عرض/ إبراهيم غرايبة
يعد هذا الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي عملا موسوعيا بالغ الأهمية في المجال الإستراتيجي والأمني والسلام ونزع السلاح والأخطار التي يعيشها العالم المعاصر.

وهو مرجع عالمي في بيانات الإنفاق العسكري، فيعرض ويدرس كافة المسائل المتعلقة بالإنفاق والتصنيع والنقل العسكري في دول العالم، ويمسح ويقارن التغيرات الجارية في الصناعة والإنفاق والإنتاج العسكري، والشركات والمؤسسات العاملة في هذه المجالات.

وقد بدأ هذا الكتاب بالصدور السنوي منذ عام 1969، ولكن الترجمة العربية له بدأت منذ عام 2003.

-الكتاب: التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي
-المؤلف: عدد من الباحثين
-
ترجمة: حسن حسن وآخرين، بإشراف سمير كرم
-عدد الصفحات: 1248
-الناشر:
مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
-
الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2006

الأمن والصراعات
تعرض أليسون بيلز مديرة المعهد السويدي لأبحاث السلام الأفق الذي وصلت إليه عمليات الأمن والسلام في أربعين عاما هي عمر المعهد.

وقد أدت نهاية الحرب الباردة عام 1989 إلى آفاق جديدة للتفكير والعمل، فاليوم يعترف بمزيد من أبعاد الأمن ومزيد من أنواع الجهات الفاعلة، ولم تعد الحدود بين الدفاع العسكري وبناء السلام الفاعل واضحة.

ومن ثم لا ينظر تلقائيا إلى الأسلحة كمشكلة، وتتعرض النماذج التقليدية لنزع الأسلحة للتهديد، غير أن هناك مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تحاول اليوم الحد من النزاع والأخطار المتعلقة بالأسلحة عن طريق مزيد من الوسائل المتنوعة.

وثمة عدد مثير للقلق من المشكلات الأمنية التي لم تقترب من الحل، ولم تقترب المبادرة المهمة من تحقيق أكثر مما كانت عليه قبل أربعين عاما.

ويجد كل من بال دوناي، الباحث البلغاري في مشروع الأمن الأوروبي الأطلسي، وأستاذ العلاقات الدولية، وزدزسلو لاتشوفسكي، الباحث البولندي في المعهد السويدي، أن العلاقات الأوروأطلسية قد هيمنت عليها في عام 2005 البراغماتية، فقد أقرت الولايات المتحدة وأوروبا بأن دوريهما في الشؤون الدولية ليسا متجابهين وإنما يكمل كل منهما الآخر.

ودخلت المنافسة بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مرحلة جديدة، وقد أثارت انتكاسة المعاهدة الدستورية للاتحاد الأوروبي في عام 2005، عديدا من التساؤلات حول طموح الاتحاد الأوروبي ليقوم بدور أكثر فاعلية في الشؤون الدولية، في الوقت الذي جاهد فيه حلف الناتو ليؤكد أسبقيته من خلال إطلاق أنواع جديدة من المهمات.

ولم تتضح معالم العلاقات بين روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق من ناحية وبين الغرب من ناحية أخرى، واستمر الاعتراف بأهمية روسيا في المنطقة الأوروآسيوية بخلاف مجال تأثيرها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي.

ويشمل ذلك إيران وكوريا والشرق الأوسط ليؤكد جهود التعاون الإستراتيجي، إلا أن عددا من الأطراف الغربية أظهرت مخاوفها بوضوح أكثر من ذي قبل في ما يتعلق بالاتجاه السياسي الداخلي في روسيا.

وتذكر كارولين هولمكفيست، الباحثة السويدية تحت عنوان "الصراعات المسلحة الكبرى" أنه حدثت تغيرات كبرى في مسار هذه الصراعات برغم طول عمرها.

كما في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والصراع الكشميري، فقد ظهرت بقوة الجهات غير الحكومية كفاعل أساسي في النزاعات وظهرت تحديات جديدة أمام الاستجابة للنزاعات.

