عرض/الحسن السرات
أصدرت حركة التوحيد والإصلاح المغربية كتابا جديدا عن سيرتها تحت عنوان "عشر سنوات من التوحيد والإصلاح" وهي العشر الممتدة من 1996 إلى 2006.

-الكتاب: عشر سنوات من التوحيد والإصلاح
-المؤلف: محمد يتيم وآخرون
-الصفحات: 216
-الناشر: حركة التوحيد والإصلاح, الرباط
-الطبعة: الأولى/2006
والكتاب مؤلف جماعي ساهم فيه كتاب وصحفيون ومسؤولون في الحركة تحت إشراف محمد يتيم عضو المكتب التنفيذي الحالي للحركة ونائب الرئيس سابقا وأحد رؤساء فصيل من فصائل الحركات المتوحدة.

ويعتبر الكتاب تعريفا ذاتيا من الحركة لذاتها قدمت فيه عددا من المعطيات المهمة عن تاريخ الحركة الإسلامية المغربية لا يجدها الباحثون ولا الصحفيون أو المراقبون في الصحف والمجلات والدوريات المختصة.

كما أن الحركة أرادت بهذا الكتاب "الدخول في عصر تدوين جديد يتجاوز ظاهرة الإحجام عن الكتابة أو الزهد فيها التي ظلت ظاهرة ثقافية ملازمة للمغاربة" كما قال محمد يتيم في تقديم الكتاب.

 وتزامن إصدار الكتاب مع ذكرى مرور عشر سنوات من تأسيس الحركة وهو ليس دراسة تاريخية أو بحثا علميا، إذ أن "هذا الأمر متروك للباحثين من أعضاء الحركة وغيرهم".

وينقسم المؤلف إلى أربعة فصول هي "روافد حركة التوحيد والإصلاح"، "تجربة التوحيد بلسان بعض المساهمين فيها"، "الحصيلة والكسب"، "الحركة ومحيطها"، "حصيلة وشهادات".

تجربة مغربية خالصة
المجموعات الإسلامية الأولى بالمغرب قادها في الغالب أساتذة وطلاب وتلاميذ تأثروا بالمدرسة الإخوانية المصرية والجماعة الإسلامية وجماعة الدعوة والتبليغ الباكستانيتين، لكنهم أصروا منذ البداية على شق الطريق في تجربة مغربية خالصة لا ترتبط تنظيميا ولا تصوريا بأي تنظيم خارجي ولو كان إسلاميا.

يقول الكتاب "على قدر من الله قامت طلائع من الفتية المغاربة في عدة مدن مغربية بوضع اللبنات الأولى لعمل إسلامي قادم، فنبتت الجلسات التربوية ثم تطورت إلى فكرة الجماعات والجمعيات لتتلاقى النيات الحسنة في أعمال حسنة".

"
المجموعات الإسلامية الأولى بالمغرب قادها في الغالب أساتذة وطلاب وتلاميذ تأثروا بالمدرسة الإخوانية المصرية والجماعة الإسلامية وجماعة الدعوة والتبليغ الباكستانيتين، لكنهم أصروا منذ البداية على شق الطريق في تجربة مغربية خالصة
"
في مطلع الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بدأ المغرب يشهد ظهور جماعات إسلامية منظمة على غرار الحركات الإسلامية بالمشرق العربي.

وهذا لا يعني أن المغرب ظل خاليا من حركات البعث والنهضة انطلاقا من الإسلام بل على العكس من ذلك، إذ أن حركات التحرر والمقاومة والمطالبة بالإصلاح ورحيل الاستعمار كانت في مجملها وأصلها حركات دينية وقادها علماء وخريجو المدارس الدينية العتيقة.

غير أن الحركات الإسلامية لما بعد الاستقلال اتخذت طابعا تنظيميا عصريا ونادت بالعودة إلى الأصول الإسلامية الأولى مع تنشيط آليات الاجتهاد والانخراط في العصر.

تجمع الروافد
يعتبر الكتاب أن الحركة هي اجتماع لجهود عدة روافد تصغر أو تكبر، لكن أهمها هي رابطة المستقبل الإسلامي وحركة الإصلاح والتجديد.

بعد عقد من التعارف والتعاون والتنسيق أجمعت الحركتان معا على توحيد نفسيهما ووضع حد لحالة التشرذم والتمزق للعمل الإسلامي. فكان المولد في أغسطس/آب 1996 فظهرت حركة التوحيد والإصلاح معلنة عن نفسها في بيان شهير بنفس التاريخ المذكور.

