عرض/ إبراهيم غرايبة
يناقش هذا الكتاب تزايد تأثير الإعلام على حياة الناس وأفكارهم، وفي الوقت نفسه خضوعه لقوى مالية وسياسية تزين الفساد والاحتلال والهيمنة، وتحرف الإعلام عن رسالته في تعزيز الحرية والثقافة والقيم العليا، بل وتهدم الإنجازات الحضارية للإنسانية.

ويتكون الكتاب من ثلاثة أقسام تتوزعها سبعة فصول وخاتمة، وهذه الأقسام هي: الإعلام العربي، وإعلام المقاومة، والإعلام الأميركي.

والمؤلف هو أستاذ الإعلام العراقي صباح ياسين، وقد أصدر مجموعة من الدراسات الإعلامية والسياسية في مجال الفكر القومي العربي.

- الإعلام.. النسق القيمي وهيمنة القوة
- المؤلف: صباح ياسين
- عدد الصفحات: 172
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

الإعلام العربي.. صورة من الداخل
يعرض المؤلف في هذا القسم وعبر ثلاثة فصول، أزمة الإعلام العربي وتحدياته، وخاصة الهيمنة الأميركية والاستبداد والفساد، وتمجيد الفساد وتعزيز ثقافته والانحياز للهيمنة الثقافية.

ويجد الدكتور ياسين أن المأزق الحقيقي لوسائل الإعلام العربية في الوقت الذي تطورت فيه القدرات التقنية وتنوعت، واتسعت عوامل التأثير المتبادل بين المرسل والمتلقي، أن تلك الوسائل عادت تخسر يوما بعد آخر صدقيتها ودورها.

وبرأيه فإنه ليس من المبالغة القول إن أجهزة ومؤسسات الإعلام العربية -حالها كحال السلطة السياسية- قد تم خطفها وتكميمها والمساومة على حريتها.

فالتراجع في أداء المؤسسة الإعلامية العربية لم ينحصر -بحسب المؤلف- في قدرتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى مساهمتها -بشكل أو بآخر- في تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة، وانتقال جزء أساسي من البرامج الموجهة ضد المصلحة القومية لتجد لها موقعا في تلك الوسائل.

وفي هذا الإطار يكشف تقرير "الحريات الصحفية" أن البلدان العربية في ترتيب مستوى الحريات الصحفية في العالم تحتل المواقع 85 إلى 162من مجموع الدول البالغ عددها 167، أي أنها تتخلى عن نصف القائمة الأول وتقف في إطار النصف الثاني.

ومن هنا فإن الوطن العربي قد انكمش جغرافيا وعمليا إزاء زحف الثورة الإعلامية، أي أنه لم يتجاوب مع الدلالات الفكرية والاجتماعية لتوسع مساحة الفعل الإعلامي، في الوقت الذي يبدو فيه متجاوبا مع حجم الاستثمارات المالية في هذا المجال، إذ يشهد ولادة محطة فضائية جديدة كل أسبوع تقريبا.

وباستثناء قنوات تعد على أصابع اليد، فهذه القنوات مشغولة بكل شيء غير الفكر والثقافة، وغير المعاناة الحقيقية التي يعيشها الوطن العربي على مستوى تحديات التنمية وحل مشكلات الحياة، والتجاوب مع متطلبات الإصلاح الديمقراطي والبناء الحضاري.

ومن جهة أخرى فإن التطور الكمي والوعي الهائل والتسارع في ميدان الاتصال قد ألقى بظلاله على الأداء الإعلامي العربي، فذهبت بعض وسائل الاتصال العربية -وبشكل خاص القنوات الفضائية- إلى اعتماد البرامج الترفيهية التي تقلد البرامج الأميركية والأوروبية أو تستنسخها.

