عرض ياسين تملالي
"لن أرحل" كتاب جديد باللغة الفرنسية للكاتب والصحفي التونسي توفيق بن بريك أصدرته دار النشر الجزائرية "الشهاب" في بداية أبريل/نيسان الماضي بعد أن استحال صدوره في تونس.

وبن بريك ليس فقط كاتبا بل هو أيضا معارض سياسي نشط، ناضل في الكثير من المنظمات المدنية والحقوقية وأبرزها المجلس الوطني التونسي من أجل الحريات والرابطة التونسية لحقوق الإنسان بالإضافة إلى نشاطه الصحفي مراسلا لكثير من الجرائد ووكالات الأنباء الأوروبية.

يتذكر الجميع إضراب توفيق بن بريك عن الطعام في مارس/آذار 2000 ومطالبته بوقف "التعسف البوليسي" الممارس ضده، والسماح له بممارسة عمله الصحفي بكل حرية.

- الكتاب: لن أرحل
- المؤلف: توفيق بن بريك
- عدد الصفحات: 162
- الناشر: دار الشهاب، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2007

وقد مكّن ذلك الإضراب الذي تناقلت وقائعه أسابيع وسائل الإعلام العالمية من لفت الانتباه إلى حالة الحريات المتدهورة في تونس، كما مكن المعارضة السياسية بفضل الاهتمام الإعلامي بالوضع التونسي من رفع مطالبها بإطلاق الحريات في العديد من المنابر السياسية خصوصا في أوروبا.

منذ إضرابه عن الطعام سنة 2000، ما انفكت السلطات التونسية تحاول الدفع ببن بريك إلى الهجرة بتشديد الخناق عليه ومنعه من العمل الصحفي الحر، بل إن التعسف طال بعض أفراد عائلته كأخيه جلال الذي ما زال ممنوعا من العمل كمحام.

وفي مستهل الفصل الثاني من مؤلفه بعنوان "باب الإسكندرية" يقول الكاتب "في تونس أحس نفسي كعرّاب صقلي سجين. كان في مستطاعي أن أختار طريق الهروب غير أنه لا رغبة لي في العيش في المنفى. لو رحلت سأتوه، سأفقد لغتي وسأموت مللا. أنا متيمّ بتونس. ففيها لا أجدني مجبرا على اختلاق قصص لشد انتباه الآخرين ولا أحس نفسي متشردا".

من هذا المنطلق، يمكن اعتبار "لن أرحل" صرخة تحد للنظام وتلميحا ساخرا إلى من فضّل من أقطاب المعارضة الهجرة على العيش في سجن السلطات الكبير.

تونس بلد الكآبة السياسية
غير أن المؤلف بالرغم من عنوانه أقرب إلى كتاب أدبي منه إلى منشور سياسي غاضب، لأن نبراته الماكرة تذكرنا بـ "ضحكة الحوت" (2001) أكثر مما تذكرنا بـ "دكتاتورية ناعمة ناعمة" (2000).

الكتاب يتحدث عن تونس من وجهة نظر ذاتية خالصة، تمتزج فيها المحبة العارمة لبني الوطن بشيء من النقمة عليهم والتعريض الساخر برضوخهم لمصيرهم.

لا مجال فيه للشعارات الرنانة عن "حتمية انتصار الشعب" ولا محاباة فيه للجماهير، بل هو على العكس من ذلك يصور التونسيين بكل مفارقاتهم وتناقضاتهم التي هي تناقضات كل البشر: شجاعتهم وجبنهم، تمردهم واستكانتهم.

كما لا يتردد توفيق في وصف ما آلت إليه المعارضة من إحباط وأفق مسدود، مثلها في ذلك مثل الجماهير العريضة التي لم تتمكن من تجنيدها بالرغم مما أبدته في ذلك من شجاعة وعزيمة تستوجبان الإعجاب.

يقول أيضا "النقاشات العتيقة عن العفو العام واستقلال الصحافة والقضاء لم تعد تطفو إلا من حين لآخر, لكنها خالية من أية حماسة أو حميّة (...) بم يفسر هذا الفتور؟ لا يكفي القمع لتفسير هذه الكآبة السياسية القاتلة. كلاّ. تفسرها أيضا متع المجتمع الاستهلاكي، مجتمع مصطنع كل الاصطناع لكنه مغو أشد الإغواء".

