عرض/إبراهيم غرايبة
تعالج أبحاث هذا الكتاب المسألة الإثنية في الشرق الأوسط (الدول العربية وإيران وتركيا)، وتعالج المسألة بالنسبة للإثنية الكردية في العراق وإيران وتركيا، ويقدم الباحثون فهما علميا للإثنية ودور اللغة والثقافة والدين في تعيين الإثنية.

وتشارك في الكتاب مجموعة من الباحثين من بينهم البروفيسور المتخصص في الشؤون الشرق أوسطيةفريد هاليداي، ومجموعة من المتخصصين في الشؤون الكردية، مثل: مارتن فان بروينسن، ولكن الانتباه البحثي يتركز لأمر مفهوم على العراق، حيث تتبلور أول فيدرالية كردية في التاريخ.

-الكتاب: الإثنية والدولة(الأكراد في العراق وإيران وتركيا)
-المؤلف: فريد هاليداي وآخرون
-
تحرير: فالح عبد الجبار وهشام داود
-
ترجمة: عبد الإله النعيمي
-الصفحات: 544
-الناشر:
معهد الدراسات الإستراتيجية، بغداد
-
الطبعة: الأولى/2006

القومية الكردية
يعتقد فريد هاليداي أنه قد يكون من الممكن كتابة تاريخ حداثي للكرد رغم دعاوى المؤرخين القوميين والمفهوم الصناعي الضيق للقومية.

ولا بد من أن تثمر الحركة الكردية حصيلة حداثية: نيل الحقوق والديمقراطية في كل دولة، أو في إطار دولة مستقلة على أساس ديمقراطي، وهذا ما لم يسمح به حتى الآن، التاريخ الحديث وأشكال الدولة الحديثة التي يواجهها الكرد.

وفي متابعة مارتن فان برونسن لتاريخ القومية الكردية نجد أن الإثنية الكردية قد تأثرت بجملة عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة: سياسات بناء الأمة في تركيا وإيران والعراق وسورية، وتطور الاتصالات، والتعليم العام، وانتشار الكتابة والقراءة جماهيريا.

وكذلك تزايد الحراك الجغرافي والاجتماعي، وعقود النضال السياسي والكفاح المسلح الذي خاضته الأحزاب القومية الكردية، وتدمير الكثير من الحياة الريفية التقليدية، وظهور شتات كردي كبير على مستوى عال من التعليم والصوت المسموع.

وأصبحت غالبية الكرد أكثر اندماجا من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية في الدول التي يعيشون فيها، ولكن هذا لم يعمل على إضعاف الإثنية الكردية.

لقد أصبحت الإثنية خيارا شخصيا، وكان البعض من القيادات الكردية مثل ضياء غوكالب، وشكرو صكبان يدركون احتمال أن يختار المرء هويته الإثنية، فدعوا إلى اختيار الهوية التركية التي اعتقدوا أنها تتيح إمكانات أوسع للتقدم.

وقد مارست الحكومة التركية -وبدرجة أقل الحكومتان العراقية والإيرانية- أشكالا مختلفة من الضغط لإقناع الكرد وغيرهم من الأقليات القومية باحتضان إثنية الدولة السائدة، وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح صهر الكثير من الكرد، وجعلهم يختلفون ويتفرقون ثقافيا وإثنيا.

ولكن عملية الدمج هذه عززت الوعي بوجود هوية مشتركة عامة بين الكرد على اختلاف مناطقهم ولهجاتهم ومذاهبهم، وحدث اندماج لجماعات من الفلاحين وبعض الجماعات المسيحية في الإثنية الكردية.

وأنتج المثقفون الكرد المؤشرات الرمزية للإثنية الكردية من أعمال التدوين التاريخي واللسانيات والدراسات الفولكلورية، وفي المقام الأول الشعر والأدب المنثور، وكان من تأثير الحركات السياسية أنها حددت بوضوح أكبر التخوم الإثنية التي تفصل الكرد عن الجماعات الإثنية السائدة في دولهم.

ولكن تعززت الانقسامات الداخلية بين الكرد، وساهمت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في نشوء ثقافة كردية غير متجانسة، وقد احتفت بعض الحركات والأحزاب الكردية بهذا التنوع الثقافي.