وعلى مستوى الفاعلية الرسمية والشعبية في الوطن العربي، يجد المؤلف أن الإعلام العربي ما زال منقسما بين خطابين منعزلين ومتباعدين: خطاب حكومي رسمي نمطي مثقل بهاجس الخوف من الرأي الآخر، وخطاب إعلامي معارض متواضع الإمكانات المادية والتقنية، ولكنه متخم بالضجيج والصراخ من دون أن يعرض برنامجا بديلا أو يكسب تأثير وقوة جماعات الضغط لصالحه.

أما النقص الحقيقي الفاضح فيظهر في ميدان الإعلام العربي الموجه نحو الآخر، وبشكل خاص نحو الغرب والولايات المتحدة تحديدا، إذ ما زال الوقت مبكرا والمسافة طويلة من أجل الوصول إلى إنجاز بناء وإطلاق شبكات تلفزيونية فضائية عربية تخترق الفضاء الإعلامي الخارجي بلغة متميزة رصينة وأسلوب هادف وموضوعي نحو شعوب العالم.

وما زالت هناك محاولات جدية من بعض الفضائيات العربية لإطلاق قنوات ناطقة باللغات الأجنبية الحية -وبشكل خاص اللغة الإنجليزية- وموجهة نحو أوروبا والولايات المتحدة.

"
التراجع في أداء المؤسسة الإعلامية العربية لم ينحصر في انحسار قدرتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تعدى ذلك إلى مساهمتها في تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة
"
وعلى صعيد آخر فإن المؤلف يلاحظ أنه منذ أحداث 11سبتمبر/ أيلول 2001 تراجع أداء الإعلام العربي الموجه نحو خارج الوطن العربي باتجاه الدفاع والتبرير ودفع الاتهامات التي يمكن أن تلصق به في كل مناسبة.

وازداد منطق التخلي عن فكرة التصدي أو المواجهة للعدوانية الأميركية والصهيونية، وأضحى الحديث عن وحدة الأمة العربية في مواجهة الأطماع، كذلك حق العرب في المقاومة ورفض الاحتلال، حديثا شبه محرم خوفا من تهمة تشجيع الإرهاب.

ويظهر ذلك واضحا في تقليد الفضائيات العربية منطق "الحرة" الأميركية في وصف المقاومين والمجاهدين الفلسطينيين والعراقيين بأنهم مجرد مسلحين، أو خارجين عن القانون، أو حتى قتلة وإرهابيين.

وأدى الاستثمار الواسع في بناء المؤسسات الإعلامية إلى تناقص المسؤولية الأخلاقية وتعرضها لاختلال كبير في صدقية دورها.

ويجد المؤلف أن التفسير الوحيد المقبول لذلك هو انفراط عقد المسؤولية المهنية لصالح الاستحقاقات السياسية والمادية المباشرة، إذ انتقل الفساد السياسي والاقتصادي إلى مواقع الإعلام، وعاد المال السياسي يمارس دوره في توظيف الإعلام لصالح حماية مصالحه وطموحاته.

وتتعدد صور إفساد الإعلام وتوظيفه لغير أهدافه الإنسانية كما يلاحظها الدكتور ياسين، ويظهر ذلك جليا في الوطن العربي حين يمارس الانتخابات البرلمانية، أو عندما تتفجر فضائح الفساد المالي الكبيرة، أو الصفقات المشبوهة.

وغالبا ما ترتفع بعض أصوات الإعلام للدفاع عن الفاسدين، وتبرير الاختلالات المتراكمة في الأداء السياسي والاقتصادي الرسمي، وإثارة مشاكل جانبية لغرض شغل الرأي العام بها بعيدا عن المشكلات الحقيقية.

وامتزجت رسائل الثقافة مع صناعة الإعلام وازدادت العلاقة "المصلحية" بالحاجة المتبادلة بينهما، لأن المثقف قد يضطر كي يضع بضاعته في سفينة الإعلام ويبحر بها نحو عوالم أوسع إلى أن يجامل الإعلام ويتفق مع شروط رفقته.

