عرض/ الحسن السرات
 اشتهرت آنا بوليتكوفسكايا بتقاريرها الإخبارية في صحيفة "نوفايا غازيتا" الصحيفة المعارضة الوحيدة في روسيا، كما اشتهرت بكتبها حول حرب الشيشان.

وهي أيضا من الأصوات النادرة التي انتصبت ضد حكم فلاديمير بوتين في وقت أصبح فيه النظام الروسي أكثر فأكثر سلطوية واستبدادا.

حصل كتابها "الشيشان.. عار روسيا" المنشور في ربيع 2003 على جائزة قارئات مجلة "هي" مع مطلع عام 2004. ولها أيضا كتاب "روسيا حسب بوتين" المنشور عام 2004، وقبل ذلك كتاب "رحلة إلى الجحيم" الصادر عام 2000.

مهددة بالموت حتى الموت

-الكتاب: روسيا المؤلمة.. يوميات امرأة غاضبة
-المؤلفة: آنا بوليتكوفسكايا
-عدد الصفحات: 422
-الناشر: دار بوشيه وكاسكيل, فرنسا
-الطبعة: الأولى 2006
قتلت آنا بوليتكوفسكايا غيلة يوم السبت 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2006 بالعاصمة الروسية عن 48 عاما، وهو اليوم الذي صادف عيد ميلاد الرئيس فلاديمير بوتين الرابع والخمسين.

فهل كان رأس المؤلفة هدية عيد ميلاد الرئيس؟ القاتل الذي أنجز المهمة كان على علم بالمدخل السري للعمارة التي كانت تسكنها الكاتبة، وعلى علم أيضا بحركاتها وسكناتها، ما يعني أن الاغتيال كان مدروسا بدقة لا يتقنها إلا المخبرون المحترفون.

وقد تعرضت هذه المؤلفة التي ولدت في نيويورك من أسرة دبلوماسية، لمحاولات اغتيال سابقة كالتسميم عام 2004، وسبق لها أن تلقت الكثير من التهديدات.

وهربت إلى فيينا عام 2001 بعدما تلقت تهديدات عبر البريد الإلكتروني، مفادها أن ضابطا بالشرطة الروسية كانت قد اتهمته بارتكاب انتهاكات، يسعى للانتقام منها.

زارت الشيشان أكثر من خمسين مرة، واعتقلت عام 2001 من طرف المخابرات الروسية (كي.جي.بي سابقا) لتحقيقاتها حول المذابح والانتهاكات والاختطافات التي ارتكبتها القوات الروسية في الشيشان.

كما عرفت بتفاوضها مع الخاطفين الذين اعتقلوا رهائن في مسرح موسكو عام 2002 معرضة نفسها للخطر.

يكاد المحللون يجمعون على أن كتابها -موضوع العرض- سبب اغتيالها من طرف المخابرات الروسية، وإن صح هذا فإن المؤلفة تكون قد دفعت حياتها ثمنا لشجاعتها وصدعها بالحق.

"
يكاد المحللون يجمعون على أن هذا الكتاب سبب اغتيال بوليتكوفسكايا من طرف المخابرات الروسية، وإن صح هذا فإن المؤلفة تكون قد دفعت حياتها ثمنا لشجاعتها وصدعها بالحق
"
قسمت المؤلفة مذكراتها إلى أقسام ثلاثة كبيرة: أولها "نهاية العمل البرلماني بروسيا"، وهو الجزء الذي يشمل الفترة من 7 ديسمبر/ كانون الأول 2003 إلى 15 مارس/ آذار 2004.

وثانيها "الهبوط السياسي الكبير بروسيا"، ويشمل الفترة من 5 أبريل/ نيسان إلى 12 ديسمبر/ كانون الأول 2004.

أما القسم الثالث فعنوانه "بعد أوكرانيا وقرغيزيا، هل سيأتي دورنا؟"، ويشمل الفترة من غرة يناير/ كانون الثاني إلى 31 أغسطس/ آب 2005".

