عرض/ مازن النجار
مؤلف هذا الكتاب هو لورينزو فيراتشيني، وهو أكاديمي أسترالي، وباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة كانبيرا الوطنية.

ويبدو من الاطلاع على بعض أعماله أن اهتماماته لا تقتصر على الاستيطان الصهيوني، بل تتعداه لتشمل مختلف تجارب الاستيطان الأوروبي في وطنه أستراليا، وغيرها من الأصقاع التي شهدت مشروعات استيطانية تراوحت بين الإخفاق والاستمرار.

الكتاب: إسرائيل والمجتمع الاستيطاني
-المؤلف: لورنزو فيراتشيني
-عدد الصفحات: 160
 -الناشر: بلوتو برس/ لندن
-الطبعة: الأولى/2006
تنطلق رؤية لورينزو فيراتشيني لطبيعة وبنية ومسار المشروع الاستيطاني الصهيوني من فكرة أساسية مؤداها أن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين ليس فريدا أو متميزا بذاته، مهما كانت الانطباعات والتضمينات التي تجترحها وسائل الإعلام ومصادر الأخبار في الغرب.

ويجادل فيراتشيني بأن أفضل طريقة لفهم هذا الصراع هي جعله في إطار وسياق الاستعمار والاستيطان الأوروبي خارج القارة الأوروبية.

وشأن كثير من المجتمعات الأوروبية خارج أوروبا، تظل إسرائيل مجتمعاً استيطانياً بامتياز.

ولدى النظر برؤية تفصيلية متفحصة إلى نشوء وتطور المنظومات والمشروعات الاستيطانية الأخرى، كنظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، والاستيطان الفرنسي بالجزائر، والاستيطان الأسترالي الراهن، يقدم فيراتشيني تفسيراً معمقاً لمختلف حركيات وآليات وسمات الاستيطان الاستعماري يتيح إطارا تفسيريا واضحا يمكن من خلاله فهم وتفسير صراع الشرق الأوسط.

ويتحدى فيراتشيني أسطورتين هامتين من الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني، يرتكز عليهما المشروع الاستيطاني.

أولاهما أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو حالة فريدة في العلاقات الدولية تستعصي على المقاربات والمقارنات التي تفسر مختلف أشكال وحالات الصراع.

وثانيتهما أن مرتكزات الصراع الأساسية هي القومية والدين، وبالتالي فهو صراع مختلف عن صراعات وحروب التحرر الوطني التقليدية الناجمة عن الاستعمار.

مقارنة المشروعات الاستيطانية
يتكون الكتاب من خمسة أجزاء: مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. والكتاب مزود أيضاً بهوامش وببلوغرافيا وافية وفهرست بالأعلام والموضوعات.

ويقارن المؤلف في المقدمة بين نمط الاستيطان والأوضاع الاستعمارية (الكولونيالية) في فلسطين وبين نظائرها في ثلاثة أماكن أخرى شهدت تجارب تمدد استيطاني هي أستراليا وجنوب أفريقيا والجزائر.

وذلك باعتبار عدد من الموضوعات أو المعايير هي: الفصل بين المستوطنين والسكان الأصليين، تقييد حراكهم، اعتماد التصنيف العنصري، التأريخ، السرديات والخطابات حول المقاومة وقمعها.

"
قراءة الحرب الفرنسية على الجزائر والطرق التي أثرت بها على عملية انتقال الدولة الفرنسية إلى الجمهورية الخامسة يمكن أن تلقي ضوءاً على المواجهات الراهنة في الضفة الغربية وغزة وعلى المآزق المؤسسية والمجادلات الراهنة في إسرائيل
"
يناقش الفصل الثاني "جغرافية الفصل الأحادي"، القمع الإسرائيلي للمقاومات الفلسطينية. ويقدم تقييما للإشارات المتواترة إلى نظام فصل عنصري (أبارتهيد) يمثله الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، وتقييما لممارسات الطرد والإقصاء (الإسرائيلي) من خلال المقارنة بسياسات جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري.

ويتناول هذا الفصل أنظمة الفصل العنصري الإسرائيلية، ويقارن بين مشروعات الاستيطان الاستعماري، وعملية تحويل الفضاء الفلسطيني على نسق بانتوستان بجنوب أفريقيا، أي كانتونات معزولة، ويحلل تقييد حراك الفلسطينيين بناء على الانتماء العرقي.

