عرض/ علاء بيومي
مقارنة الأميركيين بين حربي العراق وفيتنام قديمة تعود إلى حرب تحرير الكويت أوائل التسعينيات والتي دفعت بعض المحللين الأميركيين إلى التساؤل حول تبعات تلك الحرب على أميركا ونظرتها إلى دور جيشها وقدرته على خوض الحروب الخارجية، وحول ما إذا كانت مشاركة القوات الأميركية في حرب تحرير الكويت ستؤدي إلى عقدة جديدة على غرار عقدة فيتنام.

وبالطبع زادت تلك المقارنة لأسباب واضحة خلال عهد الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش ومنذ اتضاح عزمه غزو العراق الذي وقع في مارس/ آذار 2003.

الكتاب الراهن يوضح أن المقارنة العلمية بين العراق وفيتنام صعبة نظرا لتعدد جوانب المقارنة بين حدثين كبيرين متعددي الجوانب على غرار حرب فيتنام واحتلال العراق.

الكتاب: هل العراق فيتنام جديدة؟
- المؤلف: روبرت بيرغهام
- عدد الصفحات: 224
- الناشر: شؤون عامة، نيويورك
- الطبعة: الأولى 2006

ويعود ذلك إلى حد كبير إلى صعوبة الوعي الدقيق بتفاصيل الصراعين العديدة والمتشعبة، حيث يظهر من الكتاب أن مؤلفه -الذي ألف عددا من الدراسات عن حرب فيتنام- قليل المعرفة بتفاصيل حرب العراق وبالجماعات العراقية التي يكتفي بتقسيمها إلى سنة وأكراد وشيعة دون الخوض في التفاصيل.

وذلك يوضح الصعوبة التي يواجهها بعض الخبراء الأميركيين في التعامل مع حرب العراق التي تدار في أرض بعيدة ذات ثقافة مغايرة للثقافة الأميركية الشائعة، وهي أوصاف يرددها مؤلف الكتاب في أكثر من مناسبة، إذ يرى أن أحد أوجه التشابه بين حربي فيتنام والعراق أنهما دارتا على أراض بعيدة ذات ثقافات أجنبية مغايرة تحت ستار من الشعارات والمبادئ الأميركية التي قد لا تعكس بالضرورة مصالح الأمن القومي الأميركي المباشرة.

كما يؤكد أن بعد المسافة واختلاف اللغة وغربة الثقافة وتردي الأوضاع في العراق على غرار ما حدث في فيتنام لابد أن تفقد الأميركيين صبرهم على الحرب بشكل مطرد، ما يضع مؤيدي الحرب في وضع بالغ الصعوبة داخليا على الأقل.

مستقبل العراق
صعوبة إجراء المقارنة لا تقلل من أهمية الكتاب الصادر عن مطابع "شؤون عامة" الأميركية التي تتميز بنشر دراسات جادة تتناول أهم القضايا التي تشغل الرأي العام الأميركي.

هذا إضافة إلى أن مؤلف الكتاب ويدعى روبرت بيرغهام تحمل عناء عقد المقارنة بين حربي فيتنام والعراق في جوانب هامة عديدة نأمل أن نوضحها لقارئ العرض الحالي.

أما أهم مضامين الكتاب -وإن بدا ضمنيا بعض الشيء- فهو تنبؤ المؤلف بمستقبل العراق اعتمادا على خبرته في حرب فيتنام، أو بالأحرى مستقبل السياسة الأميركية في العراق على غرار ما آلت إليه سياسة أميركا في فيتنام.

وهذه النبوءة يبنيها المؤلف بهدوء وتدريج عبر صفحات كتابه ولا يصل إليها بوضوح إلا في صفحات الكتاب الأخيرة، حيث يخصص فصول كتابه الخمسة لمقارنة الحربين في جوانب مختلفة بداية من أسبابهما المعلنة، وحجم القوات المشاركة فيهما، والأطراف المعنية بهما، وأسباب النجاح أو الفشل.

لذا لا يتحدث المؤلف عن تبعات الحربين ومستقبل السياسة الأميركية تجاههما إلا في نهاية كتابه، وهي خلاصة مهمة قد لا يصل إليها من يقتصر في قراءته للكتاب على فصوله الأولى.

"
إدارة بوش قد تسعى -على غرار ما حدث في فيتنام- إلى البحث عن مخرج سريع من العراق يقوم على مساعدة الحكومة العراقية مرة أخيرة في إعادة الأمن للعراق، ثم تحميلها مسؤولية تحسين الأوضاع، وانتظار أقرب تحسن نسبي للانسحاب بنية عدم العودة
"
وبهذا الخصوص يرى بيرغهام أن الحكومة الأميركية بعدما تيقنت من فشلها في فيتنام وعجزها عن تحقيق نصر حاسم في حربها هناك، تلك الحرب التي دخلت في دوامة من الفشل على ساحات مختلفة، وضعت أمامها هدفا برغماتيا يقوم على محاولة التوصل إلى خطة انسحاب تحفظ ماء الوجه الأميركي حتى لو لم تضع حلا حقيقيا لصراع فيتنام وتحمي حلفاء أميركا في فيتنام الجنوبية.