بالإضافة إلى خاتمة بعنوان "هل أنا خائفة؟"، وملحق بالأحزاب السياسية الروسية ومعجم بالأعلام الذين وردت أسماؤهم في الكتاب.

رئيس بلا قلب
القسم الأول من الكتاب تتابع فيه المؤلفة يوميات الانتخابات التشريعية والرئاسية التي جرت في روسيا وفاز بها حزب بوتين وبوتين نفسه.

تكتب المؤلفة كتابها بأسلوب صحفي يجمع بين التحقيق والتحليل والتعليق، مع مسحة عالية من المرارة والأسى على ما آلت إليه روسيا في ظل نظام الرئيس فلاديمير بوتين.

ومنذ البداية تخبرنا أن بوتين أعيد انتخابه رئيسا قبل الموعد بتسعة أشهر.

تقول آنا في البداية "رسميا وبعد إحصاء أكتوبر/ تشرين الأول 2003، صارت روسيا البلد السابع في العالم من حيث عدد السكان 145.3 مليون نسمة، منهم 109 ملايين ناخب.

منذ 26 مارس/ آذار 2000 صارت مرؤوسة بفلاديمير بوتين الذي سيعاد إلى كرسي الحكم يوم 14 مارس/ آذار 2004. لكن إعادة انتخابه صارت مضمونة منذ 7 ديسمبر/ كانون الثاني 2003، يوم الانتخابات البرلمانية".

وقد تزامن هذا اليوم مع حادث مروع عرفته روسيا هو حادث "قطار الطلبة" الذي لقي فيه 13 طالبا حتفهم في القوقاز الشمالية، بعدما دهسهم قطار الطلبة الصباحي وهم يسيرون نحو مدرستهم عبر سكة الحديد.. السبيل الوحيد لذلك.

غير أن الرئيس كأنه لم يشعر بفداحة المصيبة إذ لم يقدم ولو كلمات العزاء لعائلات الطلبة المنكوبين، بعدما أدلى بصوته. وقد ظن الناس جميعا أنه سيدلي بتصريح يعزي فيه الأسر المنكوبة ويطلب منها الصفح لعجزه عن توفير الحماية لأبنائهم.

"
تبرهن المؤلفة على أن روسيا قدمت -في صمت يشبه صمت القبور- إلى بوتين، وأن الانتخابات فاز بها حزب فارغ مثل الصدفة يسمى حزب روسيا الموحدة
"
تبرهن المؤلفة أن البلد قدم في صمت يشبه صمت القبور إلى بوتين، وأن الانتخابات فاز بها حزب فارغ مثل الصدفة يسمى حزب "روسيا الموحدة".

هذا الحزب لم يكن له من برنامج -حسب الصحفية المثيرة- سوى مساندة الرئيس، ولم يكن أعضاؤه إلا من الشبان الشيوعيين القدامى الذين كانوا يقودون الشبيبة الشيوعية، ثم انقلبوا بقدرة قادر إلى موظفين كبار لإدارات ضخمة.

"كل هؤلاء المنفذين الشجعان أنفقوا أموالا طائلة واستغلوا مناصبهم وأموال السلطة في تمويل حملة كاذبة لحزبهم المزعوم لضمان نصر انتخابي صاخب".

وتحدثنا المؤلفة عن لجوء الأجهزة السرية التابعة للدولة الروسية إلى وسائل مرعبة لثني المرشحين الآخرين عن منافسة مرشحي حزب روسيا الموحدة أو الرئيس نفسه.

ومن هذه الأساليب المروعة الاختطاف والتعذيب والقتل والتمثيل بالجثة وتقطيع أوصال المرشح المتعنت ورميها أمام أبواب المعنيين بالتخويف.

كما تحدثنا عن وسائل الترغيب والترهيب والقمع والمنع المستعملة مع المواطنين، حتى زهد الناس في الانتخابات فلجأت السلطات إلى تزوير نتائجها.