"
الحكومة التركية مارست -وبدرجة أقل الحكومتان العراقية والإيرانية- أشكالا مختلفة من الضغط لإقناع الكرد وغيرهم من الأقليات القومية باحتضان إثنية الدولة السائدة، وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح صهر الكثير من الكرد وجعلهم يختلفون ويتفرقون ثقافيا وإثنيا
"
وتنامى الوعي بأن المجتمع الكردي يمثل موزاييكا ولا تتماهى مكوناته كلها بقدر متساو من القوة مع الكل، ويمكن لتخومه الخارجية أن تتغير بعض الأحيان ولكنه مجتمع سيبقى على الدوام موزاييكا.

ويفترض أن عمليات الدمقرطة وتشكيلات المجتمعات المدنية في تركيا وإيران تغير من الهوية الإثنية للسلطة السياسية بما يضمن تمثيل هويات وحقوق من لا سيادة لهم في العمليات السياسية والاجتماعية والثقافية.

ويجد عباس ولي أن هذا المسعى إلى تغيير هوية السلطة السياسية هو أيضا الركيزة الأساسية التي ينهض عليها الحل المقترح للقضية الكردية في تركيا وإيران.

وهو مشروع نظري قائم على نقد جذري لمفهوم السيادة، وبالتالي المطالبة بإصلاح دستوري جذري يمتد إلى نزع الطابع الإثني عن شروط المواطنة.

وهذا الأساس النظري المشترك يربط القضية الكردية ربطا لا فكاك منه بتطور المجتمع المدني ودمقرطة العملية السياسية في تركيا وإيران.

وهو بهذا يشير إلى اتجاه سياسي شائع ينبغي الاعتراف به وتقديره، ولكن قلة من الكرد ستدعم هذا المشروع علنا، وتعليل ذلك يعود إلى الشعور بالأسى، وهو تعليل مقنع عمليا.

فيبدو من المستبعد أن يكون لدى الدول الأربع ذات السيادة التي تحكم كردستان أن تتخلى عن خطابها القومي وإنكار الهوية القومية الكردية.

الإثنية والسلطة والدين واللغة
يناقش هشام داود، وسامي زبيدة، وجويس بلاو إشكاليات السلطة واللغة والدين وعلاقتها وتفاعلاتها مع الإثنية مع النظر بشكل خاص إلى حالة الكرد في العراق باعتبارها اليوم قضية ساخنة، ولكن على نحو عام فقد عادت قضايا التعددية الإثنية والدينية واللغوية تطرح بقوة في السنوات الأخيرة.

الجماعات الإثنية في أكثر التعريفات شيوعا هي الجماعات التي تؤمن إيمانا ذاتيا بأصلها المشترك، ولا بد أن يكون هذا الإيمان مهما لتكوين الجماعة، وليس شرطا لتشكل هذه الجماعة وجود قرابة ونسب مشترك.

ولكن الإثنيات في البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط يمكن أن تتداخل وتتضافر حسب الظروف مع الإحساس بالانتماء إلى جماعة دينية.

"
واقع الإثنية يلوح الآن في أفق العراق السياسي، وتندفع جماعات إثنية معينة إلى تشديد هويتها لطرح مطالب بتقسيم السلطة مع الجماعة الإثنية الحاكمة
"
ففي إيران يصنف الأرمن والزرادشتيون والآشوريون واليهود على أنهم "أقليات" برغم أنهم من الفرس إثنيا، ولذلك فإنه من الضروري لتحديد جماعة ما إثنيا أن تؤخذ بالاعتبار الخصائص التي تميزها كجماعة معطاة من الأفراد، وأن تراعى في الوقت نفسه الأواصر التي تربط هذه الجماعة بجماعات إثنية أخرى.

وفي حالة الكرد سنجد أن تحديد الإثنية الكردية ليس منضبطا، فثمة تعددية لغوية وثقافية ودينية ومذهبية يجعل من الصعب تصنيف الإثنية الكردية في خانة محددة.

