عرض/عاطف عبد الحميد
يصعب على المراقب للمشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية أن يمرر ذلك التغير المنهجي في الخطاب الديني مع زيادة جرعة الحديث عن الاعتدال والوسطية، والإلحاح على التسامح ونبذ التشدد والغلو، بعد أن تمرن المجتمع عبر عقود على أنه ما من طريق ثالث بين التوحيد والشرك والسنة والبدعة.

-الكتاب: الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية

- المؤلف: عدد من الباحثين
-المحرر: محمد محفوظ
-عدد الصفحات: 160
- الناشر: مركز آفاق, ودار أطياف, السعودية
-الطبعة: الأولى/2007

قد تكون المتغيرات الخارجية والضغوط الأميركية سببا، وربما تكون جماعات المعارضة المسلحة التي خرجت من رحم الفكر السلفي هي المسؤولة، فضلا عن تبعات سقوط بغداد في يد الاحتلال، وغير ذلك من التفسيرات كثير.

لكن اللافت للانتباه أن بعض الكتاب والمفكرين داخل المجتمع السعودي التقط الخيط وبدأ يستفيد من هذا المناخ، فعمل على نشر بعض الأفكار التي تهدف إلى الكشف عن حقيقة تبدو في نظرهم مهملة ومفادها أن المجتمع السعودي لم يكن يوما أحادي المذهب، ولا سلفي الهوية، فهناك عديد من العقائد والمذاهب حان الوقت لتطل برأسها مطالبة بمكان.

هل حقا ثمة تعددية مذهبية في المملكة العربية السعودية؟ وهل من سبيل للحوار بين الفرقاء؟ وكيف يمكن تغيير تلك الصورة النمطية التي ترافق المملكة العربية السعودية كدولة المذهب الواحد؟

يزعم الكتاب الذي بين أيدينا أن لديه الإجابة، متسلحا بأقلام عشرة باحثين ذوي انتماءات عقدية متباينة: صوفية، وسلفية منفتحة، وشيعية بمذاهبها الثلاثة (إمامية وزيدية وإسماعيلية)، وإن غاب عن الكتاب بالطبع أصحاب الفكر السلفي العتيد الذين يرون في كثير من الطوائف السابق ذكرها فرقا ضالة خرجت عن جادة الإسلام تحرم موالاتها أو التحاور معها.

رهبة التفكيك 

"
الكتاب يحاول أن يقنعنا بأن جغرافية المملكة تنطق بالتعدد المذهبي، لكنه لا يقدم إحصاءات عن نسبة المنتمين إلى هذه الطوائف إلى أغلبية السكان، ويعجز أن يستعين بخريطة تبين مواقع تركز السكان المنتمين لهذه الفرق والمذاهب
"
يحاول الكتاب، وبطريقة المشي بين الأشواك، أن يقنعنا بأن جغرافية المملكة تنطق بالتعدد المذهبي، ففي الشرق الشيعة الاثنا عشرية وفي الوسط السلفية، وفي الغرب السنة الشافعية والمالكية والحنفية بنزعات صوفية، وفي الجنوب والجنوب الغربي شيعة زيدية وإسماعيلية.

بل إن أكثر من ستة ملايين وافد من العمالة الأجنبية (آسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية) يعيشون تحت جلد المجتمع السعودي بمختلف العقائد والمذاهب، من الهندوسية والبوذية إلى المسيحية والإسلام.

ولا يقدم الكتاب إحصاءات عن نسبة المنتمين إلى هذه الطوائف إلى أغلبية السكان، ويعجز أن يستعين بخريطة تبين مواقع تركز السكان المنتمين لهذه الفرق والمذاهب على المستوى الجغرافي لأرض المملكة.

فمثل هذه الأرقام والخرائط لا تتوفر في الداخل السعودي، ويبدو أن الكتاب تحاشى الرجوع إلى المصادر الدولية الممثلة في تقديرات هيئات حقوق الإنسان وخرائط السي آي أيه. فشهادة هذه المصادر مجروحة، والاستعانة بها تحمل المتربصين على التشكك في النوايا والأهداف.