رابطة المستقبل الإسلامي كان يقودها د. أحمد الريسوني، وكانت تضم جمعيات أخرى هي الجمعية الإسلامية بمدينة القصر الكبير، وجمعية جماعة الدعوة بفاس، وجمعية الشروق الإسلامية، ومجموعة التوحيد.

أما حركة الإصلاح والتجديد فقد ورثت البقية الكبرى من حركة الشبيبة الإسلامية بعد تشتتها، وقادها عبد الإله بنكيران ومحمد يتيم.

كانت النقاشات فكرية وسياسية، وكان المتحاورون يعتبرون أن الأفكار والمواقف يجب أن تكون متقاربة بينهم إن لم تكن موحدة، كالموقف من السرية ومن العنف ومن النظام السياسي ومن الأحزاب ومن الانتخابات والارتباط بالخارج، قضايا من هذا القبيل أخذت حيزا كبيرا في النقاشات.

وظهر في النهاية أنه ليست هناك اختلافات كبيرة وأن الاختلافات بين الجماعتين يوجد مثلها وأكثر منها داخل الجماعة الواحدة، فاقتنع المتحاورون أنه إذا كانت الأمر كذلك فلم لا تتوحد الحركتان إذن، وظهر أن الاختلافات ليست عميقة ولا جوهرية ولا عقدية وأنها ترجع إلى التدبير والاجتهاد والتقدير السياسي الذي يجب أن يكون شوريا وآنيا.

فاتفق المؤسسون أن ما هو حاصل بينهم من تقارب ومن تجانس وما ذللوه من صعوبات ومن اختلافات وما قربوا فيه من وجهات نظر كاف لكي يمضوا، وما كان من اختلافات لا يخرج عن الاختلافات الداخلية التي توجد في أي تنظيم.

وهذه الاختلافات الباقية اتفقوا أن يكون حسمها لاحقا من خلال المؤسسات ومن خلال القرار الشوري وبمبدأ الأغلبية، فمبدأ الشورى الملزمة ومبدأ الأغلبية كان عنصرا حاسما وكان نقطة التقاء تراضوا عليها.

إحراق السفن

"
أهم درس في الوحدة هو أنها جهاد تربوي وإبداع في الانتقال من التعدد إلى التوحد، وأن تحرق السفن القديمة وتحمل الجميع في سفينة جديدة دون أن تغرق
"
تقدم تجربة الوحدة التي أنجزتها حركة التوحيد والإصلاح تجربة ميدانية ثرية تستحق الدراسة والتأمل والوقوف عند الشروط التي جعلتها ممكنة وعن مظاهر نجاحها ومظاهر إخفاقها، خاصة وأن هذه الوحدة جاءت عكس ريح التشرذم والتشتت الذي شهدته الحركات الإسلامية بالمغرب والعالم الإسلامي.

ويسأل الكتاب "لماذا نجحت هذه المحاولة؟ وكيف حدث ذلك؟ ولماذا نجحت فيما أخفق فيه آخرون؟ وكيف أحرقت حركتا الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي سفنهما بعد عبور مضيق المحاولات التوحيدية الأولى وفترة الإعداد للوليد الجديد؟

ألم تكن "المراكب القديمة" حائلا دون ركوب سفينة جديدة؟ وكيف تخلص المؤسسون من رصيد نفسي وكسب حركي واقتناع فكري ترسخ مع مرور الأيام؟ كيف مسحوا الطاولة وأنشؤوا تنظيما آخر واجتهادا جديدا؟".

يقدم محمد يتيم تحليلا نفسيا لمن يسعى لتحقيق الوحدة قائلا "الوحدة تحتاج إلى ثقافة وتربية وإرادة وتضحية والإرادة قيادية، الوحدة تعني أن تجلس ليس مع المتشابه ولكن مع المغاير، مع أشخاص لم تألفهم فتصبح أمام الاجتهادات الأخرى".

ويقول "أهم درس في الوحدة هو أنها جهاد تربوي وإبداع في الانتقال من التعدد إلى التوحد، وأن تحرق السفن القديمة وتحمل الجميع في سفينة جديدة دون أن تغرق".

