عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب رؤية تقييمية للخبرة السياسية لنظام الخلافة الإسلامية، سواء في نظريته العامة وإطاره الفكري، أو في تجليها التطبيقي عبر نماذج تجسد أنماط ومراحل التصور المختلفة في مسار الخلافة.

ويجيب هذا الكتاب على إشكالين أساسيين، مدى ملاءمة تراث فقه الإمامة الذي ورثناه في مجال السلطة والحكم، ومدى شرعية بنية ونهج مؤسسة الخلافة التي مثل هذا الفقه الإطار الحاكم لها.

- الكتاب: الشرعية بين فقه الخلافة وواقعها
- المؤلفة: أماني صالح
- عدد الصفحات: 824
- الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب القاهرة
- الطبعة: الأولى/2006

 
النمط المثالي للخلافة الشرعية
تعرف المؤلفة "الشرعية" بأنها مفهوم يستخدم في المنظومة الإسلامية لوصف سلوك أو قرار أو حكم أو ظاهرة لتحديد توافقها مع حكم الشريعة، أو هي بتعريف مبسط الحكم بما أنزل الله أو أن تكون شريعة الله هي الحاكمة.

وتحدد المؤلفة أزمة الشرعية في الخلافة باعتبارها الإخلال الجسيم من جانب مؤسسة أو حكومة الخلافة بمعايير الشرعية التي يتضمنها النسق القياسي للخلافة الشرعية، سواء أدى هذا الإخلال إلى سقوط المؤسسة أو القيادة أو عدم سقوطها.

ولدى البحث في التراث الفقهي حول شرعية الخلافة لبناء فهم مثالي للخلافة الشرعية، يواجه الباحث -وفق تجربة المؤلفة- صعوبات عدة، أهمها ضعف الاشتغال الفقهي بمبادئ الحكم ذات الرؤية الشاملة رغم كثرة الدراسات التراثية في مجال الشرعية والخلافة، وعدم إدراك الوظائف والظواهر المتعلقة بعملية الحكم رغم ممارستها عمليا.

يضاف إلى ذلك الجمود والتكرار في المصادر الفقهية، والنزعة المحافظة للفقه السياسي لأهل السنة والجماعة، والنسبية التاريخية للفقه، وكثرة الاختلافات نتيجة تباين الاجتهادات الفردية للفقهاء، والتسامح الذي تعامل به الفقه السياسي مع بعض الأدوات المنهجية للخروج بأحكام شرعية.

ولبناء النمط المثالي للخلافة الشرعية تقترح المؤلفة دراسة عناصرها ومكوناتها وهي: الولاية والعمليات الحكومية، والسياسة العامة، أو ما يعرف بالسياسة الشرعية، والقواعد التنظيمية التي تعمل الحكومة وفقا لها في نظام الخلافة.

ويطلق مفهوم الولاية على العملية التي يتم من خلالها شغل الأدوار وإحلالها في النظام السياسي، وتقسم إلى قسمين: الولاية العظمى أي الخلافة، والولايات الفرعية التي ينيب فيها الخليفة الحكام وقادة الجيش والوزراء والقضاة.

وقد وضع الفقهاء شروطا للولاية العظمى، أهمها: العدالة بمعنى الأهلية والكفاية، والشوكة أو العصبية، وهناك شرط نسبي تاريخي وهو "القرشية".

وأما الولايات الفرعية فتنطبق عليها أيضا شروط الولاية العظمى، ويقسمها الفقهاء إلى ولايات تفويض وتنفيذ، وفي النوع الآخر من الولاية يلزم قيام شروط فنية وتخفف الشروط العامة السياسية.

ويتم تعيين الخليفة أو صاحب الولاية المركزية في الفقه السياسي السني على الاختيار من قبل أهل الحل والعقد وبيعتهم، والبيعة عقد ملزم بين الطرفين، وقد يجري اختيار بالاستخلاف كما في حالة عمر بعد أبي بكر، أو بالغلبة والاستيلاء، ويخلع الخليفة في ظروف قهرية عندما تتضرر بشدة الشروط اللازمة للخلافة أو بعضها، كالفسق ونقص التصرف.