"
النقاشات العتيقة عن العفو العام واستقلال الصحافة والقضاء لم تعد تطفو إلا من حين لآخر على السطح، لكنها خالية من أية حماسة أو حميّة، ولا يكفي القمع لتفسير هذه الكآبة السياسية القاتلة
"
"لن أرحل" بعبارة أخرى دليل سياحي من نوع خاص، لا علامة فيه لآثار قرطاج ولا لعناوين الفنادق الفخمة المطلة على المتوسط والحافلة برجال الأعمال وأثرياء السياح. فهو يمكّن القارئ من أن يرى في مدينة تونس جوانبها القاتمة المتخفية وراء بهرجتها الحضرية، فيرى الفقر المدقع الذي يخيم على الأحياء الشعبية، والاستلاب الذي تعرضت له الطبقات المتوسطة بعد أن وقعت فريسة لسياسة تشجيع قروض الاستهلاك التي اتبعتها السلطة لتحييدها وإبعادها عن حلبة السياسة.

يقول الكاتب: "العيش عن طريق الاقتراض هو ثمن قبول التطويع السياسي. ليس من تونسي واحد لا يشعر وهو يرتاد السوبرماركت بأنه يستهلك في الحقيقة حريته." هذا هو وجه تونس الخضراء الحالمة، وجه يخفي كآبته وراء رونق المحلات ولمعان واجهاتها.

الحقيقة داخل الوهم والوهم داخل الحقيقة
ويتلخص مشروع توفيق بن بريك في هذا الكتاب في اكتشاف الوهم داخل الحقيقة والحقيقة داخل الوهم، بأسلوب يتقمص فيه التحقيق الصحفي رداء الكتابة الأدبية.

تونس في "لن أرحل" مدينة تكتب نفسها بنفسها في فصول صغيرة، هي وصف لمشاهد من الحياة اليومية ووقوف متأمل أمام أسماء الأحياء والشوارع والمقاهي. ولا أدل على ذلك من عناوين الفصول: "قرطاج عند المغيب"، "شارع زرقون"، "المرسى ستريت"، "باب منارة".

تونس العتيقة في "لن أرحل" ليست فقط أسواقا عامرة ومقاهي يستنشق السياح في أطرافها رائحة الياسمين، بل هي وراء زخرفها السياحي مدينة المطاعم الشعبية التي تفوح منها رائحة مأكولات لا يعرف عنها الأوروبيون شيئا كـ "أحشاء الخروف" ذلك الطبق العتيق الذي لا يمكن تناوله بالرغم من لذة مذاقه إلا إذا سد الأنف بسبب رائحته شبه الكريهة.

الصورة المتداولة عن الضواحي السياحية كذلك سرعان ما تنكسر على قلم بن بريك الحاد. سيدي أبو سعيد والمرسى ليستا فقط صفوفا من الفيلات الجميلة ذات الشرفات الزرقاء المطلة على البحر, بل هي أيضا منازل خفية يشرب فيها المتسكعون النبيذ الرخيص اللاذع المذاق ويقرؤون فيها روايات منحطة أو محظورة.

أما الأحياء الشعبية فلها أسرارها الغامضة: يكفي لاكتشافها أن نطرق أبوابها متمترسين بشجاعة الصحفي. وهي رغم حداثة ميلادها لا تبدو أساطيرها أقل قدما من أساطير قرطاج الفينيقية.

في هذه الأحياء القابعة في عالمها المنغلق المنسي، لا شيء يذكّر الزائر ببريق الأحياء الراقية، فهي تعيش خارج الزمن الحضري ولها ساعتها البيولوجية الخصوصية.

إحدى لعب السكان المفضلة في "لجبل الأحمر" هي الرهان على توقيت سقوط المطر. أما حي "باب المنارة" فما زالت تنظم فيه مبارزات الكباش التي لن تقدر رؤيتها لكثير من السيّاح. "أمتع متع باب المنارة هي تبني كل ما تحتويه تونس من مهمشين" يقول بن بريك.