وفي دارفور بالسودان أوضحت التطورات التي حدثت في سنة 2005 كيف يمكن أن تعقد قابلية تغير الجهات غير الحكومية الفاعلة في حل النزاع، في حين أوضح النزاع في الشيشان الامتزاج المتكرر للعناصر السياسية في نزاعات تنخرط فيها جهات غير حكومية فاعلة.

وقد كشف استمرار الاضطراب في جمهورية الكونغو كيف تواصل العنف غير الحكومي عل الرغم من وجود "سلام" رسمي.

"
عدد الصراعات المسلحة انخفض منذ عام 1999 بعدما وصل إلى 31 صراعا في منتصف التسعينيات، ولم يشهد عام 2005 أي صراع بين الدول، وهي ظاهرة تشكلت في السنوات الست عشرة الماضية, إذ لم يكن في أثناء ذلك سوى أربعة صراعات
"
وتواصل العنف في العراق دون هوادة سنة 2005 ولم تفلح التطورات التي طرأت على المؤسسات السياسية الرسمية في وقف اتساع الانقسامات الطائفية في البلاد.

وفي الحديث عن أنماط الصراعات المسلحة الكبرى تعرض لوتا هاربوم (باحثة سويدية في جامعة أوبسالا) وبيتر والنستين (رئيس دائرة أبحاث السلام في جامعة أوبسالا) 17 صراعا كبيرا قائما في 16 بلدا.

وقد انخفض عدد هذه الصراعات منذ عام 1999 بعدما وصل إلى 31 صراعا في منتصف التسعينيات، ولم يشهد عام 2005 أي صراع بين الدول، وهي ظاهرة تشكلت في السنوات الست عشرة الماضية، إذ لم يكن في أثناء ذلك سوى أربعة صراعات، إريتريا وإثيوبيا (1998 – 2000) والهند وباكستان (1990- 1992، 1996 – 2003) والعراق والكويت (1991) والولايات المتحدة وحلفائها ضد العراق (2003).

وكان هناك 53 صراعا داخليا، منها 30 صراعا على الحكم، 23 صراعا على الأرض، وكانت الولايات المتحدة طرفا وشريكا في صراعات ثلاثة، هي الصراع في أفغانستان والعراق، والصراع مع القاعدة.

الإنفاق العسكري والتسلح
يدرس هذا القسم ولعله الأكثر أهمية درجة شفافية دورة حياة الأسلحة من التطوير إلى التدمير على نطاق عالمي، ويفهم من الشفافية أنها تعني أساسا نشر المعلومات من جانب الجهات التي تملك هذه المعلومات.

 

ويجد الباحثون في هذا الفصل أن البيانات الكمية المنهجية المتاحة عن دور حياة الأسلحة والنفقات العسكرية، وإنتاج الأسلحة، والبحث والتطوير، ونقل الأسلحة ومخزوناتها، والتخلص منها، لا يمكن الركون إليها.

 

كما أن أنشطة منتجي الأسلحة تبقى بشكل جزئي خارج نطاق البلدان التي يعملون فيها، وتزيد طبيعة الاستخدام المزدوج للعديد من الابتكارات في العلم والتقانة من صعوبة تحديد الأموال المخصصة للبحث والتطوير ومقارنتها.

 

والشفافية في مخزونات الأسلحة الوطنية بعامة محدودة، ولاتزال هناك شكوك كبيرة بشأن مخزونات الأسلحة النووية والمواد المشطورة المستخدمة في الأسلحة، ولكن ثمة اتجاهات إيجابية بشأن الأسلحة الكيميائية والنفقات العسكرية ونقل الأسلحة.

 

ويجد وويي أميتوغن، والباحثة السويدية إليزابيت سكونز "بيانات الإنفاق العسكري على مدى أربعين عاما" أنه قد حدث تحولان جوهريان في استخدام النفقات العسكرية، الأول: من التركيز على الحرب الباردة في بلدان الشمال إلى التركيز على ما بعد الحرب الباردة في بلدان الجنوب.

 

والثاني: تحول الإطار السياسي في نظام الأمم المتحدة الذي تستخدم فيه النفقات العسكرية، من نزع الأسلحة والتنمية إلى الشفافية.