وتقوم وظائف الحكومة على التشريع الذي يقوم به الولاة والفقهاء وفق أحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، وعلى تطبيق الشريعة والقواعد التشريعية التي تسن للإدارة والتنظيم والضبط، وعلى تنفيذ الأحكام القضائية وحماية الحقوق وإشاعة العدل وحماية أمن المواطنين، من مسلمين وغيرهم، وتأمين حدود الدولة، وتوفير وسائل ردع الأعداء، وتحصيل موارد الدولة، وتوزيعها، وتكليف من تتوفر فيهم الشروط من الكفاية وغيرها لتولي الوظائف العامة والمراقبة المستمرة لأدائهم.

"
تقوم آليات الشورى على سيادة الشريعة والقانون الذي يقيد السلطة بنظام متسق مع الشريعة والاحتياجات والتحولات المتجددة والمتسعة بما لا يخالف أحكام الشريعة
"
ويشمل النمط المثالي لأساليب إدارة الحكم ومناهجه عددا من المعايير، تجملها المؤلفة في العدل والوفاء بالأمانات، والرفق بالناس.

ومما يستفاد من القواعد الكلية التي استنبطها الفقهاء أن يقدم في كل ولاية من هو أقدر على القيام بحقوقها، وينحصر مجال السلطة التنفيذية فيما هو حق لله، أي ما كان متعلقا بمصلحة المجتمع بعامة، وليس المصالح الفردية الخالصة.

ومن تلك القواعد أن تصرف الإمام في شؤون الرعية منوط بالمصلحة الراجحة، وأن الضرر يزال، وأن الأصل في الأحكام هو إرادة اليسر ورفع الحرج عن الناس، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأنه إذا تعارضت الحقوق قدم المضيق على الموسع، والفوري على المتراخي، وفرض العين على فرض الكفاية، والاجتهاد لا ينقض إلا باجتهاد.

وتتيح قواعد عامة مثل "الضرورات تبيح المحظورات، ويتحمل الضرر الخاص لأجل منع الضرر العام، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وسد الذرائع مجالا للحركة والاجتهاد الواسع".

وهناك ضوابط قررها الشارع في أحكامه أمام حركة السلطة، مثل احترام ما تعارف عليه الناس ما لم يناقض حكما أو مقصدا شرعيا، والضرورة تقدر بقدرها، ولا اجتهاد عند ظهور النص، والحدود تدرأ بالشبهات، وما يحرم أخذه يحرم عطاؤه.

وقد أولت الشريعة الإسلامية القواعد المنظمة لمرفق القضاء أهمية كبيرة، وعلى رأس تلك القواعد استقلال الوظيفة القضائية، وعدم التدخل في عمليات التقاضي وأحكام القضاة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان حياد القضاة ونزاهتهم، وضمان عدالة الحكم.

وفي السياسة العامة للدولة فإن المؤلفة تجدها تقوم على أربع قواعد هي سيادة الشريعة، والدولة القانونية، وإلزامية الشورى، ووجوب الرقابة، وتتحد شرعيتها وفق معيارين: تطبيق أحكام الشرع فيما عالجته الشريعة، والعدل بمعنى إيفاء الحق إلى مستحقيه ونزعه من غاصبيه، باعتبار العدل هو أحد مبادئ الشرع ومقاصده.

وحددت الشريعة مصادر للموارد وتوزيعها، مثل الزكاة، ويرتبط تحصيل موارد الدول بغايات توزيعها التي يجب أن تمس مصالح المجتمع وتحققها، وأن تخدم العدالة الاجتماعية.

ويقوم مفهوم المواطنة في النظرية الإسلامية كما تجد المؤلفة على الجمع بين معياري الدين والإقليم، مع أن النموذج النبوي قدم نظريتين لمواطنة أهل الذمة: المواطنة في إطار من الشراكة الكاملة (وثيقة المدينة) والمواطنة في إطار الحماية (نموذج صلح نجران).