اللسان أعز أعضاء التونسيين عليهم
ويصف الكاتب تونس بنبرة حنين مرير، ليس حنينا لماضي المدينة القرطاجي السحيق الذي لا تتوانى الأدلة السياحية أبدا عن التذكير فيه واجتراره، إنما هو حنين لما كانت عليه في العشرينيات القليلة الماضية، عندما كانت الحياة فيها لا تكدر صفوها سطوة البوليس ولا إغراءات المجتمع الاستهلاكي التي حولت الشباب إلى مسوخ "تهوى قصص الحب البراغماتية كما لو كانت تنتمي إلى تعاونية للمتع الأفلاطونية".

يقول الكاتب "كانت آخر حفلة في تونس مأتما. أطل الصبح على مدعووي قصر قرطاج كالكفن منيرا سحنات شاحبة كالشمع."

قصر قرطاج هو قصر الرئاسة والصبح المذكور صبح السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1987 حين استولى الجنرال زين العابدين بن علي على السلطة عازما على "قطع أغلى أعضاء التونسيين وأعزها عليهم: لسانهم".

منذ ذلك اليوم، لم تعد للحياة في المدينة من لذة سوى لذة الهروب منها. لم يعد الأدب والفن ما كانا عليه وتحولا إلى مجرد ذكرى، ذكرى تشرد مبدعين وقعوا في فخ اليأس ولم يعد لهم من حاضر سوى مجد قديم يجهله الشباب ولا يعرفون عنه شيئا.

منذ ذلك اليوم ظلت الضواحي الغنية وأحياء وسط المدينة تتحول إلى أسواق كبيرة تغرق فيها الطبقات الوسطى، أسفها على العهود الجميلة الماضية. أما الأحياء الشعبية كحي الأكراد فرُمي بها في بالوعة النسيان وهي اليوم "لولا صراخ أطفالها، لما استحال تشبيهها بالغولاغ الستاليني" كما يقول توفيق.

"
التأرجح بين الرعب والغضب، بين التفاؤل والتشاؤم؛ هو ما يسميه الكاتب "التشاؤل" وهو ذاته لا يترفع عن أن يعد نفسه في طائفة "المتشائلين"
"
"التشاؤل" ليس قدرا محتوما
في تونس، لم يعد للشباب العاطل من أفق سوى التناحر من أجل الحصول على مكان على قارعة الطريق يبيعون فيه بضائع مهربة تستحيل معرفة المكان الذي صنعت فيه، أو الحدود الدولية التي عبرتها في طريقها إلى أسواق العاصمة الصاخبة.

في فصل عنوانه "مقاتلو الرصيف" يقول الكاتب "في تونس المشرفة على الإفلاس، تحول ميل التونسيين القديم إلى تجارة المحظورات إلى هاجس حقيقي. ها هي أزمة المؤسسات والمصانع العمومية تدفع نحو الأرصفة بأكثر مما يمكن أن تحتويه من الباعة والتجار".

وسط هذا الوضع المرشح موضوعيا للانفجار، لا انفجار بعد. لا شيء "سوى تململ غامض" سرعان ما تنطفئ جذوته. احتجاجات سنة 2000 العارمة فشلت في زعزعة عرش السلطات. رغبة المعارضة في التغيير لا تصطدم بجهاز النظام القمعي فحسب، إنما أيضا بانتشار أيديولوجية الخلاص الفردي، وبجدار الخوف الذي غزا قلوب التونسيين.

"يكفي أن تمعن النظر في أعينهم لتراه، لترى الخوف.. الخوف في كل مكان، في العمل وفي المنزل وفي السوق. عندما يطرق بابك الصبح، تأكد من أن الطارق ليس جارك بائع الحليب".

هذا التأرجح بين الرعب والغضب، بين التفاؤل والتشاؤم هو ما يسميه الكاتب "التشاؤل". وهو ذاته لا يترفع عن أن يعد نفسه في طائفة "المتشائلين" فهو يقطن ضاحية يتلخص فيها حديث جيرانه في كلام مجتر عن أحوال الطقس ومختلف أنواع السيارات، إلا أنه "ككل التونسيين، يحتفظ في أحشائه بألف غضب وغضب" يساعده على النجاة بنفسه من يأس مطبق ومن رغبة جامحة في الرحيل.

المصدر : الجزيرة