وتخبرنا أيضا بحقيقة حزب الديمقراطيين بقيادة غيرينوفسي وأحزاب أخرى صنعها الكرملين لاستمالة الشيوعيين وتوزيع الأدوار، ولعبة المرشحين المستقلين "صنائع بوتين".

وعندما تصل المؤلفة إلى يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول وهو عيد الدستور الذي عدل قبل عشر سنوات، تكشف لنا أن الروس يجهلون فحوى هذا الدستور، "فحسب الاستطلاعات الأخيرة فقط 2% من الروس يعرفون محتوى الوثيقة الدستورية، و45% يرون أن المهم بالنسبة لهم هو الإعلان عن الحق في الشغل، بينما أعلن 6% فقط أن حرية الرأي شيء مهم بالنسبة لهم".

فلماذا كان ميسورا على السلطة الروسية أن تفوز بالانتخابات بهذه الطريقة؟ وكيف تمكن الرئيس وأعوانه من إزاحة الديمقراطيين من الحياة السياسية؟ تجيب المؤلفة قائلة إن "الدولة الروسية متغولة، غير أن المشكلة الأكبر هي أن المعارضة لدينا ليست جادة ولا نزيهة".

الديمقراطية المزيفة

"
الديمقراطية في روسيا ليست سوى ذر للرماد في العيون، والتداول على السلطة لم يتغير عما كان عليه الأمر أيام الشيوعيين, ولم تعد الانتخابات سوى مسرحية مزيفة للنظام
"
مذكرات آنا ليست سوى براهين يومية على أن الديمقراطية في روسيا وانتخاباتها ليست سوى ذر للرماد في العيون، وأن التداول على السلطة في روسيا لم يتغير عما كان عليه الأمر أيام الشيوعيين.

بل إن هؤلاء الشيوعيين استطاعوا التكيف مع الأوضاع الجديدة واختطاف السلطة مع تغيير جلدهم وأفئدتهم للبقاء في الحكم.

وتعود بنا المؤلفة إلى الطريقة التي وصل بها بوتين إلى السلطة مع الرئيس السابق يلتسين، فتكشف لنا أن يلتسين هو الذي ورّث بوتين حكم روسيا.

"فلم تعد الانتخابات سوى مسرحية مزيفة للنظام، فلماذا سكت الساكتون؟ لإنقاذ شذرات سلطانهم في الحكم والحصول على مقاعدهم في البرلمان أو في الحكومات المحلية. وفي النهاية، خانوا ثقة الشعب.. أما هذا لشعب فقد قابل كل هذا بالتجاهل، وهذا التجاهل هو النتيجة الحتمية لثلاث عشرة سنة من هذه الديمقراطية".

هل أنا خائفة؟
تختم المؤلفة مذكراتها بسؤال يظهر حالتها النفسية الصعبة، وخطورة مواقفها وعملها المثير للسلطات المستبدة، فتضع للخاتمة سؤال "هل أنا خائفة؟".

وتكشف عما كان يعاب عليها من أنها تبالغ في التشاؤم، وأنها ليست على حق عندما تفقد ثقتها في الشعب، وأنها تحاصر نفسها في معارضة مطلقة للرئيس بوتين، وأنها ترفض النظر إلى الجوانب الإيجابية في حكمه.

وتقول آنا إن هذه الانتقادات خاطئة وتضيف "إني أرى كل شيء، أرى ما هو حسن وما هو قبيح، أبصر أن الناس يريدون تحسين أحوالهم المعيشية، وأنهم عندما لا يحققون مبتغاهم يغلقون على أنفسهم في تجاهل للوضع، محاولين تناسي الواقع البئيس في بلدهم".

وتستدرك بقولها إن "الإنسان لا يمكن أن يبقى طول الوقت يلعب لعبة النعامة.. إني لا أستطيع أن أكظم غضبي وأقبل التوقعات التي أعلنت عنها اللجنة الوطنية للإحصاء في أفق 2016".