ويتراوح دور الدولة في الضبط الجنائي بين التطبيق بالنسبة للعقوبات المقدرة شرعا، وهي الحدود، وبين التقدير والتطبيق في العقوبات غير المقدرة، وهي التعزير، وذلك في إطار من المقاصد والمعايير الشرعية.

وتمثل الشورى قاعدة سياسية عامة في اختيار الحكام ومحاسبتهم وفي السياسة العامة للدولة، وتقوم آليات الشورى على سيادة الشريعة والقانون الذي يقيد السلطة بنظام متسق مع الشريعة والاحتياجات والتحولات المتجددة والمتسعة بما لا يخالف أحكام الشريعة.

"
مفهوم المواطنة في النظرية الإسلامية كما ترى المؤلفة يقوم على الجمع بين معياري الدين والإقليم، مع أن النموذج النبوي قدم نظريتين لمواطنة أهل الذمة إحداهما في إطار من الشراكة الكاملة والأخرى في إطار الحماية
"
إن الشورى وفق هذه الدراسة مبدأ واجب وملزم لجماعة المسلمين وحكامهم بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوب العمل ونتائج الشورى، وتمتد مجالات الشورى إلى جميع الأمور الدينية والدنيوية، ولا يحدها إلا سقف الشريعة المتفق عليها باعتبارها تمثل النظام العام الذي ينبغي للجميع الالتزام بحدوده والتوافق مع أحكامه.

وتفترض الشورى عددا من القواعد والشروط التنظيمية والحركية التي لا تتم إلا بها، مثل التعددية في الرأي وحق الاختلاف، وحرية التعبير مع ضمان عدم إيذاء فرد أو جماعة لرأي أو خلاف معولي الأمر أو الجماعة.

كما تفترض في المقابل شيوع احترام النظام وعدم الخروج عليه والالتزام بما انتهى إليه قرار الشورى سواء من جانب الرعية عامتهم وخاصتهم أو الحاكم.

وتمثل قاعدة الشورى مع قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة مبدأ أساسيا في الرقابة السياسية والعامة على الدولة والحكام والمؤسسات، وهي عملية سياسية واجتماعية وتنظيمية شاملة يقوم بها الأفراد والعلماء والمؤسسات والمجتمعات.

ويمكن أن تنظم العملية بقواعد أخرى من القدرة وهيبة السلطان وتجنب الفتن والفوضى والموازنات الدقيقة والحكيمة بين أنواع الضرر والمنفعة.

واقع الخلافة الإسلامية
اختارت المؤلفة مدخلا معينا لدراسة واقع الخلافة وتطبيق النمط المثالي للخلافة الشرعية على ذلك الواقع، ثم الخروج بتعميمات تخص شرعية نظام الخلافة، هو مدخل "النماذج التاريخية" باختيار حالات أو شرائح تاريخية لنظام الخلافة عبر حقب أو فترات تاريخية وسياسية مختلفة، ثم دراسة تلك النظم من خلال مقارنتها بالنمط المثالي للخلافة الشرعية.

والنموذج التاريخي ليس مجرد دراسة حالة، ولكنه يعنى بدراسة الخصوصيات، والحالة التاريخية والسياسية لتلك الحالة من خلال التعبير أو التمثيل التاريخي للحالة الدراسية، كما أنه يعنى أيضا وبدرجة أكبر بالسياق أو البيئة التاريخية والسياسية لتلك الحالة.

ويعتبر نموذج الخلفاء الراشدين، خاصة حالة خلافة أبي بكر نظاما تأسيسيا للخلافة، والنظم التأسيسية تشكل أهمية خاصة في إرساء معايير الشرعية داخل بنية النظام نفسه ومعادلاته الداخلية خلال مرحلة تشكيله، ويهيئ لتلك القواعد رسوخا أقوى وجذورا أعمق، وفي حالات أخرى يفرض أزمة هيكلية تتعلق بالقواعد المسيرة للنظام وعلى النظم اللاحقة التي ترث تلك القواعد.