في البداية يقرر الباحث الشيعي محمد محفوظ الذي حرر الكتاب أن الوقت لم يعد يتحمل تأخر تشكيل مؤسسة وطنية تعمل على إرساء معالم وحقائق حوار المذاهب في المملكة، بهدف تعرف الأطراف على بعضها على بعض، وإزالة الهواجس والشبهات الملتبسة، وبناء جسور لثقة متبادلة تنهي أشكال الشحن الطائفي والاصطفافات المذهبية التي ارتسمت ملامحها بعد احتلال العراق.

ويلح الكتاب في كافة مشاركات مؤلفيه على أن الحوار المذهبي لا يسعى إلى تحديد من المخطئ ومن المصيب أو من الضال ومن المهتدي، كما أن الحوار لا ينطلق من مبدأ التخلي عن الاقتناعات الصحيحة إرضاء أو نفاقا للطرف الآخر، فليس الهدف أن يتخلى الشيعة عن عقائدهم أو أن يسلم الصوفية للسلفية، بل المقصود تنمية الجوامع المشتركة بين الأطراف والكف عن السجالات المذهبية والتراشق بالاتهامات.

ويعود المحرر إلى دراسة لعلي حرب عن "أمراض الدين والحداثة" فيستشهد منها بضرورة تسليط الضوء على النصوص/المراجع التي يتمترس وراءها كل فريق في شن حربه الرمزية (أو الفعلية) على الآخر، عبر إطلاق تهم التكفير أو التبديع بما يؤدي إلى إدانة الآخر واضطهاده، معتبرا أن "النصوص الفضائح" هي أثر من آثار الحروب الرمزية البالغة البربرية في تمييزها المذهبي.

ورغم أن موضوع النصوص الملغمة بالكراهية يستحق البحث ويحتاج إلى مبضع جراح في المناقشة والتمحيص، فإن الكتاب يتفادى التعمق في الموضوع، ويتحاشى المساس بهذه القضية التي قد تزيد إشعال النار من حيث أريد لها أن تنطفئ.

"
رغم المآخذ العديدة على الكتاب فإنه يؤسس لمجموعة من المفاهيم في الحوار بين المذاهب أهمها ضرورة فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية وحقوق الإنسان، وحتمية حماية المرء من التهميش والتمييز نتيجة انتمائه لمذهب الأقلية العددية
"
يتسرب إلى نفس القارئ مع الصفحات الأولى أن هذا النوع من الحوار ينقطع عن الماضي، ويزهد في نقد النصوص، ويهرب من نقاط الخلاف، ومن ثم فليس هناك منهج تفكيكي في هذه المسألة الحيوية.

ولأن الموضوع شائك، ولأن الكتاب يصدر في بلد يراقب المطبوعات رقابة صارمة، فقد لجأ كثير من المشاركين إلى التستر وراء الأفكار النظرية، الأمر الذي جعل عددا من الفقرات أشبه بكلمات احتفالية، على غرار ما ينادي به المحرر من أن "شمس الحرية والعدالة لن تشرق في مجتمعاتنا إلا بصياغة العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع الواحد".

وكذلك تتكرر في الكتاب بعض العبارات الرمزية الاختزالية، على شاكلة "لا إكراه في الدين"، و"لابد من العدل، فالعدل أقرب للتقوى"، و"لا مفر من التوقف عن النظر لذواتنا نظرة اصطفائية وللمختلف نظرة تحقيرية".

ومع ذلك يؤسس الكتاب لمجموعة من المفاهيم الواجب الاتفاق عليها في الحوار بين المذاهب وأهمها ضرورة فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية وحقوق الإنسان، وحتمية حماية المرء من التهميش والتمييز نتيجة انتمائه لمذهب الأقلية العددية.