وبالتالي قد تنتقل عدوى الفساد المتوفرة في رسالة الثقافة، ويتحول المنتج الثقافي إلى ما يشبه الإعلان التجاري في مضمونه وغايته.

إعلام المقاومة في العراق
صحب انطلاق المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي نشاط إعلامي، ويلاحظ المؤلف أن المقاومة بدأت مهمشة في الإعلام وكأنها غير موجودة، وتنسب إلى فلول النظام السياسي السابق.

وكان مصدر الإعلام في هذه العمليات لا يأتي من قبل الجهات أو المجموعات التي تقوم بها، ولكن من مراسلي شبكات الأخبار والتلفزة.

ثم بدأ النشاط الإعلامي الخاص بالمقاومة لمساندتها وتمجيدها، وكان في بداياته محدودا وقائما على الإعلانات التي تكتب على عجل على الجدران أو في المساجد. ولكن تطور المقاومة أدى إلى تغير أسلوب عمل وسائل الإعلام العربية والأجنبية، وبدأت رسالة المقاومة تفرض نفسها في وسائل الإعلام.

وهنا يجد المؤلف أن الصور التي تحملها القنوات الفضائية عن الواقع في العراق تكشف مفارقة كبيرة، وتشكل نمطا من النشاط الإعلامي لصالح المقاومة.

"
الصور التي تحملها القنوات الفضائية عن الواقع في العراق تكشف مفارقة كبيرة وتشكل نمطا من النشاط الإعلامي لصالح المقاومة
"
ففي الوقت الذي يظهر فيه الجندي الأميركي مسلحا بكل وسائل التدمير، ومتدرعا من أذنيه حتى أخمص قدميه، يظهر رجال المقاومة بأسلحتهم في المناطق التي ينشطون فيها، ما يولد انطباعا متناقضا مع ما تسعى إليه أجهزة الإعلام الأميركية في عرضها لواقع الحال عن العراق بعد احتلاله.

فقد جاء انطلاق المقاومة الوطنية العراقية إعلانا مدويا لإمكانية مواجهة القدر الأميركي الذي يعتبره البعض قدرا محتوما في هذا العصر، ولتؤكد أن الجبروت الأميركي تمكن مواجهته وإيقافه ثم تدميره، وأن التصدي له وإفشاله ليس عملا يستحيل القيام به.

وإذا كان يمكن تسجيل نقطة انطلاق المقاومة العراقية مع دوي أول عملية فدائية ضد القوات الاحتلال، فإنه يمكن القول إن الفعل الإعلامي المعبر عن هوية المقاومة قد بدأ أيضا في تلك اللحظة مع توجه الاهتمام العربي والدولي نحو هذه الظاهرة بردود فعل مختلفة، حيث بدأت الفضائيات تلاحق أخبار المقاومة.

ودخلت شبكة الإنترنت إلى مجال المقاومة، فاتخذت المقاومة العراقية مواقع عدة لها على الشبكة، مستفيدة من إمكانيات غير محدودة للإعلام والتثقيف والمواجهة والتواصل مع العالم وربما عناصر المقاومة نفسها.

وأصبحت أجهزة الهاتف النقال وسيلة تداول المعلومات والصور عن العمليات العسكرية التي تقوم بها المقاومة العراقية.

وفي كل الأحوال أضحى نقل أخبار المقاومة بأي صيغة كان، جسرا تتواصل عبره المقاومة مع جمهور المتلقين والمتابعين لأخبارها.

الإعلام الأميركي.. إغراء القوة وعوامل الضعف
يشكل الإعلام جزءا أساسيا من السياسات والمشروعات الأميركية، ويرصد المؤلف قدرا كبيرا من السياسات والمواقف الأميركية في إدارة الإعلام أو في التعامل مع وسائله.

فهناك على سبيل المثال مشاهد تحطيم الكاميرا ومنعها من الحضور في الزمان والمكان، وفي أغلب الأحيان فإن حضور الشاهد ليس مرحبا به دوما، فالحضور السريع، والنقل الفوري للأحداث الذي تقوم به وسائل الإعلام، عبر تقنيات البث المباشر بواسطة شبكات الأقمار الصناعية الواسعة الانتشار، أضحى يشكل حرجا وتحديا كبيرا لموضع حرية الرأي والتعبير.

