عرض/إبراهيم غرايبة
رغم أن عنوان الكتاب يشد القارئ إلى العلاقات السورية اللبنانية في حالتها الراهنة اليوم، فإنه يقتصر على عرض تاريخي للعلاقات اللبنانية السورية في المرحلة التي أعقبت الاستعمار الفرنسي لكل من سوريا ولبنان حتى عام 1964، ولكن الكتاب يقدم فكرة شاملة عن طبيعة هذه العلاقة وتداخلاتها التاريخية والجغرافية.

تقسيم سوريا الطبيعية
يبدأ المؤلف بالعرض التاريخي السياسي الذي أسس للحالة الراهنة في سوريا ولبنان وبلاد الشام بعامة. فقد كانت بلاد الشام -كما هو معلوم- منطقة جغرافية وإدارية واحدة، وعندما أنشأ فيصل بن الحسين مملكته فيها كانت تشمل ما يعرف اليوم بسوريا ولبنان وفلسطين والأردن.

-الكتاب: العلاقات اللبنانية السورية
-المؤلف: غسان عيسى
-الصفحات: 662
-الناشر: 
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر, بيروت
-الطبعة: الأولى/2007
وكان استيلاء الجنرال غورو على دمشق في يوليو/تموز 1920 بعد معركة ميسلون نهاية لمشروع الدولة العربية الموحدة.

وقد أنشئت جمهورية لبنان عام 1926 ووضع لها دستور وشكل مجلس نيابي، ولكن السلطة العليا ظلت بيد المفوض الفرنسي، بحيث يستطيع تعليق الدستور وحل المجلس ونزع صلاحيات رئيس الجمهورية والحكومة.

وبدأت الأحزاب السياسية تتشكل في سوريا ولبنان، حيث كان بعضها يعبر عن شكل الدولة والمجتمع سياسيا واجتماعيا، وأخرى تحاكي الأحزاب والحركات الوطنية والقومية والأممية.

ومن أهمها: حزب الشعب السوري الذي يهدف إلى الوحدة العربية وإلغاء الانتداب وإقامة جمهورية سوريا في نطاق الاتحاد مع باقي الدول العربية.

ومن أشهر قادته عبد الرحمن الشهبندر، وقد كانت هناك خلافات بين حزب الشعب والاستقلاليين، وبين اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني ولجنة القدس.

وقد أسفر مؤتمر بيروت عام 1927عن انبثاق تنظيم وطني في سوريا حمل اسم "الكتلة الوطنية" سيقود المسيرة نحو الاستقلال في سوريا، وكان لأنطوان سعادة الدور الأكبر في بلورة فكرة القومية السورية وتأسيس الحزب السوري القومي عام 1932. وقد حدد سعادة مقومات القومية السورية في ثلاثة: "الجغرافيا، التاريخ، الشعب".

وفي عام 1933 نشأت "عصبة العمل القومي" في جبل لبنان والتي يمكن اعتبارها المحاولة الأولى لإضفاء الطابع العقائدي الوحدوي على الحركة القومية العربية، وكان مؤسسوها من اللبنانيين والسوريين، وقد تميز هذا التنظيم بخططه السياسية ونزعته القومية.

لقد ظلت التطلعات الوحدوية والإيمان بالعروبة و"الأمة ذات الرسالة الخالدة" تشكل حافزا نضاليا لذلك الجيل من الشباب الذي نشأ في حالة من التمزق والتبعية في الوطن العربي. وفي عام 1947 أنشأ زكي الأرسوزي، وميشيل عفلق، وصلاح البيطار حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي ركز نشاطه في لبنان على علمانية الدولة وبشر بأيديولوجية الوحدة الاشتراكية.

وفي الحرب العالمية الثانية وبعد سقوط فرنسا بيد الألمان واجتياح الحلفاء سوريا ولبنان، أعلن الجنرال "كاترو" استقلال لبنان وسوريا في الثامن من يونيو/حزيران 1941، وفي 15 سبتمبر/أيلول أكد كاترو أن سوريا دولة مستقلة ذات سيادة، وجميع المناطق مرتبطة بدمشق، وتشكلت وزارة سورية تعكس الوحدة السورية لأول مرة.