 

"
النفقات العسكرية العالمية بلغت سنة 2005  نحو 1118 مليار دولار, وهذا يعادل 2.5% من إجمالي الناتج المحلي في العالم، وتعد الولايات المتحدة المنفق العسكري الأكبر ويشكل إنفاقها 48% من الإنفاق العالمي
"

وقد بلغت النفقات العسكرية العالمية حسب دراسة بيتر ستالنهايم (رئيس قسم النفقات العسكرية في المعهد السويدي) وداميان بروشات (باحث بريطاني ومسؤول عن مراقبة النفقات العسكرية في آسيا وأوقيانوسيا) وويي أوميتوغن، وكتالينا بيردومو في سنة 2005، نحو 1118 مليار دولار.

 

وهذا يمثل 2.5% من إجمالي الناتج المحلي في العالم، وتعد الولايات المتحدة الأميركية المنفق العسكري الأكبر في العالم، ويشكل إنفاقها 48% من الإنفاق العالمي، ويتوقع أن تزيد كل من بريطانيا وفرنسا والصين إنفاقها العسكري.

 

ويحب النظر إلى النفقات العسكرية المعلنة على أنها أقل بكثير من الواقع لأن كثيرا من الأغراض العسكرية للإنفاق لا تدخل في البيانات المتاحة، وكذلك الأنشطة غير الحكومية.

 

وتخفي كثير من الدول جزءا من إنفاقها العسكري، ولا تظهر عوائد القوات المسلحة الخاصة بها في الميزانيات وبنود الإنفاق والموارد لأنها تقع خارج الرقابة الحكومية والبرلمانية.

 

وكان الشرق الأوسط هو المنطقة ذات الزيادة الأعلى نسبيا في الإنفاق العسكري لعام 2005، ولم تظهر بيانات الإنفاق العسكري في العراق وقطر، وهذا يجعل الأرقام المعلنة عن الشرق الأوسط أقل من الواقع بكثير.

 

ويظهر في دراسة ج. بول دن، وإيمون سوري "إنتاج الأسلحة" أن مبيعات الأسلحة للشركات المائة الكبرى في العالم "باستثناء الصين" قد بلغت 268 مليار دولار في سنة 2004 بزيادة 15% عما كانت عليه في سنة 2003.

 

وقد استأثرت 41 شركة أميركية بـ64% من مبيعات الشركات المائة، واستأثرت 41 شركة أوروبية من بينها 4 روسية بـ31% من المبيعات، وارتفعت حصة الشركات الخمس الكبرى من 22–44% بين عامي 1999–2003.

 

وقد تقلصت صناعة الأسلحة السوفياتية حسب دراسة نائب مدير مركز الدراسات الروسية والأوروبية الشرقية جوليان كوبر "تطورات في صناعة الأسلحة الروسية" منذ عام 1991.

 

وطرأ على الهياكل الإدارية للقطاع العسكري الروسي والإشراف عليه تغير متكرر وواسع النطاق، وقد أخذ الإنتاج العسكري بالتعافي منذ أن تولى بوتين السلطة، وارتفع الإنفاق على الشراء والبحث والتطوير.

 

ولكن الإنتاج العسكري الروسي مازال يعتمد على الصادرات، ولايزال الميراث السوفياتي ظاهرا في عزلة القطاع العسكري عن الشركات الدولية والملكيات الأجنبية، ويقل مستوى الشفافية الدولية عن معايير الدول الديمقراطية بالرغم من تحسنه.

 

وتظهر دراسة بيورن هاغلين، ومارك بروملي، وسايمون ويزمان "عمليات نقل الأسلحة على المستوى الدولي"، أن حجم عمليات نقل الأسلحة قد ارتفع في السنوات الثلاث الماضية، وشكلت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا قائمة الموردين الخمسة الكبار في العالم.

 

وفي مجال البعد الأمني الفضائي والجهود الأوروبية فإن أوروبا وفق دراسة تريزا هيتشنز، وتوماس فالا سيك، تعد قوة رئيسية في الفضاء الخارجي منذ أمد طويل.

