عرض/ إبراهيم غرايبة
يحلل الكتاب من خلال مجموعة من الدراسات المتنوعة لعدة باحثين، الحرب الإسرائيلية على لبنان وعلاقتها بالتحولات الأخيرة إقليميا ودوليا وبخاصة الحرب الأميركية على العراق، والبيئة المحيطة بالصراع العربي الإسرائيلي، والحالة اللبنانية نفسها التي تعبر عن نفسها بانقسام طائفي عميق في المجتمع اللبناني منذ بدايات القرن العشرين.

- الكتاب: الحرب الإسرائيلية على لبنان
- المؤلف: مجموعة من الباحثين
- عدد الصفحات: 456
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

كيف نفهم الحرب على لبنان
لا يستقيم الحديث عن تداعيات العدوان الصهيوني على الداخل اللبناني دون أخذ بعض الملاحظات بعين الاعتبار، إذ من الصعب فصل تداعيات الحرب على لبنان عن تداعياتها على الواقع العربي والإقليمي والدولي.

كما أنه من الصعب فصل تلك الحرب عن واقع المجتمع اللبناني المنقسم طائفيا منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920وحتى قبل التأسيس، ومما ساهم في تعزيز هذا الانقسام دول وحكومات وقناصل وبعثات تبشيرية.

ورغم الظروف المعاكسة للمقاومة فقد حققت هذه الأخيرة صمودا غير عادي على مدى 33 يوما، ونجحت في إفشال الهجوم الصهيوني رغم الفرق الهائل في موازين القوى.

ولكن كلفة الحرب كانت عالية جدا، فقد كان عدد الشهداء بالآلاف وعدد الجرحى أضعافهم، بالإضافة إلى الدمار الذي لحق بالوحدات السكنية والبنية التحتية والمصانع والمؤسسات، عدا النتائج السلبية على الاقتصاد اللبناني، واحتلال أراض لبنانية جديدة، والحصار الجوي والبحري الذي فرض على لبنان.

وتحولت نتائج الحرب وتداعياتها إلى صراع سياسي وإعلامي داخلي كبير حول سلاح المقاومة والعلاقة بين الأطراف السياسية المختلفة: المعارضة المتمثلة في الشيعة عامة (حزب الله وأمل) وحلفاء من الأحزاب والتجمعات السياسية القائمة على السنة والموارنة، مدعومة من قبل رئيس الجمهورية إميل لحود. ويقابل هذا التجمع رئيس الحكومة ووراءه أغلبية برلمانية قائمة على السنة والموارنة والدروز.

وتحول الجدل السياسي إلى جدل طائفي ومذهبي بدلا من أن يكون اختلافا حول التعامل مع قضايا السلاح والمقاومة والعدوان والوحدة الوطنية والديمقراطية.

وكان قرار مجلس الأمن 1701 محور مجادلات ومناقشات واسعة لبنانيا وعربيا وإقليميا ودوليا، لأنه بصياغته الراهنة "حمال أوجه"، يسمح لكل جهة أن تجد ما يناسبها ويدعم وجهة نظرها.

فهو يدور حول نزع الأسلحة غير التابعة للدولة اللبنانية، وإنشاء الخط الأزرق ونهر الليطاني منطقة خالية من الأشخاص المسلحين والعتاد والأسلحة عدا تلك العائدة إلى حكومة لبنان، أي أن المرتكز الأساسي هو نزع أسلحة المليشيات وغير المليشيات.

وفي نفس القرار توجد أمور كثيرة متروكة لطلب الحكومة اللبنانية، وهذا يجعل النقاش يحتدم حول بقاء الحكومة بشكلها الراهن أو تشكيل حكومة اتحاد وطني تكون أكثر تمثيلا وأكثر توازنا كي تتمكن من تحمل المسؤوليات التي تنتظرها.

