عرض/ بدر محمد بدر 
تعيش مصر منذ سنوات حالة من الجدل السياسي والفكري حول قضايا الديمقراطية والحريات والإصلاح السياسي, بلغت ذروتها في الآونة الأخيرة بالتعديلات الدستورية التي تم إقرارها في مجلس الشعب في مارس/ آذار الماضي, وسط جدل ساخن بين الحكومة من جانب والمعارضة ورموز المثقفين ومنظمات المجتمع المدني من جانب آخر.

-الكتاب: الوفاق الوطني والتحول الديمقراطي
-المؤلف: وحيد عبد المجيد
-عدد الصفحات: 106
-الناشر: دار مصر المحروسة, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2007
ويأتي كتاب المحلل والناشط السياسي الدكتور وحيد عبد المجيد عن "الوفاق الوطني والتحول الديمقراطي" في سياق حالة الجدل هذه, كي يحاول من خلاله إلقاء نظرة سريعة على عملية التطور الديمقراطي في مصر خلال الأعوام الثلاثين الماضية منذ إقرار التعددية السياسية والحزبية.

هدف الكتاب لفت الانتباه إلى أن هناك مجموعة من الأخطار تحيط بمصر والأمة العربية والإسلامية حالياً, لكن الخطر الذي قد يكون الأفدح -من وجهة نظر المؤلف- هو غياب التوافق الوطني أو التراضي العام على مبادئ وقواعد النظام السياسي, بحيث يقبلها الجميع ويلتزم بها.

وفي حالة غياب هذه المبادئ والقواعد ستتسع الفجوة حول ركائز يؤدي غياب التوافق عليها إلى تشويه الحياة السياسية، وإرباك الجهود المبذولة من أجل تطويرها باتجاه ديمقراطية حقيقية.

الإصلاح السياسي لا يكفي
رغم أهمية الاتفاق على الإصلاح السياسي وضرورته فإن ذلك لا يكفي لتحقيق تقدم مطرد في الطريق إلى الديمقراطية, ما لم يرافقه تراض عام على أسس النظام الديمقراطي, خصوصاً في عدد من القضايا الكبرى مثل: العلاقة بين الدولة والدين, وطبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي, وآليات تداول السلطة بطريقة ديمقراطية, وضمانات الحفاظ على هذه الديمقراطية.

في الفصل الأول يؤكد المؤلف ضرورة التفرقة بين التوافق الديمقراطي الذي هو نوع من التراضي العام على أسس ومبادئ وقواعد التطور الديمقراطي, وبين الديمقراطية التوافقية المشروطة التي يتم اللجوء إليها في بعض الدول المنقسمة ثقافياً, حيث تكون الانتماءات الدينية أو الطائفية أو العرقية عائقاً أمام بناء نظام ديمقراطي.

والسعي إلى حالة التراضي العام يرقى إلى مستوى "الفريضة" -كما يقول المؤلف- في أي مجتمع يتطلع إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي. وبالطبع لا يعني هذا التراضي اتفاقا على كل شيء, وإنما على ركائز تمثل البنية الأساسية للدولة, إذ يجوز أن نختلف علي كل شيء ماعدا المقومات الأساسية للدولة, لأنها لا تتغير من انتخابات إلى أخرى.

ومن المهم التأكيد على أن التحول الديمقراطي الذي يفتقد إلى التوافق العام, محكوم عليه بالفشل, والدليل ما حدث في أوكرانيا أواخر عام 2004, وما عرف وقتها بالثورة البرتقالية التي بدت مبهرة للجميع, لكنها فشلت في بناء نظام ديمقراطي بسبب غياب التوافق أو التراضي العام بين أطرافها.

ولذلك انتهت -قبل أن تكمل عامها الثاني- بالانقسام بين اثنين من أبرز قادتها (رئيس الدولة ورئيسة الحكومة), بل وتحالف رئيس الدولة مع رئيس الحكومة السابق الذي قام بالثورة البرتقالية ضده!

ضعف النزعة التوافقية 

"
من السهل أن نتجنب إثارة القضايا الخلافية الكبرى أو نتجاهلها, ولكن من الصعب جداً -إن لم يكن مستحيلا- أن ننجح في إنجاز أي تقدم يعتد به دون الوصول إلى توافق إزاء القضية المطروحة
"
ويتحدث المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب عن ضعف الحوار الذي استهدف بناء توافق عام على أسس النظام الديمقراطي، منذ التحول من التنظيم السياسي الواحد إلى التعددية الحزبية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي.

ويشير إلى أن الاتفاق على المطالب الديمقراطية بدءا من حرية تأسيس الأحزاب وعقد المؤتمرات وتنظيم المظاهرات وصولاً إلى تداول السلطة, لا يكفي لبناء نظام ديمقراطي مستقل قابل للاستمرار وغير معرض للتعثر أو الانتكاس.. هذا الاتفاق لم يتحقق في أي مرحلة.

ورغم كثرة اللقاءات التي حدثت بين أطراف الحياة السياسية منذ عام 1977, فليس بينها ما يمكن اعتباره تجربة متكاملة في مجال السعي لبناء توافق عام، اللهم إلا تجربة مشروع ميثاق الوفاق الوطني (94-1995).