فبعدما تبين للإدارات الأميركية فشلها في فيتنام أصبح هدفها الرئيسي البحث عن مخرج مرضٍ من الصراع حتى وإن لم يكن مخرجا حقيقيا.

وعندما خرجت أميركا من فيتنام وتدهورت الأوضاع هناك أكثر فأكثر لم يفكر الأميركيون في العودة هناك مرة أخرى، غاضين النظر عما حدث لحلفائهم في فيتنام الجنوبية، عندما أصبح الصراع عالي التكلفة بالنسبة لهم على المستويات الاقتصادية والسياسية.

وهنا يرسل المؤلف رسالة تحذير هامة تتعلق بمستقبل العراق، فهو يتنبأ بزيادة معارضة الشعب الأميركي للحرب وزيادة معارضة الكونغرس لها وانقلابهما على الرئيس.

كما يتحدث عن تعقد الموقف في العراق في ظل تشعب الصراعات العرقية والمذهبية، إضافة إلى إدراك الإدارة الأميركية لفشل مشروع بناء الديمقراطية في العراق لأسباب مختلفة.

وهنا يرى المؤلف أن إدارة جورج بوش قد تسعى -على غرار ما حدث في فيتنام- إلى البحث عن مخرج سريع من العراق يقوم على مساعدة الحكومة العراقية مرة أخيرة في إعادة الأمن للعراق، ثم تحميلها مسؤولية تحسين الأوضاع هناك، وانتظار أقرب تحسن نسبي في الأوضاع للانسحاب بنية عدم العودة إلى العراق مرة أخرى حتى لو تدهورت الأوضاع ووقع العراق في حرب أهلية عميقة أو انهارت الحكومة المساندة للولايات المتحدة.

ولو حدث ذلك لاكتملت عقدة العراق على غرار عقدة فيتنام كما يتوقع المؤلف، ولقادت عقدة العراق إلى موجة جديدة من العزلة في أوساط الشعب الأميركي، ولقامت خبرة العراق بإعادة تعليم الأميركيين دروس حرب فيتنام القاسية مرة أخرى.

أوجه الاختلاف
الحديث السابق لا يعني أن المؤلف لم يعثر على أوجه اختلاف بين العراق وفيتنام، إذ يرصد الكتاب اختلافات واضحة بين الصراعين. فيرصد الفصل الثاني على سبيل المثال عددا كبيرا من الاختلافات العسكرية بين الحربين.

يقول بيرغهام إن فيتنام بدأت كحرب مرتدين ثم تصاعدت إلى حرب تقليدية، في حين أن العراق بدأ حربا تقليدية ثم تدهور إلى حرب عصابات.

كما استهلكت فيتنام موارد عسكرية أكبر على مختلف الأصعدة، إذ وصل عدد الجنود الأميركيين المشاركين في الحرب إلى 543 ألفا عام 1969، إضافة إلى القوات الحليفة لأميركا في فيتنام والتي بلغ عددها 100 ألف سنويا.

أما قوات فيتنام الشمالية المعادية لأميركا فقد بلغت أكثر من مليون مقاتل يعاونها نحو 200 ألف مهندس عسكري من الصين.

ويقول المؤلف إن إجمالي عدد القوات المتصارعة في فيتنام قدر بنحو 3.2 ملايين محارب سنويا، ما يفوق بكثير القوات المتصارعة في العراق. وهنا يقول بيرغهام إن عدد من يسميهم "المرتدين العراقيين" يصل إلى 20 ألف مرتد فقط وفقا لتقديرات يرى أنها الأكثر مصداقية.

كما أن عدد القوات الأجنبية التي تسللت إلى العراق لمساعدة "المرتدين العراقيين" لا تقترب من عدد المهندسين العسكريين الصينيين الذين ساعدوا فيتنام الشمالية، كما يرى أن مساندة حلفاء المرتدين العراقيين الخارجيين لا تقارن بمساعدة دول الاتحاد السوفياتي والصين لفيتنام الشمالية خلال الحرب.

"
المرتدون العراقيون غير موحدين ولا معروفين، وأهدافهم غير معلنة بشكل كاف، كما أنهم لا يمتلكون الثقل السياسي الدولي الذي كان يتمتع به قادة فيتنام الشمالية
"
هذا إضافة إلى طول مدة الحرب الجوية وكثافة القصف الجوي في فيتنام، حيث أدت العمليات العسكرية إلى مصرع 3.2 ملايين محارب ومدني فيتنامي، إضافة إلى مصرع 58 ألف جندي أميركي وجرح 150 ألفا.

وهنا يشير المؤلف إلى أن القوات الأميركية المقاتلة في العراق تكبدت 2300 قتيل منذ بداية الحرب وحتى فبراير/ شباط 2006، في حين أن القوات الأميركية المشاركة في حرب فيتنام تكبدت خلال فترة موازية في بداية الحرب 17754 قتيلا.