وشعورا من المؤلفة بالموت الذي يهددها في كل وقت وحين تقول معلقة "ربما لن أكون من أحياء هذا العالم إلى ذلك الوقت، ولكني لا أستطيع استبعاد صورة الحياة عند أبنائي وأحفادي: إذا لم تتغير السياسة والاقتصاد بطريقة جذرية، سينقص عدد سكان روسيا بنحو 5.3 ملايين نسمة في أفق عام 2016، فهل بقيت هناك مساحة للتفاؤل؟".

"
الإنسان لا يمكن أن يبقى طول الوقت يلعب لعبة النعامة. أنا لا أستطيع أن أكظم غضبي وأقبل التوقعات التي أعلنت عنها اللجنة الوطنية للإحصاء في أفق 2016, ربما لن أكون من أحياء هذا العالم إلى ذلك الوقت
"
وتضيف أنه حسب السيناريو المتشائم فإن روسيا ستفقد تقريبا 12 مليون نسمة، إذ سيموت ملايين الفقراء لنقص العناية الطبية، والحروب ستزهق أرواح ملايين الفتيان، والدولة ستعدم أو تعتقل جميع أولئك الذين "ليسوا منا".

إن هذه المعطيات تشغل بالي بقوة وتدفعني دوما إلى التفكير في التدابير اللازم اتخاذها.

إني أرفض أن أختبئ وأنتظر أياما زاهرة لمطبخي، كما يفعل كثير من الناس".

وتصل المؤلفة في خاتمتها الغاضبة الثائرة إلى أنه "إذا ساد البؤس والإدمان الكحولي والحروب واحتقار البيئة ونقص الرعاية الاجتماعية، فإن الروس لن يكون بمقدورهم العيش الرغيد، ولكن سيكونون مجبرين على الاكتفاء بالحد الأدنى من العيش والتشبث بالحياة والبقاء.

ولحد الآن لم يتغير شيء، فالنظام أصم أذنيه عن سماع صفارات الإنذار، ولم يعد يشغله في برجه العاجي سوى الاستمتاع بالثروة والسلطة، والذين يحكموننا يجدون في مناصبهم أحسن الوسائل لتكديس الثروات، ولا شيء سوى الثروات.

وإذا كان هناك من الناس من يحلم بمستقبل متفائل فهنيئا لهم تفاؤلهم. أما أنا فلا أرى في الواقع والمستقبل إلا تأجيلا للموت الذي ينتظر أطفالنا وأحفادنا".

وثيقة تاريخية
"روسيا المؤلمة" كتاب يفيض باللوعة والأسى، وتزدحم صفحاته بسدول من الليل المظلم والظلم الطاغي، ويمكن اعتباره وثيقة تاريخية مهمة وشهادة نادرة من مؤلفة نذرت حياتها لكشف المستور وفضح المغمور في نظام لا يزال يحكم أبناءه بالحديد والنار، كما كان الشأن أيام الحكم الشيوعي الأحمر.

"
الحكام الجدد في روسيا اكتفوا بتغيير الصبغة الخارجية للنظام وبقيت الحقيقة الروسية كامنة وراء الأستار والأصباغ المزيفة
"
وربما يكون الحكام الجدد في روسيا -حسب هذا الكتاب- قد اكتفوا بتغيير الصبغة الخارجية للنظام، وبقيت الحقيقة الروسية كامنة وراء الأستار والأصباغ المزيفة.

المثير في هذه القضية أن تكون امرأة كاتبة قد ملكت من الشجاعة ما لم يملكه آلاف وملايين من الرجال للجهر بالحق، وأن تدفع حياتها ثمنا لذلك.

ولأنها كانت ترى الموت يداهمها في كل مكان، سارعت إلى توثيق شهاداتها في كتب حية يزيدها الصدق والغضب مصداقية وجمالا. فلا يملك القارئ إلا أن يسترسل في قراءة كل صغيرة وكبيرة سطرتها، حتى يصاب بالهم والقلق في آخر كلمة من كلماتها، وذلك أقوى ما في الكتاب.

المصدر : الجزيرة