ويشير المؤلف إلى بعض الحالات التي كانت فيها بعض الأحزاب والقوى السياسية ترفض التوقيع على البيانات الختامية للمؤتمرات السياسية التي تشارك فيها, إلا إذا أضيفت فقرة خاصة بها دون أن يكون هناك توافق عام بشأنها!

بل في بعض الحالات كان الموقعون يلجؤون إلى النص على موقفين متعارضين, دون أن يكون هناك موضع تراض عام.

ومن السهل -كما يقول المؤلف- أن نتجنب إثارة القضايا الخلافية الكبرى أو نتجاهلها, ولكن من الصعب جداً -إن لم يكن من المستحيل- أن ننجح في إنجاز أي تقدم يعتد به, بدون الوصول إلى توافق حول القضية المطروحة.

العلاقة بين الدولة والدين
ويطرح المؤلف نموذج العلاقة بين الدولة والدين, وبالتالي موقع الشريعة الإسلامية في البناء الدستوري والسياسي, كدليل على فقدان التوافق العام حولها, مشيراً إلى أن البعض يرى الإبقاء على المادة الثانية للدستور التي تنص على أن "الإسلام دين الدولة, والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" كما هي.

وثمة من يريدها مصدراً وحيداً للتشريع, وفي المقابل هناك من لا يرى ضرورة لنص دستوري بشأن الشريعة الإسلامية, والعودة إلى ما كان عليه دستور 1923 الذي لم ينص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع, رغم أنها كانت أهم مصادره في تلك المرحلة, بل هناك من يرفض أن تكون الشريعة من مصادر التشريع أصلاً, ويطالبون بالاستناد إلى مواثيق الأمم المتحدة!

"
التحول الديمقراطي مرهون باتجاه المطالبين به نحو عمل مشترك حقيقي مبنى علي الثقة واحترام الرأي الآخر
"
التحول الديمقراطي إذن مرهون باتجاه المطالبين به نحو عمل مشترك حقيقي مبني على الثقة واحترام الرأي الآخر.

ويستعرض المؤلف الكثير من التجارب والمواقف التي اجتمع فيها قادة المعارضة والمستقلون وأصحاب الفكر والتيارات السياسية منذ بداية الثمانينيات وحتى الآن, دون أن يسفر ذلك عن تبلور رؤية عامة يتوافق عليها الجميع, ما شكل نوعا من الحركة "محلك سر"!

ميثاق الوفاق الوطني
في الفصل الثالث والأخير يستعرض المؤلف تجربة مشروع "ميثاق الوفاق الوطني" كحالة وحيدة استهدفت تحقيق هذا التوافق العام على مقومات النظام الديمقراطي, والدولة التي يعمل في ظلها هذا النظام, ورغم ذلك فشلت أيضاً!

بداية التجربة كانت في مؤتمر نظمته لجنة التنسيق بين النقابات المهنية في أكتوبر/ تشرين الأول 1994, وتم الاتفاق على تشكيل لجنة تحضيرية من قيادات حزبية وإسلامية -بينهم مؤلف الكتاب- وعقدت أول اجتماع لها في فبراير/ شباط 1995, تم فيه الاتفاق على أن يكون الهدف هو التوافق على ميثاق وطني. وقدم الدكتور وحيد عبد المجيد لهذه اللجنة تصوراً أولياً يستند إلى مجموعة من النقاط هي:

1 ـ الالتزام بالديمقراطية والشورى.
2 ـ احترام المبادئ العامة للإسلام.
3 ـ بناء الاقتصاد الوطني على أساس الحرية والعدالة الاجتماعية.
4 ـ ضمان حقوق المواطنين وعدم التمييز بينهم.
5 ـ الالتزام بالحقوق العربية في فلسطين وتأييد المقاومة.

"
لا تزال الحاجة ملحة للتقدم خطوات إيجابية في سبيل تحقيق التوافق الوطني العام لمصلحة مصر ومستقبلها في المنطقة
"
لكن الأمور سارت في اتجاه آخر, فقد تم استبدال اللجنة التحضيرية بلجنة مصغرة لإعداد مسودة جديدة كان فيها الدكتور سعيد النجار رئيس جمعية "النداء الجديد" الذي بادر بإعداد وثيقة ظن أنها ستحظى بتوافق عام, لكنها أثارت الكثير من الزوابع والمشكلات.

فقد خلت تماماً من أي إشارة إلى مبادئ الإسلام ودورها في ثقافة ووجدان الشعب المصري, كما اعتبرها اليساريون منحازة إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر. وأدى التشدد في استبعاد مبادئ الإسلام كليا من مشروع الميثاق الوطني إلى التشدد في الإصرار على فرض رؤية الإخوان المسلمين الذين مثلهم المستشار محمد المأمون الهضيبي -رحمه الله- للعلاقة بين الدولة والدين.

وكانت هذه بداية انهيار الجهد الكبير الذي بُذل في السعي لإنجاز ميثاق للوفاق الوطني يحظي بقدر كبير من التراضي والتوافق, وكان ذلك في سبتمبر/ أيلول 1995.

ولا تزال الحاجة ملحة للتقدم خطوات إيجابية, في سبيل تحقيق هذا التوافق الوطني العام لمصلحة مصر ومستقبلها في المنطقة.

المصدر : الجزيرة