"
الوطنيون في سوريا ولبنان استغلوا الصعوبات التي كان يتخبط فيها الانتداب الفرنسي، فصعدوا حركتهم النضالية، وبدأت الأحزاب تطالب بإعادة الحياة الدستورية إلى البلاد وتسليم الحكم للعناصر الوطنية
"
وكانت القيادات السياسية في فرنسا قد انقسمت إلى قسمين: لجنة فرنسا الحرة التي شكلها الجنرال ديغول، وحكومة فيشي بقيادة بيتان الموالية للألمان، وقد استغل الوطنيون في سوريا ولبنان الصعوبات التي كان يتخبط فيها الانتداب، فصعدوا حركتهم النضالية، وبدأت الأحزاب تطالب بإعادة الحياة الدستورية إلى البلاد وتسليم الحكم للعناصر الوطنية.

وفي نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت مشروعات الوحدة العربية تأخذ أفكارا ومسارات جدية وتطبيقية، فقد أنشئت الجامعة العربية عام 1945، ودارت مشاورات واتصالات لإنشاء دولة سوريا بقيادة الأمير عبد الله بن الحسين، وأخرى لإنشاء دولة الهلال الخصيب (بلاد الشام والعراق)، والشرق العربي (الجزيرة العربية والهلال الخصيب). ولكن مشروع الجامعة العربية هو الذي لقي القبول والنجاح.

وقد شاركت كل من سوريا ولبنان في المؤتمر التأسيسي للجامعة الذي عقد في الإسكندرية، وفي أبريل/نيسان 1945 وقعت حكومتا البلدين على بيان هيئة الأمم المتحدة وميثاقها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجمهوريتان في وضع الدول المستقلة ذات السيادة، باعتراف دول المنظمة.

وأما العلاقات الاقتصادية اللبنانية السورية فقد كانت في عهد الانتداب أقرب إلى الوحدة، فقد أنشئ مصرف سوريا ومُنح حق إصدار النقود والإشراف على ميزانيتي البلدين وامتياز إصدار عملة جديدة هي الليرة السورية، ثم حول إلى بنك "سوريا ولبنان" وكان من أهم المرافق الاقتصادية الحاضنة للرأسمال الفرنسي.

كانت سوريا تعتمد على الموانئ اللبنانية لتصدير منتجاتها الزراعية مثل القطن والقمح والحيوانات، وتستورد من خلالها مدخلات الصناعة والسلع الاستهلاكية المصنفة، عدا عن كون لبنان مقرا للمصالح المشتركة والشركات ذات الامتياز.

واستمر البلدان -مع تحقيق الاستقلال- في الاحتفاظ بهيكل الوحدة بينهما في إطار الاتحاد الجمركي الذي دفع إلى السماح بتداول النقد بحرية دون التقيد بالسعر الرسمي. وقد شكلت سوريا ولبنان سابقة في علاقتهما الاقتصادية منذ خضوعهما للانتداب، وكان الاتحاد الجمركي اللبناني السوري المحاولة الوحيدة التي قامت بها الدول العربية لتحقيق التكامل أو الاندماج الاقتصادي.

القضية الفلسطينية والعلاقات اللبنانية السورية
شارك لبنان شعبيا ورسميا في القضية الفلسطينية، فقد دانت الحكومة بقيادة رئيسها رياض الصلح قرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي المتعلق بالوطن القومي اليهودي في فلسطين.

وعلى الصعيد الشعبي نشطت القوى الوطنية والإسلامية في حملة توعية ودعم للدفاع عن فلسطين، وشكلت الأحزاب والحركات اللبنانية، مثل عصبة العمل القومي وعصبة مكافحة النازية والفاشية والحزب الشيوعي اللبناني واتحاد الشبيبة الإسلامية ومنظمة النجّادة والإخوان المسلمون، هيئة مشتركة للعمل السياسي والإعلامي والعسكري والتطوعي لصالح القضية الفلسطينية.

"
نكبة عام 1948 كانت بداية لتحولات جذرية سياسية واقتصادية أصابت العالم العربي عامة والبلاد المجاورة لفلسطين خاصة، فحدثت انقلابات عسكرية واغتيالات سياسية في دول عربية عدة، وتشكلت محاور عربية جديدة دار بينها صراع سياسي وإقليمي عميق ومعقد
"
وكانت نكبة عام 1948 بداية لتحولات جذرية سياسية واقتصادية أصابت العالم العربي عامة والبلاد المجاورة لفلسطين خاصة، فحدثت انقلابات عسكرية واغتيالات سياسية في دول عربية عدة، وتشكلت محاور عربية جديدة دار بينها صراع سياسي وإقليمي عميق ومعقد، وانقسم الانحياز العربي بين المعسكرين الشرقي الاشتراكي والغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

وقد اختار لبنان سياسة الحياد والتطلع إلى الغرب والتمسك بعلاقات جيدة مع العراق وتركيا المنحازين للغرب والمنافسين لسوريا ومصر الناصرية، وحرصت دمشق في سياستها على اعتماد إستراتيجية إبقاء لبنان متنفسا سياسيا في علاقاتها مع الغرب من جهة، ومع الدول العربية من جهة أخرى.