وبالطبع فإن الأمن الوطني اللبناني جزء أساسي من الحوار السياسي القائم منذ ما قبل 12يوليو/ تموز 2006، وهو مرشح لأن يصبح الشأن الطاغي في مرحلة ما بعد الحرب.

إن متابعة الساحتين الأميركية والإسرائيلية تشير بوضوح إلى عدم رضا كل من الإدارة الأميركية والقيادة الصهيونية عن النتائج الميدانية للعدوان وضعف أوراقها، وبالتالي تسعيان إلى تغطية الفشل بمحاولة تحقيق ما لم يتم إنجازه عسكريا بالطرق الدبلوماسية.

"
فرنسا تكلمت صراحة عن نزع السلاح عبر عملية لبنانية داخلية، لكن الولايات المتحدة تسعى لإحداث تغييرات جوهرية في عقيدة وتركيبة الجيش اللبناني الذي تراه متفاهما أكثر من اللازم مع المقاومة
"
فقرار مجلس الأمن 1701 في جوهره هو نزع السلاح، لكن تدخل أميركا الفظ باستصدار قرار ثان من مجلس الأمن يفرض نزع سلاح حزب الله قسرا يعطي انطباعا بأن تطبيق القرار سيراوح بين منطق الأمن بالتوافق والتراضي الذي تتمناه فرنسا والأمين العام والاتحاد الأوروبي، وبين منطق الفرض القسري الذي تريده كل من أميركا والكيان الصهيوني.

فرنسا تكلمت صراحة عن نزع السلاح عبر عملية لبنانية داخلية، لكن الولايات المتحدة تسعى لإحداث تغيرات جوهرية في عقيدة وتركيبة الجيش اللبناني الذي تراه متفاهما أكثر من اللازم مع المقاومة.

البيئة العربية المحيطة بالحرب
كشفت الحرب عن مجموعة من المؤشرات والنتائج بالغة الأهمية، فقد تراجعت كثيرا القدرة الإسرائيلية على الردع، بل وانهارت صورتها الردعية التي كانت تتكئ عليها في سياساتها ومواقفها طوال العقود الماضية.

وما زالت المجتمعات العربية تعيش حالة المقاومة مع الاحتلال الإسرائيلي ولم تتقبل مشروعات التسوية ولا رضيت بالهيمنة الإسرائيلية ولا اعترفت بها، وبما أن المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية الحرب، فإن الحرب مازالت قائمة رغم كل نتائجها التي تبدو لصالح إسرائيل.

لم تهزم إسرائيل وإن فشل عدوانها على لبنان، ولكن الحالة الجديدة التي ظهرت في إسرائيل تبدو جديرة بالدراسة والاهتمام وتؤشر على نتائج بالغة الأهمية في فهم الصراع العربي الإسرائيلي وتقدير مساراته، إذ تشكلت حالة ثقافية ودينية وسياسية في إسرائيل قائمة على الاختلاف الكبير، والنزعة الكبيرة الجديدة إلى فقدان التماسك والاستهلاك، وغياب صورة المقاتل الصهيوني العبري المستمدة من أسطورة جيل المؤسسين الذي يفلح الأرض ويحمل السلاح.

فالجيش الإسرائيلي يعتمد أساسا على التجنيد الإلزامي وجيش الاحتياط إضافة إلى القوى المهنية الثابتة. وعندما يدعو الجيش كتائب الاحتياط إلى الحرب فإنه يدعو عمليا الشعب إلى الخدمة بقواه الاجتماعية المتباينة وتياراته الفكرية.

وهذا يجعله عرضة لنقاش اجتماعي وسياسي، لأن الاحتياط من المجتمع، والمجتمع لم يعد معبأ كما كان، تعدديته وفجواته العميقة تنتقل مع الجنود إلى الجيش.