وفي غالب الأحيان -كما كانت الحال في العراق قبل عام 2003- كانت سلطة الدولة بأيدي جماعة إثنية أو طائفة دينية سائدة أو الاثنتين معا، أو حتى بأيدي قبيلة واحدة تهيمن على الجماعة الإثنية.

وبالتالي فإن الانتماء إلى إثنية مشتركة لم يعد يعني مجرد الانتماء إلى كليانية ثقافية، بل كان يعنى أيضا تقسيم الأفراد والمجموعات تراتبيا بحكم إثنيتهم وانتمائهم القبلي إلى مواقع أعلى أو أدنى في هرم الدولة البيروقراطي.

والآن يلوح واقع الإثنية في أفق العراق السياسي، وتندفع جماعات إثنية معينة إلى تشديد هويتها لطرح مطالب بتقسيم السلطة مع الجماعة الإثنية الحاكمة.

ويصح هذا أيضا عندما تكون جماعات إثنية صغيرة خاضعة لهيمنة جماعة إثنية ثالثة تتقاسم معها رقعة إقليمية واحدة كما يظهر بوضوح مع جماعات مثل الآشوريين والتركمان والكلدانيين وعلاقاتهم مع الكرد والعرب.

ولكن إذا كان هناك شيء أثبت أن من الصعب إعادة بنائه في عراق ما بعد صدام فهذا الشيء هو تقاسم السلطة.

وقد ضمت كردستان لكونها منطقة جبلية على مر السنين طائفة واسعة من الأديان المعارضة والجماعات الإثنية، وكان بعد الجبال وعزلتها يحميان المعارضين من ذراع السلطات الدينية والسياسية، ويغلب على الكرد اليوم أنهم مسلمون سنة، ولكن هناك كرد شيعة وعلويون وأزيديون ومسيحيون ويهود.

لقد كانت الطائفية الدينية ومازالت قوة مهمة للتضامن والولاء في مناطق عديدة من العالم، ولا تقوم الطائفية الدينية بالضرورة على عقيدة أو ممارسة دينية، وإنما على ارتباط جماعة بالدين، ويكون الدين في هذه الحالة بمثابة مؤشر إثني، كما في إيرلندا على سبيل المثال.

وقد اتخذت أنظمة سياسية في الشرق الأوسط أبعادا إثنية وطائفية كما في العراق وسوريا أو قبلية كما في اليمن، واستغلت أنظمة سياسية هذه النزعات الإثنية والطائفية والقبلية لتمكين سلطتها وتفريق المجتمعات وإرهابها.

"
اتخذت أنظمة سياسية في الشرق الأوسط أبعادا إثنية وطائفية كما في العراق وسوريا أو قبلية كما في اليمن، واستغلت أنظمة سياسية هذه النزعات الإثنية والطائفية والقبلية لتمكين سلطتها وتفريق المجتمعات وإرهابها
"
وقد شجع ذلك على نشوء شبكات طائفية وفئوية حول أعيان الطائفة ووجهائها، حيث يعقدون الصفقات مع موظفي الدولة والحزب باسم أفراد طائفتهم، ويمكن لقبائل وطوائف وجماعات إثنية أن تجني فوائد من ترتيبات واتفاقات كهذه.

وتميل هذه الممارسات إلى تعزيز وإعادة بناء تحالفات وعداوات بدائية بين الطوائف والجماعات المختلفة على حساب المواطنة المشتركة والانتماءات الأيديولوجية.

وتشعر غالبية الأدباء الكرد إن لم يكن جميعهم بأن اللغة الكردية أداة حقيقية للتعبير عن هويتهم القومية ومعيار مهم يميزهم إثنيا وقوميا عن جيرانهم، وقد كان يغلب على الكرد الاندماج اللغوي في الوسط المحيط، العربي والفارسي والتركي.

ولكن بدأت في القرنين السادس عشر والسابع عشر تظهر آداب كردية، ويعتبر أحمد الخاني المؤسس للأدب الكردي وبخاصة بملحمته الشعرية "مام وزين" فهذه الملحمة مليئة بالتراث الكردي والرموز القديمة والوطنية، وتشكل أيضا تأسيسا لمواجهة النزعة القومية عند العثمانيين والصفويين.