"
مشكلة الإعلام أنه يكشف الخلل في المعايير الأخلاقية التي تدعيها الولايات المتحدة في هذا العصر، وفشل السياسة الأميركية وقصورها في التعامل مع متطلبات أمنها القومي، وتصاعد الروح العدوانية لدى الإدارات الأميركية ضد وسائل الإعلام
"
وما تحقق من تطور تقني وتعاظم في إمكانيات التغطية الفورية والشاملة لمواقع الأحداث، عاد مهددا بالقمع والإلغاء.

هذه الفورية التي رمزت إليها التقنية الحديثة أسهمت في زيادة المخاطر على حرية الإعلاميين الموجودين في مناطق النزاعات، كما أن مسؤولية المراسل الإعلامي المباشرة أضحت أكثر حساسية وخطورة، حيث لا إمكانية للقطع أو التركيب (المونتاج) في الفيلم، ولا للتصحيح أو التصويب أو الرقابة على الكلام المرافق.

ويعرض المؤلف سجل الولايات المتحدة في مجال تهديد وضرب المؤسسات الإعلامية، فقد سبق أن قصفت بالطائرات والصواريخ الموجهة عن بعد مراكز إعلامية في العراق بين عامي 1991 و2003، وفي الأيام الأخيرة من الحرب قامت دبابة أميركية بتدمير موقع قناة "الجزيرة" في بغداد.

وفي الحرب على كوسوفو دمرت الطائرات الأميركية التلفزيون الصربي، وفي الحرب على أفغانستان دمر المكان الذي كانت تبث منه إذاعة حكومة طالبان، وقصف مقر الجزيرة.

وهناك لغة واضحة من تهديد وسائل الإعلام ومنعها من مواصلة عرضها الفضائح المتوالية في العراق، حيث تفجرت فضيحة الوثيقة السرية التي نشرتها صحيفة ديلي ميرور البريطانية التي تحمل عبارة "سري للغاية" والمتضمنة ما ذكره بوش من أنه قد "يصدر أوامر بشن غارة جوية على مبنى مكاتب وإستوديوهات قناة الجزيرة في قطر".

وفي الواقع فإن المشكلة برأي المؤلف أكبر من ذلك بكثير، فوسائل الإعلام تكشف الخلل في المعايير الأخلاقية التي تدعيها الولايات المتحدة في هذا العصر، وفشل السياسة الأميركية وقصورها في التعامل مع متطلبات أمنها القومي، وتصاعد الروح العدوانية لدى الإدارات الأميركية ضد وسائل الإعلام التي تعمل بشكل مهني لمتابعة الأحداث والوقائع في أنحاء العالم.

ويلاحظ المؤلف أن مرحلة العمل الإعلامي بالنيابة عن الولايات المتحدة قد انتهت وأدت إلى خسائر كبيرة، وأصبح على واشنطن أن تدفع بمؤسساتها الإعلامية الواضحة إلى الميدان، فكانت قناة "الحرة" وإذاعة "سوا"، ما يدل على نهاية العصر الذهبي الأميركي وبدء الضعف والأفول، أو كما يقول الكاتب الأميركي شارل كابشان "نهاية العصر الأميركي".

إن ملخص الدعاية الأميركية الموجهة نحو الخارج هو التسليم بالقدر الأميركي وعدم الإفلات من المصير المحتوم. وفي مواجهة هذا الطغيان الإعلامي فإن المعايير الإنسانية والأخلاقية وحدها هي السياج الذي يحمي الرسالة الإعلامية من السقوط.

وعندما تتلاشى أو تنهار تلك المعايير فإن الخداع سيحل تدريجيا بدل الصدقية والموضوعية.

المصدر : الجزيرة