لقد كان الهدف الإسرائيلي العسكري والمحدد للحرب استعادة "هيبة الردع" وهي من أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهذه لم تستعد ولم ترمم، بل تضررت في هذه الحرب، فلم تتضرر هيبة الردع الإسرائيلية فحسب، وإنما تضررت حتى الفكرة عن فاعلية سلاح الطيران ضد مقاومة تستند إلى دعم شعبي.

"
القيادة الإسرائيلية لا تستطيع حتى الآن إلا تخيير شعبها بين السلام العادل والدائم والشامل وبين الحرب الدائمة، وهي إن خيرته بهذا الوضوح ستتفاجأ من عدد من يفضلون السلام ودفع ثمنه
"
أما الهدف الإسرائيلي الثاني المعلن للحرب فقد راوح متذبذبا بين ضرب قدرة حزب الله وإبعاده عن الحدود الإسرائيلية، وهو الهدف الذي التقى مع الأهداف السياسية الأميركية، ولم يكن تحقيقه ممكنا إلا في قرار مجلس الأمن.

أما في مسألة تحقيق الأهداف الأميركية فلم يحسم الصراع إذ نقلته الحرب إلى الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، وعندما فشلت إسرائيل في حسمها عسكريا أعادها قرار مجلس الأمن إلى لبنان ترافقها قوة فرنسية ويرافقها التفاف رسمي عربي حول الحكومة اللبنانية.

لا يوجد أي خلاف في إسرائيل على أنها فشلت في الحرب على لبنان، ويدور النقاش فقط حول أسباب الفشل ومن يتحمل مسؤوليته.

وقد فشلت سياسات القوة الجارية التي حاولت إسرائيل ترميمها إستراتيجيا بترميم هيبة الردع، وفشلت الحلول الجزئية، وفشل فك الارتباط من طرف واحد.

وبعد الحروب والعدوان بدأ موسم التحرك في الشأن الفلسطيني، وكان المخرج بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة بصناعة أو افتعال مأزق فلسطيني بدلا من المأزق الإسرائيلي، وكان ذلك بالصراع والاقتتال الفلسطيني، ولكن اتفاق مكة ربما يساعد على تجاوز هذا المأزق ودفع العملية السياسية في الشرق الأوسط باتجاهات إيجابية جديدة بالنسبة للعرب والفلسطينيين.

لا تستطيع القيادة الإسرائيلية حتى الآن إلا تخيير شعبها بين السلام العادل والدائم والشامل وبين الحرب الدائمة، وهي إن خيرته بهذا الوضوح ستتفاجأ من عدد من يفضلون السلام ودفع ثمنه، ولكن ثمة مخاوف من اختراق أميركي للعرب يجعلهم يساعدون إسرائيل في الخروج من مأزقها.

لقد أتى على العرب حين من الدهر كانوا يدعمون المقاومة المسلحة للاحتلال مثل مساندة ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954، واحتضان القمة العربية لإنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية" وجيشها عام 1964، لكننا الآن إزاء موقف رسمي سلبي من المقاومة، وانتهاء قومية المعارك ضد الاحتلال منذ نهاية حرب رمضان في أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

في تفسير المواقف العربية الرسمية يبدو واضحا أن ثمة تفسيرين محتملين: أولهما الاقتراب من السياسة الأميركية والتحالف معها، والآخر هو الهواجس تجاه النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويلاحظ من منظور الصراع العربي الإسرائيلي أن حالات الهزيمة كانت تفضي إلى تضامن وحالات النصر تفضي إلى حروب عربية باردة، ففي أعقاب هزيمة عام 1948وقعت اتفاقية الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950، وفي أعقاب هزيمة عام 1967 بدأت واحدة من أقوى موجات التضامن بين وحدات النظام في مواجهة آثار العدوان.

أما حرب السويس عام 1956 فقد أعقبتها حرب باردة عربية حتى هزيمة عام 1967، وانسحب الأمر بوضوح أشد في حرب 1973 التي أعقبتها واحدة من أشد موجات الصراعات العربية البينية، ولا تبدو الحالة الأخيرة عام 2006 استثناء فقد أعقب الصمود والمواجهة مع العدوان الإسرائيلي حالة من الانقسام العربي.

