس مكتبة عربية متخصصة بالدراسات "الكتابية" تعتمد قراءة عربية للتاريخ انطلاقا من ثراء العربية واعتمادها مرجعا أساسا في فهم كثير من المصطلحات والمفاهيم ذات العلاقة
"
وهو بالتالي يأمل أن يقلل تناوله بالتحليل موضوع الحرب المقدسة والملك الصالح الذي يقع في قلب التقاليد المسيحانية، من سوء استخدام خطاب تشارك فيه ورع الأديان التوحيدية الثلاثة.

وهو يرى أن اللاهوت أضحى جزءا من المنافسة والنضال السياسي العالمي للباحثين عن السلام في هذا العالم.

إن نشر هذا الكتاب باللغة العربية إضافة إلى كتابات أخرى، يعد مساهمة مهمة في إنشاء مكتبة عربية مختصة بالدراسات التوراتية بعيدا عن مفاهيم تاريخية ونصية توقفت عن التطور عند البعض عند انحدار الاحتلال الإغريقي للمشرق العربي في وجه التقدم العربي الإسلامي، وكذلك عند سقوط القسطنطينية والقضاء النهائي على الإمبراطورية البيزنطية.

وليس يبدي جيل جديد من الدارسين العرب اهتماما بهذا المنهاج الدراسي بما يساعد في تأسيس مدرسة عربية لتاريخ المشرق القديم، بعيدا من التأويلات التي عفا عليها الزمن.

والأمر الآخر المهم بالعلاقة مع عرضنا هذا الكتاب، ضرورة تأسيس مكتبة عربية متخصصة بالدراسات "الكتابية" تعتمد قراءة عربية للتاريخ انطلاقًا من ثراء اللغة العربية واعتمادها مرجعا أساسا في فهم كثير من المصطلحات والمفاهيم ذات العلاقة التي أشرنا إلى بعضها في عرضنا هذا.

وهذا قد يساهم في إدراك مغزى هذا الكتاب وأهميته في قراءة علمية مجردة لنواح أساسية من تاريخ المشرق العربي.

المصدر : الجزيرة