وكان على لبنان أن يختار عدم تجاهل المواقف السورية لتفادي أزمة في العلاقات مع سوريا، ويمكن القول إن العلاقات اللبنانية السورية تحكمت بها اعتبارات ارتباطها بالوضع العام في الشرق الأوسط وقضاياه، ما جعلها شديدة التأثر به ومتفاعلة معه.

فبعد عام 1956 تحولت لبنان إلى قاعدة وملعب لكل القوى المؤثرة على حركة الصراع في الشرق الأوسط، وأصبحت بيروت مركزا رئيسيا لعمليات المخابرات الدولية والمؤامرات وتجارة السلاح.

الوحدة المصرية السورية وتأثيرها على سوريا ولبنان
عندما قامت الوحدة المصرية السورية عام 1958 أكد الرئيس عبد الناصر أن الجمهورية العربية المتحدة لا تريد من لبنان سوى التناغم والتنسيق العربي في درء الخطر الاستعماري في المنطقة العربية.

وكانت تلك المرحلة تشهد قدرا من الانسجام في العلاقة بين واشنطن والقاهرة، وقد جرت بينهما مفاوضات بشأن مرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية، واتفقا على اختيار فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية.

وفي نوفمبر/تشرين الأول 1958 سجل الانسحاب الأميركي نهاية الأزمة اللبنانية، وكانت أول مبادرة قامت بها الحكومة اللبنانية التزامها عدم الانحياز، واتخذت خطوات لتصحيح علاقاتها مع الجمهورية العربية المتحدة.

وقد مرت العلاقات اللبنانية السورية بمرحلة من التأزم وفقدان الثقة، خاصة في مسألة اللاجئين السياسيين السوريين في لبنان، ولكن في يونيو/حزيران 1961 قررت السلطات اللبنانية السورية التعاون للحد من نشاط الشيوعيين وترحيل عدد من السوريين المشتبه بهم، وقد طلبت الجمهورية العربية المتحدة من لبنان تشديد المراقبة على عدد من الأحزاب اللبنانية.

وبدأت الوحدة المصرية السورية بالانهيار إلى أن وقع الانفصال بالفعل بمبادرة من القيادات السياسية والعسكرية السورية، وشهدت سوريا مرحلة سياسية جديدة، فقد أبعدت القيادات التاريخية لحزب البعث، ثم شهدت مرحلة من الانقلابات العسكرية.

"
لبنان تحول بعد انهيار الوحدة المصرية السورية إلى ساحة صراع سوري مصري، وشهد انقساما وارتباكا في التعامل مع الانفصال وإن كان الرئيس فؤاد شهاب مؤيدا لعبد الناصر ومشروع الوحدة
"
وتحول لبنان في هذه المرحلة إلى ساحة صراع سوري مصري، وشهد انقساما وارتباكا في التعامل مع الانفصال، وإن كان الرئيس فؤاد شهاب مؤيدا لعبد الناصر ومشروع الوحدة.

وخلال العام 1961 تحركت الدبلوماسية السورية باتجاه لبنان، فأبدت الأوساط السورية الرسمية رغبتها بحل القضايا السياسية قبل الدخول في مفاوضات اقتصادية.

كما أغرت لبنان بعقد اتفاق اقتصادي شامل مع سوريا والعراق بشرط التعاون إلى أبعد الحدود سياسيا، وزار الأمين العام لوزارة الخارجية السورية نادر الكزبري لبنان على رأس وفد رسمي لشكر البطريك الماروني على تهنئته بالنظام الجديد، وأعلن أن علاقات لبنان وسوريا علاقات ود وصداقة.