وفي الأنظمة اللاحقة للتأسيس "نماذج التسيير" اختارت المؤلفة ثلاثة نماذج، هي خلافة عمر بن عبد العزيز في الدولة الأموية، وخلافة المأمون في الدولة العباسية الأولى، وخلافة المعتمد في الدولة العباسية الثانية.

كان تأسيس دولة ما بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ينطوي على عمليتين داخليتين، هي ابتكار آليات للتنظيم السياسي لحفظ النظام في المجتمع، وتنظيم قواعد تسوية الخلافات، واختيار القادة وتعزيز التماسك بين القوى الاجتماعية، وإضفاء الشرعية على تلك النظم لتكتسب قيمة واستقرارا.

"
بمجيء معاوية تحول مفهوم الحكم من الخلافة إلى الملك، وتعددت المصادر المرجعية للحكم، فلم تعد قاصرة على الشريعة وحدها، واعتمدت على الوراثة لانتقال السلطة بدلا من الشورى
"
وفي بيعة سقيفة بني ساعدة لأبي بكر، واستخلاف أبي بكر لعمر بن الخطاب، وعهد عمر قبل موته بالشورى بين الستة التي انتهت باختيار عثمان بن عفان ثم على بن أبي طالب، وبيعة أهل الكوفة للحسن بن علي بعد مقتل أبيه، ترسخت قواعد للشرعية.

ومن هذه القواعد القرشية والولاية للأفضل وتأسيس الاختيار على قاعدة الشورى ولزوم البيعة العامة في إضفاء الشرعية على الاختيار، وأن البيعة هي عقد لا يحتمل الإكراه، والبيعة عقد يحتمل الشروط المسبقة.

وقد انهار نظام الخلافة الراشدة كما هو معلوم بالفتنة الكبرى التي كانت حربا أهلية استمرت أكثر من عشر سنوات، ثم تواصلت تداعياتها وعاودت الظهور على مدى التاريخ الإسلامي.

وتعود تلك الأزمة إلى مؤسسة السلطة والنخبة الحاكمة، وإلى البيئة السياسية والاجتماعية وما أفرزته من مدركات جديدة من جانب الرعية تتعلق بشرعية الحكم والقائمين على السلطة.

وعلى مستوى السلطة والنخبة، استحدثت في زمن عثمان قواعد وسياسات جديدة جلبت عليه سخط الرعية، ومنها: تغير طبيعة النخب الحاكمة بالاستعانة بالأقارب من بني أمية وتفضيلهم على غيرهم من السابقين وأهل الكفاءة، ومخالفة القواعد الشرعية في التصرف في المال العام استخراجا وتوزيعا، والاختلال في تطبيق القواعد الشرعية للضبط، وإهمال آليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي بيئة النظام فقد تشكلت عناصر جديدة مثل نشوء أنماط جديدة ومختلفة للتنشئة والثقافة، والاختلال في توزيع الثروة، وحرمان القوى الاجتماعية الصاعدة من الدور السياسي الملائم لوزنها الاجتماعي.

وفي عهد علي تصاعدت أزمة الشرعية السياسية مع توالي أحداث وتفاعلات الفتنة، ويمكن ملاحظة أربعة أبعاد للأزمة، وهي تضارب أنماط التنشئة السياسية، وتضارب ادعاءات الحق في السلطة وعدم توافقها، وعدم قبول قراءة القيادة للتاريخ وتصوراتها للمستقبل، والتنافس المفرط أو غير المنظم على السلطة خارج المؤسسات القائمة.

وبفعل تلك التطورات انتهت حقبة الخلافة الراشدة، ودخل نظام الخلافة حقبة جديدة بدأت بعملية جديدة لإعادة بناء الخلافة وتأسيسها على أسس مغايرة.

وتحول بمجيء معاوية مفهوم الحكم من الخلافة إلى الملك، وتعددت المصادر المرجعية للحكم، فلم تعد قاصرة على الشريعة وحدها، واعتمدت الوراثة لانتقال السلطة بدلا من الشورى.

المصدر : الجزيرة