هناك فرق آخر يتعلق بطبيعة القوات المعادية لأميركا في فيتنام الشمالية، والتي تميزت بالتوحد النسبي خلف الحزب الشيوعي ذي القيادة المركزية، وكانت قيادتها معروفة، رفعت شعارات وطنية تحررية رنانة وأصبحت قيادات معروفة عالميا، ودأب المتظاهرون ضد الحرب في واشنطن على رفع صور قائد فيتنام الشمالية.

في المقابل يرى بيرغهام أن المرتدين العراقيين غير موحدين ولا معروفين، وأن أهدافهم غير معلنة بشكل كاف، كما أنهم لا يمتلكون الثقل السياسي الدولي الذي تمتع به قادة فيتنام الشمالية.

الكونغرس والشعارات الرنانة
إذا عدنا مرة أخرى إلى أوجه الشبه، تنبغي الإشارة إلى خلاصة الفصل الأول من الكتاب الذي يتناول طريقة دخول أميركا الحربين مؤكدا على التشابه بين الحاليتين، إذ دخلت أميركا الحربين –كما يوضح الكتاب– بناء على معلومات استخبارية مغلوطة استخدمت من قبل السياسيين لتبرير رغبتهم في الحرب التي غطتها مبادئ رنانة حول رسالة أميركا النبيلة ورغبتها في بناء العراق أو فيتنام.

وفي كلتا الحالتين غيرت الحكومة الأميركية مبررات دخولها للحرب مع تغير الظروف، ففي بداية حرب فيتنام تحدثت الحكومة الأميركية عن خوفها من وقوع فيتنام الجنوبية في يد الشيوعيين وأن ذلك سيقود -وفقا لنظرية الدومينو التي تبنتها الإدارة الأميركية- إلى وقوع مزيد من الدول المحيطة بها في قبضة الشيوعية.

وبعد خسائر أميركا المتكررة هناك بدأت الحكومة تتحدث عن نظريات أو مبررات أخرى مثل حماية مصداقية أميركا وقدرتها على الدفاع عن أصدقائها.

وفي العراق تحدثت الإدارة الأميركية عن أسلحة الدمار الشامل، وعندما فشلت في العثور عليها تحدثت عن رغبتها في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ويشير المؤلف إلى أن الكونغرس الأميركي وقف في بداية الحربين موقفا مخزيا وعجز عن تحدي سلطة الرئيس، بل إنه انحاز في بداية الحربين إلى الإدارة وشعارات الحرب والوطنية الرنانة، مؤكدا أنه "كان ينبغي على البيت الأبيض والكونغرس مناقشة قرارات حربي فيتنام والعراق بشكل أكثر قوة".

"
يرى المؤلف أن وزارة الدفاع كانت المسؤولة عن الإعداد لفترة ما بعد الحرب ولكنها أساءت الإعداد، ولم تتحسن الأحوال إلا لما تولت المسؤولية
"
المسؤول عن أخطاء العراق
يعرض المؤلف في الفصل الثالث نظريته الخاصة بأسباب فشل الإدارة الأميركية في العراق والتي يلخصها في سببين رئيسيين: أولهما سوء التخطيط لمرحلة بناء العراق، ويلوم بيرغهام وزارة الخارجية الأميركية على ذلك.

وأكد أن وزارة الدفاع كانت المسؤولة عن الإعداد لفترة ما بعد الحرب وأنها أساءت الإعداد، وأن الأحوال لم تتحسن إلا لما تولت المسؤولية، مستشهدا بتصريحات ريتشارد بيرل أحد أبرز صقور المحافظين الجدد.

وهنا يختلف المؤلف مع كتابات أميركية عديدة ترى أن العكس هو الصحيح وأن وزارة الدفاع هي المسؤولة عن أخطاء العراق.

أما التفسير الثاني فهو يتعلق بتركيز أميركا على إحلال الديمقراطية في العراق على حساب توفير الخدمات الأساسية للمواطن العراقي، وهنا يرى المؤلف أن أخطاء الإدارة الأميركية المتكررة في فترة ما بعد الحرب أدت إلى عجز الحكومة العراقية المتحالفة مع القوات الأميركية عن توفير الخدمات الأساسية للمواطن العراقي بشكل دفعه إلى عدم الثقة فيها أو في القوات الأميركية التي بات ينظر إليها كقوات غازية.

ويشير المؤلف بشكل سريع إلى اعتقاده بأن شعور الفيتناميين بالوحدة وانتماءهم لأمة واحدة أكبر بكثير من شعور العراقيين بذلك.

وبصفة عامة يمكن القول إن حديث المؤلف عن طبيعة الشعب العراقي وما يدور داخل العراق يتميز بدرجة من التعميم والسطحية بشكل يكشف عن ضعف معرفته بالداخل العراقي، وعن الصعوبة التي يواجهها بعض الكتاب الأميركيين في الإلمام بحقيقة ما يجري هناك.

المصدر : الجزيرة