"
إذا كان لا بد من شرق أوسط جديد يرجح أنه إيراني، فمن المؤكد أن المطلوب فيه أن لا يكون من وجوه جِدّته صراع الطوائف والمذاهب والفوضى غير الخلاقة
"
إيران وتركيا والخريطة المتشكلة
كان من أسباب استمرار حالة المقاومة اللبنانية التأييد الإيراني لها، وهذا يعني استحالة استبعاد إيران من المنظومة الشرق أوسطية على النقيض مما تريده الإدارة الأميركية الراهنة.

وقد تصرفت إيران بمنطق الدولة وليس بمنطق الثورة، وبنت موقفها من الحرب على حسابات وطنية دقيقة للمكسب والخسارة، معولة على دعمها الشامل للمقاومة اللبنانية ودعمها السياسي والإعلامي لها أثناء الحرب، وانضمامها إلى جهود المساهمة في إعمار ما خربه العدو الإسرائيلي بعد الحرب، وبالطبع فقد أعطى ذلك لإيران دورا في صياغة مستقبل الشرق الأوسط وهويته.

وبعدما كان السجال الفكري مطلع التسعينيات يدور حول التنافس التركي الإيراني في الشرق الأوسط "الأميركي"، وأي الدولتين أقدر على توظيف التركة السوفياتية لصالح نفوذها الإقليمي ثقافيا واقتصاديا، تحول السجال إلى التساؤل عن أي القوتين تسيطر على الشرق الأوسط الجديد: الولايات المتحدة أم إيران؟

لقد كرست الحرب محاور كانت قائمة من ذي قبل، وأعادت تشكيل بعض المحاور القديمة، وبشرت بمحاور جديدة، فالمحور الذي يجمع بين كل من سوريا وإيران والمقاومة اللبنانية وحماس تأسس لأسباب موضوعية تتعلق بالموقف من الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن ناحية أخرى أعادت الحرب تشكيل المحور المصري السعودي السوري بإخراج سوريا منه، وتقديم الأردن لشغل موقعها.

وقد مثلت الحرب الإسرائيلية على لبنان نقطة تحول في علاقات إيران الإقليمية، وهذه مناسبة لإيران كي تستثمرها لتعزيز الانطباع الإيجابي الذي تكون عن دورها الداعم لحزب الله في مواجهة إسرائيل، مقابل الانطباع المضاد الذي ولدته سياستها الانتقائية الطائفية في العراق.

وإذا كان لا بد من شرق أوسط جديد يرجح أنه إيراني، فمن المؤكد أن المطلوب فيه أن لا يكون من وجوه جِدّته صراع الطوائف والمذاهب والفوضى غير الخلاقة.

وأعطت الحرب أيضا فرصة لتركيا للمشاركة في دور إقليمي في الشرق الأوسط، مع أن النظام في تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية يبقى جزءا من النظام العام في العالم الإسلامي الذي يعتمد في صوغ توجهاته الأساسية على المقاربة السعودية للأمور، لكون الرياض صاحبة الكلمة الأولى في المؤتمر الإسلامي.

أما على المستوى السوري فإن الخطر الأكبر أن تتأذى هذه العلاقات من أي تطورات غير محسوبة في الملف اللبناني تكون تركيا طرفا فيها، والمقصود إرسال قوات تركية إلى لبنان.

ولبنان يبقى رغم كل التراجع الذي أصاب النفوذ السوري فيه أحد المجالات الحيوية لسوريا أو ما يسمى "بالحديقة الخلفية"، وأي دخول تركي على هذا الخط يجب أن يأخذ في الاعتبار هذه الثابتة الإستراتيجية.

المصدر : الجزيرة