 

ويعد هذا المجال المدخل إلى بناء الحجة السياسية لاستخدام القوة، وتخطيط وتنفيذ أي عملية عسكرية حديثة، ويشبه استخدامها الأسلحة النووية أكثر من الأسلحة التقليدية.

 

ويتوقع أن يقدم الاتحاد الأوروبي على تشغيل موجودات مزدوجة الاستخدام وتوزيع بيانات من شبكات وطنية إلى نشر تقانة مملوكة جماعيا من أجل استغلال الفضاء لأغراض أمنية.

"
بعد الحرب الباردة أمكن بالفعل الوصول إلى اتفاقيات للحد من الأسلحة، ولكن هذه المكاسب ضاعت، فالموقف المتبدل من الرغبة في التحقق وجدوى التحقق، عقد تقدير الامتثال للحد من الأسلحة وفرضه
"

 

ويؤكد إيان أنطوني منسق الأبحاث في المعهد السويدي في فصل "الحد من الأسلحة ونزع السلاح"، حدوث تغييرات ذات شأن في التفكير في الحد من الأسلحة. وأن الوسائل القانونية والدبلوماسية لاتزال عناصر أساسية في بناء الأمن، ويبقى الهدف الرئيس للحد من الأسلحة وهو تسهيل حوار جوانب الأمن السياسية والعسكرية الدولية صالحا وضروريا.

 

وثمة مسارات عدة جديدة بعد نهاية الحرب الباردة تكتسب تأثيرا مهما في سياسات الدول وممارساتها، وقد تمثل نظاما دوليا جديدا للحد من الأسلحة، إذ عملت مترابطة أحدها مع الآخر.

 

وتشكل معاهدات الحد من الأسلحة متعددة الأطراف جزءا من هذا النظام الناشئ، إلا أن المعاهدات تتلقى بصورة متزايدة إضافات وأشكالا أخرى.

 

وقد أمكن بالفعل الوصول بعد الحرب الباردة إلى اتفاقيات للحد من الأسلحة، ولكن هذه المكاسب ضاعت، فالموقف المتبدل من الرغبة في التحقق وجدوى التحقق عقد تقدير الامتثال للحد من الأسلحة وفرضه.

 

وتشكل التقانة المزدوجة عقبة كبيرة أمام الحد من الأسلحة، فأي إستراتيجية قائمة على منع الوصول إلى مفردات مزدوجة الاستخدام منعا باتا لا هي ممكنة ولا هي مرغوب فيها.

 

والتقانة المزدوجة ليست تهديدا بحد ذاتها، ومنع الوصول إلى هذه التقانة لا يتم إلا عندما يظهر اتجاه إلى سوء استخدامها أو عندما يكون خطر احتمال إساءة استخدامها شديدا وعلى نحو غير مقبول.

 

وقد كان الحد من الأسلحة تقليديا نشاطا مقتصرا على الدول، إلا أن التفكير المستجد ركز على الاهتداء إلى سبل مراقبة القدرات المتاحة لجماعات غير تابعة لدول ربما تخطط لإرهاب ذي تأثير جماعي وإلى سبل منع الوصول إلى هذه القدرات على أساس انتقائي، وفي سياق أكثر إيجابية تزداد مشكلة أطراف من غير الدول، بما فيها القطاع الخاص في بناء الأمن.

 

ويلاحظ زدزسلو لاتشوفسكي أن تحديث نظام الحد "البنيوي" للأسلحة التقليدية تعطل نتيجة الاختلافات بشأن النصوص المعتمدة في قمة مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا التي عقدت في إسطنبول في سنة 1999.

 

وشكل اتفاق إغلاق القواعد العسكرية الروسية في جورجيا خطوة إلى الأمام، لكن المأزق بشأن وجود القوات والمعدات الروسية في مولدوفيا مازال قائما.

 

وواصلت دول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقييم الجهود ذات الصلة بالحد من الأسلحة وتعديلها لمواجهة المخاطر والتحديات المشتركة والإقليمية في أوروبا بشكل أفضل، وتواصل على الصعيد العالمي اهتمام المجتمع الدولية بمشكلة "الأسلحة غير الإنسانية".

المصدر : الجزيرة