وتوالت الزيارات المتبادلة الرسمية السورية اللبنانية عبر وفود وزارية ونيابية، كما عقدت لقاءات وتقابل رئيسا البلدين وصدرت خلالها بيانات وتصريحات تؤكد أن العلاقات اللبنانية السورية منسجمة، وأن المفاوضات الاقتصادية ستستأنف، وأن السياسة السورية تتلخص بإعادة المياه إلى مجاريها مع لبنان.

ولكن العلاقات تأزمت عام 1962 بسبب حملات الصحف اللبنانية على الحكومة السورية، فقد اتهمت الأوساط الرسمية اللبنانية المسؤولين السوريين بإثارة الحملة ضد الحكومة اللبنانية لتغطية مشاكلهم الداخلية.

ولترتيب الوضع اللبناني السوري وإعادة الثقة بين البلدين الشقيقين رغم استمرار الحملات الصحفية المتبادلة بينهما، جرت اتصالات لتخفيف حدة الأزمة وتمتين علاقات التعاون بين لبنان وسوريا، وأبلغت السلطات السورية بأن بعض العناصر (المعادية لسوريا) تتجمع للقيام بعمليات ضد الأراضي السورية، وطلبت من لبنان مراقبة الحدود، وصدر بيان سوري لبناني أكد روح التعاون والتفاهم بين البلدين.

كان لبنان في سياسته الخارجية يعتبر نفسه في نقطة وسط تقع بين الشرق والغرب، وقد كان التوافق الرسمي الخارجي اللبناني أكثر ميلا إلى الغرب، خاصة مع أميركا مع علاقات وثيقة مع عدد من دول أوروبا وخاصة فرنسا.

وكان الانحياز للرئيس عبد الناصر إقليميا وللغرب دوليا، وكانت الأوساط السورية تعتبر الرئيس فؤاد شهاب أحد رموز التعاطف مع عبد الناصر، والذي شكل مدخلا للجانب المصري لمساعدة الرئيس اللبناني في تهدئة المسلمين وانسجامهم مع تطلعات العهد، بينما تعرضت العلاقات السورية اللبنانية إلى توتر ملحوظ ساد فترة الستينيات من القرن العشرين.

إذ شهدت الساحة اللبنانية تجاذبات وصراعات بين السياسة المصرية العربية، والسياسة السورية التي لم تهدأ ولم تتوضح بفعل الحركات الانقلابية التي انسحبت تغييراتها على رجال السياسة والقادة لهذا البلد.

"
الساحة اللبنانية شهدت تجاذبات وصراعات بين السياسة المصرية العربية والسياسة السورية التي لم تهدأ ولم تتوضح بفعل الحركات الانقلابية التي انسحبت تغييراتها على رجال السياسة والقادة لهذا البلد
"
كان لبنان يحرص على قيام علاقات واقعية بين البلدين، لكن الحكم السوري صعد مواقفه الضاغطة على لبنان، وفي ذلك الوقت كانت إسرائيل تحشد قواتها على الحدود السورية فاستغل لبنان هذه الفرصة لتعود العلاقات طبيعية، وأعلن الرئيس رشيد كرامي أن لبنان لن يتخلف عن القيام بواجبه إذا تعرضت سوريا للخطر الإسرائيلي.

وتحولت العلاقات الاقتصادية التاريخية بعد ثورة مارس/آذار 1963 إلى حالة غير واضحة المعالم، كما في سابق عهدها، واستمرت تطغى على المعالجات والحلول بين البلدين سمات الفعل وردة الفعل، وارتبطت أكثر بما يجري من تغيرات سياسية ومعالجات اقتصادية في الداخل السوري.

وبالتالي كانت هذه الحالة تنعكس ارتباكا سياسيا واقتصاديا في لبنان، مما جعل الدولة اللبنانية تبادر دائما إلى إبعاد لبنان عن الصراعات الداخلية السورية.

في عام 1964 استمرت حالة اللااستقرار السياسي والاقتصادي بين سوريا ولبنان، حيث أفرزت نتائج الانتخابات عهد شارل الحلو، وتميزت العلاقات اللبنانية السورية بالبقاء معلقة وبعيدة عن البحث الأخوي الجاد والصريح.

كما شهدت توترا ملحوظا في الجانب الأمني، وتبادل الاتهامات بين البلدين، حتى أن السلطات اللبنانية أصدرت مرسوما منعت بموجبه حزب البعث من ممارسة نشاطه السياسي، واعتبر ذلك ضربا للتقارب بين دمشق وبيروت في مستهل عهد الرئيس شارل الحلو.

المصدر : الجزيرة