أحمد الريسوني، من جهته، يضع الأصبع على الواجب الشرعي وعلى بزوغ شمس الوحدة وسهولة الوصول إليها في لحظة الإشراق "بأهم شيء أعان على الوحدة طبعا هو الاقتناع بها بل بوجوبها، لأننا كنا نقول أن يختلف دعاة أو تنظيمات لها أفكار متباعدة وجوهرية، هذا يتفهم ولكننا بعد النقاش وجدنا كأننا أبناء مدرسة واحدة وقسم واحد وليس هناك اختلاف مما يحول بيننا وبين الوحدة".

ويضيف "هذا ما جعلنا نعتقد أنه لا مسوغ أبدا لعدم توحدنا ولا عذر لنا في عدم توحدنا فليس هناك عذر حقيقي، وهذا أحدث عندنا اقتناعا بنوع من الوجوب الشرعي لإنجاز هذه الوحدة".

الوحدة والعمل السياسي
لم ينجز المؤسسون وحدة واحدة بين حركتين وجماعتين ولكنهم أنجزوا وحدتين في وقت واحد: الوحدة بين حركتين إسلاميتين ووحدة بين الحركتين وحزب سياسي أي الانخراط في حزب سياسي وبنائه من جديد، ويتعلق الأمر بحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بزعامة د. عبد الكريم الخطيب وهو الذي أصبح يعرف فيما بعد بحزب العدالة والتنمية، ثم المضي على وجه السرعة نحو المشاركة في الانتخابات.

قبل ذلك يخبرنا الكتاب أنه طرحت أمام الإسلاميين عدة خيارات: تأسيس حزب سياسي جديد، وإذا وجدت صعوبة ينظر في خيار الاشتغال ضمن حزب سياسي قائم حتى إذا وجدت صعوبة تم المرور إلى خيار جماعة ضغط.

في بادئ الأمر توجه الباحثون نحو غطاء قانوني بحزب الاستقلال لكن المسؤولين في الاستقلال لم يبدوا استعدادا للمراجعة ولإعادة النظر. أكثر من ذلك تأسست في تلك الفترة الكتلة الديمقراطية وكانوا طرفا مهما فيها.

نفض الباحثون يدهم من هذا الخيار وبحثوا عن بدائل، "بالفعل، يقول عبد الله باها: توجهنا إلى د. عبد الكريم الخطيب. في البداية لم يبد حماسة للموضوع، ولكن بعد مناقشات ولقاءات وتدخلات من قبل بعض الإخوان ممن لهم علاقة به اطمأن فبدأنا سنة 1992".

يكشف المؤلف على لسان باها عن حقائق هامة فيقول "تزامن ذلك مع أحداث الجزائر المؤسفة، وكان رأي الحسن الثاني رحمه الله ألا ندخل الانتخابات في تلك المرحلة وأرسل مستشاره يومذاك أحمد بنسودة يبلغنا هذا الرأي".

"بعد اجتماعنا في مجلس الشورى ومناقشة المسألة وتبعاتها التي يمكن أن تكون على مستوى البلد، وبالخصوص أن تجربة الجزائر كانت جديدة وطرية واصطدام الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجيش، فضلنا ألا ندخل إلى انتخابات 1992".

وبعد أن انفتح المجال للعمل السياسي، يعرض الكتاب لصفحات من الاستعداد وإعادة هيكلة الحزب وإخراج أوراقه النظرية من جديد، حتى جاءت انتخابات 1997 وشارك فيها الإسلاميون لأول مرة.

العمل بالتخصصات

"
لم تعد الحركة هي التنظيم الشمولي الذي يتابع كل شيء ويراقب كل مجالات عمله بل ذهب كل فريق من فرقها المختصة إلى العمل بحرية واستقلال
"
يخصص الكتاب صفحات أخرى لاستعراض اجتهاد جماعي لهذه الحركة خالفت به معظم الحركات الإسلامية المعروفة، واختارت العمل بالتخصصات، ويقصد بها إعطاء الاستقلالية لأي مجال من مجالات العمل الذي تهتم به الحركة إذا نضجت شروطه، إذ لم تعد الحركة هي التنظيم الشمولي الذي يتابع كل شيء ويراقب كل مجالات عمله بل ذهب كل فريق من فرقها المختصة إلى العمل بحرية واستقلال.