رؤى متنوعة
يحسب للكتاب أنه منتبه جيدا إلى أن المطالبة بتعميق التعددية لا تعني تشريع الفوضى أو تبخير الجوامع المشتركة، فليس هدف الدعوة إلى الخصوصية المذهبية تشجيع العزلة وخلق الكانتونات الطائفية الضيقة الرافضة لهوية الوطن.

ولعل هذه واحدة من القضايا التي تستحق الانتباه لقطع الطريق على النزعات الجهوية والمذهبية التي ترى أن المنطقة والمذهب أعلى شأنا من الوطن "المصطنع" بالقوة.

ويقصد بالوطن المصطنع في عرف هؤلاء ذلك التوحيد القسري للأراضي السعودية تحت لون مذهبي واحد.

ولكن هذه الموضوعات المثيرة للجدل والداعية إلى التشكيك والفرقة نعثر عليها فقط في مواقع الإنترنت المحجوبة في المملكة (انظر على سبيل المثال مقالات الكاتبة الشيعية وجيهة الحويدر المعنونة بـ"السعوديون..أرض بلا وطن" وهي موضوعات تتجاوز خطورتها التزامات الكتاب الورقي الذي بين أيدينا.

يربط زيد الفضيل في مشاركته التي تحمل عنوان "هموم وغايات الحوار" تقدم العالم الإسلامي في العصور الوسطى بالانفتاح الفكري وقبول التعدد في وقت عانت فيه أوروبا من سيطرة الكنيسة بعقلية أحادية رجعية مع تكفير المختلف عنها عقديا.

فالتخلف الذي نعيشه الآن حسب الفضيل -الذي يشير إلى المجتمع السعودي- يعود إلى استبدال الأدوار حين وقعنا في صحراء التيه المليئة بالتكفير، فضاع التعايش وقلدنا المجتمع الكنسي الأوروبي في عصوره المظلمة.

"
المطالبة بتعميق التعددية لا تعني تشريع الفوضى أو تبخير الجوامع المشتركة، فليس هدف الدعوة إلى الخصوصية المذهبية تشجيع العزلة وخلق الكانتونات الطائفية الضيقة الرافضة لهوية الوطن
"
وعلى نفس النهج يسير عدنان الزهراني في مشاركته التي تحمل عنوان "الصرب بيننا" ملمحا إلى أن المتطرفين الشيعة والسنة إذا أتيحت لهم الفرصة في السعودية فلن يكونوا أقل جسارة من الصرب في حروبهم الدينية والعرقية.

وتعد مشاركة علي آل مستنير واحدة من إضافات الكتاب الهادئة، حيث تناول ما أسماه "الرؤية الإسماعيلية للحوار المذهبي" مكرسا مشاركته للتعريف بالمذهب الإسماعيلي في السعودية وإلقاء الضوء على منطقة مظلمة في جنوب غرب السعودية تكثر حولها عند المستوى الشعبي شبهات المروق والضلال، وهو ما اضطره إلى تقديم دليل نفي فكتب يقول "إننا جزء من هذا الوطن، نؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا ورسولا وبالإسلام دينا".

يطالب آل مستنير بإتاحة الفرصة أمام أبناء المذهب الإسماعيلي وبقية المذاهب للمشاركة في مجلس الشورى ومجلس الوزراء والسلك الدبلوماسي والعسكري، ففي هذا تعميق للوحدة الوطنية ودرء للفتنة وكيد الأعداء الذين يروجون لفتن تصنيف المواطنين في السعودية إلى درجة أولى وثانية وثالثة.

وتبدو مشاركة محمد الدحيم الأكثر واقعية إذ لم تذهب بعيدا في انتظار تغيير جذري في المملكة، حيث توقع أن تشهد السنوات المقبلة توسعة في مساحة الممكن مثل قبول الرأي الآخر، واحتمالية الصواب والخطأ، والاعتراف بفكرة المواطنة.