الكرد في العراق والمستقبل
يمكن تحت هذا العنوان إدراج أربع دراسات تضمنها الكتاب، وهي الإسلام السياسي بين الكرد/ميخائيل ليزنبرغ، ومستقبل الكرد في العراق/مايكل جونز، والتوصل إلى توازن خطر: السياسة الكردية في عراق ما بعد صدام/غاريت ستاتسفيلد، والقومية العربية بإزاء القومية الكردية: تأملات في التماثلات والتباينات البنيوية/فالح عبد الجبار.

هل سيمضى الكرد إلى دولة مستقلة وبخاصة مع صعوبة حصولهم على فيدرالية تلبي مطالبهم؟ يتساءل مايكل جونز معدا للإجابة المسبقة بالتوجه نحو الاستقلال، فهو يتوقع عدم القدرة على تحقيق فيدرالية مجدية بسبب افتقار العراق إلى ثقافة ديمقراطية على حد تعبيره.

ولكن الاستقلال يبدو متعذرا بدون موافقة تركيا ودعم الولايات المتحدة الأميركية، يستدرك جونز، وقد يكون برأيه لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي دافعا لها لتقلل من أهمية استقلال كرد العراق، ولتدير ظهرها للشرق وتتوجه نحو الغرب.

وفي المقابل فإن استبعاد تركيا من الاتحاد الأوروبي سيجعل قضية الأكراد مهمة في الأمن القومي التركي، وسيجعلها ذلك ترفض بقوة قيام دولة مستقلة للكرد في العراق، ولكن نشوء هذه الدولة في ظل تركيا وتبعيتها سيجعلها غير خطرة عليها.

"
العالم العربي يشهد شكلين أساسيين من النزعة القومية، شكلا إثنيا أساسا، وشكلا ثانيا دينيا أساسا، ويتميز الاثنان بالنزوع التسلطي سياسيا والتطلعات الشعبوية، ويركز القومي على المجال السياسي ويركز الإسلامي على المجال الثقافي
"
والواقع أن الكيان الكردي في العراق تطور على مدى السنين إلى حالة قريبة جدا من الاستقلال، ولا تحتاج هذه الدولة سوى إلى الإطار القانوني، وقد نشأت أجيال كردية تعتبر نفسها كردية وليست عراقية وتكاد لا تعرف اللغة العربية، وقد تحول الحزبان الرئيسان في كردستان إلى حكومتين تتمتعان بموارد وسلطات لا يتوقع منهما أن تتنازلا عنه بسهولة وطواعية.

ولكن نشأت بعيدا عن هيمنة الحزبين الرئيسيين قوى إسلامية وقبلية معارضة، وقد زاد تأثير هذه القوى بعد صدام حسين، ويظهر الأفق السياسي أنه لن يسمح لهذه القوى بأن تكسب موقعا مهما يتحدى هيمنة الحزبين الرئيسين الحاكمين.

وهناك أيضا خلافات كبيرة وخطيرة بين القوتين الكرديتين الرئيسيتين، وقد سبق أن وقعت بينهما صراعات مدمرة في التسعينيات، ويجري اليوم تنافس بينهما امتد من كردستان إلى بغداد.

وبالنظر إلى القضية الكردية والقضايا الإثنية بعامة في العالم العربي فإن فالح عبد الجبار يقدم رؤية عامة وشاملة للحالة العربية.

فالعالم العربي يشهد شكلين أساسيين من النزعة القومية، شكلا إثنيا أساسا، وشكلا ثانيا دينيا أساسا، ويتميز الاثنان بالنزوع التسلطي سياسيا والتطلعات الشعبوية، ويركز القومي على المجال السياسي ويركز الإسلامي على المجال الثقافي.

وتواجه الخطاب القومي مشكلة الإثنيات الأخرى: الكرد والبربر والأفارقة، وتواجه الخطاب الديني (الإسلامي) مشكلة الأقليات الدينية والمذهبية الأخرى: المسحيون، والانقسامات المذهبية (سنة وشيعة).

المصدر : الجزيرة