وكان العمل السياسي هو أول المجالات استقلالا لنضج الشروط واجتماعها مع شروط حزب د. الخطيب، وانفتاح هامش الحرية السياسية بالمغرب مع نهاية عهد الملك الراحل الحسن الثاني وبداية العهد الجديد للملك محمد السادس.

ومن التخصصات التي فوتتها الحركة، يعرفنا الكتاب بالمنظمات المشتغلة في المجال الاجتماعي والنسائي والثقافي، وفي المجال الإعلامي والنقابي. وأبقت الحركة لنفسها تخصص الدعوة والتربية والتكوين.

ضريبة العمل السياسي
يحدثنا الكتاب عن ضريبة العمل السياسي والمشاركة في ساحات التدافع بدل التقوقع والانتظار حتى تتهيأ الظروف أو يتغير الوضع.

ويكشف وهو يتحدث عن كسب الحركة في الواقع، عن استفادتها من التجديد المعرفي الشرعي الذي قاده د. أحمد الريسوني رئيس الحركة الأسبق والفقيه المتخصص في أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية.

فلم تعد نظرية المقاصد الشرعية إرثا للعلامة المغربي الشهير الشاطبي يحقق ويدرس في الجامعات والكتب، بل صار دليلا للعمل السياسي للحركة تقرأ به الواقع والمستقبل وتزن به المصالح والمفاسد وتقدم وتؤخر الأولويات وتقيم الموازنات في كل مجال من مجالات عملها خاصة السياسي.

وقد تبين هذا الأمر أثناء الانتخابات ومع أزمة تفجيرات الدار البيضاء يوم 16 مايو/أيار2003، وما تزامن معها من تصريحات الريسوني حول إمارة المؤمنين نشرت في جريدة فرنكوفونية دون أن تمكنه من مراجعة ترجمتها العربية، وكيف استغلت لتصفية الحساب مع الحركة والحزب وحلهما.

وبناء على نظرية المقاصد، فضل د. الريسوني آنذاك أن يستقيل من رئاسة الحركة على أن تذهب الحركة كلها أدراج الرياح.

التاريخ الذي لم يقع

"
المغرب المفتوح على مصراعيه أمام التحديث والتغريب والعلمنة الصامتة كان يمكن أن يكون له وجه آخر غير الوجه الحالي في غياب الحركة الإسلامية، فوجودها في حد ذاته رقم صعب في المعادلة الدولية والإقليمية والمحلية
"
أجمع المؤسسون للوحدة أن توحيد حركتين يعتبر في حد ذاته إنجازا كبيرا ونوعيا ولا نظير له في العالم العربي والإسلامي، وأنه حدث جاء ضد السياق العام للحركات الإسلامية وصيرورتها، وأن الحركة بكسبها وتجربتها الوحدوية واجتهاداتها وإبداعاتها في مجال العمل الإسلامي والمشاركة الإيجابية صارت محل ترقب واقتداء لدى حركات وأحزاب كثيرة.

وإلى جانب هذا الحدث النوعي، يسجلون عدة إيجابيات أخرى. غير أن هذا الحال ليس بمانع من رصد بعض الإخفاقات والنقائص.

يطرح هذا الكتاب سؤالا مهما عن التاريخ الذي لم يقع، أي ماذا كان يمكن أن يقع لو لم توجد الحركة الإسلامية بصفة عامة وحركة التوحيد والإصلاح بصفة خاصة.

فالمغرب المفتوح على مصراعيه أمام التحديث والتغريب والعلمنة الصامتة، كان يمكن أن يكون له وجه آخر غير الوجه الحالي في غياب الحركة الإسلامية، فوجودها في حد ذاته رقم صعب في المعادلة الدولية والإقليمية والمحلية.

غير أن التاريخ الذي وقع ليس خاليا من النكسات والأخطاء والفشل، والتاريخ الذي سيقع ممتلئ بالتحديات الضخمة، وهذا الكتاب يعترف أنه رؤية ذاتية من الداخل للحركة عن نفسها لا تمنع من انتقاد الحركة ووضعها في الميزان، وتلك مسؤولية الباحثين والمتخصصين.

بل إن كثيرا من أبناء هذه الحركة نفسها هم أكثر الناس رفعا لأصواتهم بالنقد والتصحيح لوجود مناخ الحرية داخل الحركة، وقد تكون انتقاداتهم أقوى وأشد من المنتقدين من خارج الذات.

المصدر : الجزيرة