ويلقي محمد المحمود في مشاركته الضوء على الأغلبية الصامتة من السعوديين التي لا تلتفت إلى ذلك الذي نسميه تعددا مذهبيا ولا تعنيها تلك الاختلافات الفقهية والعقدية. وتمارس "إسلاما طبيعيا". المشكلة في رأي المحمود أن هؤلاء يقعون ضحايا بين الحين والآخر لفئة من علماء الدين غلوا في دينهم.

ملاحظات نقدية
رحلت إلى محافظة القطيف في شرق السعودية لمقابلة محرر الكتاب والاطلاع على تجربة مجتمع شيعي خبر كافة الخيارات، المسلح منها والسلمي.

وقد استفدت من محاورة عدد من أبناء ذلك التيار الشيعي الذي كان يمارس معارضة الحكومة السعودية في الخارج وعاد لتوجيه النقد والمراجعة من داخل البيت.

والكتاب الذي نعرض له أحد الأعمال الفكرية لذلك التيار الذي يكافح بجد للمشاركة في ترتيب البيت السعودي على أسس المواطنة.

ورغم أني استنرت بتلك اللقاءات، وانعكست فوائدها بشكل مباشر على عرضي للكتاب، فإن هناك بعض الملاحظات على منهج الكتاب، وأهمها:

- أن هناك تجاوزا في تسمية المناطق الجغرافية في المملكة بأسماء مذهبية، كالقول بأن الشرقية اثنا عشرية والحجاز صوفي والجنوب إسماعيلي.

ففي هذه المناطق مزيج سني شيعي، وليست هذه المناطق خالصة لمذهب دون آخر، إلا في محافظات بعينها.

"
الكتاب بداية لإعادة قراءة خريطة الفكر الديني في المملكة، ويعد تشجيعا لمجموعة أخرى من المفكرين على البحث في هذا الموضوع الحيوي برؤى تثري الحوار وتدعمه
"
- يبدو أن هناك خلطا في مفهوم التعدد المذهبي. فالتنوع الفقهي بين المذاهب السنية الأربعة (الحنبلية والشافعية والحنفية والمالكية) لا يمكن وضعه في نفس سلة الخلافات الشيعية السنية، تلك الخلافات التي يراها المعتدلون خلافات منهجية، ويسميها المتشددون خلافات عقدية.

- ليست هناك شكاوى سياسية أو تنظيمات حركية للمذاهب السنية غير السلفية، ومن غير المعروف ما هي الجهات التي تطالب بالحوار المذهبي الذي يدعو إليه الكتاب.

- لا تنشغل الجاليات السنية غير السلفية بأزمة التمثيل المذهبي، فوجودها مؤقت وشكواها المذهبية شبه معدومة، وهي قانعة، راضية أو مكرهة، بأن على الضيف قبول طقوس صاحب البيت.

- لم تختبر بعد العلاقة الشيعية في الحوار، ونقصد الحوار الاثني عشري الإسماعيلي، كما لم تستكشف بعد مواقف الشيعة تجاه موضوع الحوار مع غيرهم، فالمجتمع الشيعي السعودي ليس لونا واحدا، منهم المرحبون بالحوار ومنهم الرافضون لشرعية الدولة السعودية بأسرها.

وعليه فإن أخذ الكتاب بمبدأ "إن المصائب تجمعن المصابين" لم يفلح في إخفاء حقيقة الأزمة المذهبية في السعودية، وهي أزمة ثنائية (شيعية-سنية) أكثر منها أزمة أطراف مذهبية متعددة.

لكن هذه الملاحظات لا تقصد التقليل من أهمية الكتاب، ولا الهدف السلمي البناء الذي يسعى إليه، والنوايا الصادقة التي تنبعث من حروفه وكلماته.

ولعل الكتاب بداية لإعادة قراءة خريطة الفكر الديني في المملكة، وتشجيعا لمجموعة أخرى من المفكرين للبحث في هذا الموضوع الحيوي برؤى تثري الحوار وتدعمه.

المصدر : الجزيرة