ويقترح الفصل الثالث "إشكاليات التحرير الوطني"، منهجاً تحليلياً مقارناً بين حالتي الاستيطان: فرنسا/الجزائر وإسرائيل/فلسطين، حيث هناك مشروع استيطاني مدعوم من قوة استعمارية كبرى ترفض الإقلاع عن السيطرة على منطقة تعتبرها هامة إستراتيجيا وأيديولوجيا، في مواجهة حركة وطنية تكافح من أجل الاستقلال.

وكذلك يقارن المؤلف بين مختلف حروب التحرير الوطني. فيحلل الاستجابات أو ردود الفعل الإسرائيلية على الانتفاضة الثانية مقارناً بين هذه الاستجابات وبين الإستراتيجيات القمعية لنظام الجمهورية الفرنسية الرابعة لدى تعاملها مع حرب التحرير الوطني الجزائرية.

وفي هذا السياق يقول إن قراءة الحرب الفرنسية على الجزائر والطرق التي أثرت بها على عملية انتقال الدولة الفرنسية إلى الجمهورية الخامسة يمكن أن تلقي ضوءاً على المواجهات الراهنة في الضفة الغربية وغزة وعلى المآزق المؤسسية والمجادلات الراهنة في إسرائيل.

كما يستعرض هذا الفصل تجارب وعوامل الانتصار في حروب التحرير الوطني، ثم يحلل مختلف سرديات حروب تفكيك الاستعمار.

ويعالج الفصل الرابع بعنوان "العنف المؤسس والمجتمعات الاستيطانية"، إعادة كتابة التاريخ في إسرائيل وأستراليا، التاريخ الإسرائيلي الجديد، التاريخ الأسترالي وتاريخ شعوب أستراليا الأصلية، وكتابة التاريخ وانسداد أفق المصالحات.

ويتناول هذا الفصل تطور عملية كتابة التاريخ في سياقين مختلفين تماما: إسرائيل وأستراليا.

وهذا يبرز عدداً من الملامح المشتركة في المعطيات السياسية المؤثرة على التاريخ وفي الخطاب العام. وهنا يظهر موضوعان مركزيان لدى كل محاولة تأريخ وتطورها: الاعتراف النهائي الكامل بسلب واقتلاع السكان الأصليين، والشرعية المجروحة لمؤسسات الدولة (الاستيطانية) حتى يتم الوصول لتسوية مع المسلوبين المقتلعين.

وتتسم هاتان المسألتان بصعوبة واضحة من حيث القدرة على مواجهة تاريخ حافل بالعنف البالغ والإنكار، وإخفاق تام في عمليات المصالحة.

نماذج استيطان متكررة
يبين فيراتشيني كيف أن المجتمع الإسرائيلي قد تم تنظيمه بشكل متواز مع الخطوط العامة لنظام الفصل العنصري، وأن نظام الفصل العنصري لم يكن فريدا من نوعه أو مقتصرا على جنوب أفريقيا، بل هو مظهر مشترك لكافة التجارب الاستعمارية.

ودرس فيراتشيني حروب الشعوب ضد الاستعمار، والصراعات التي تم فيها اجتثاث أو تدمير شعوب أصلية بأسرها، كما كان الأمر في أستراليا والأميركتين.

"
لدى مقارنة التجارب الاستعمارية بالتاريخ المعاصر لإسرائيل وفلسطين، يقدم فيراتشيني آفاقا ناقدة للخبرة الاستعمارية وما ترتب عليها من صراعات ونتائج على الأرض ورؤى جديدة هامة لأنماط الإمبريالية اليوم
"
ولدى مقارنة هذه التجارب بجوانبها وخبراتها المختلفة بالتاريخ المعاصر لإسرائيل وفلسطين، يقدم فيراتشيني آفاقا ناقدة للخبرة الاستعمارية وما ترتب عليها من صراعات ونتائج على الأرض، ورؤى جديدة هامة لأنماط الإمبريالية اليوم.

وفي تشخيصه لطبيعة أيديولوجية الاستيطان يورد فيراتشيني قول الكاتب الإسرائيلي ألبرت ميمي إن المستعمر غالباً ما يخفق في تقدير أو الاعتراف بإنسانية الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية؛ وبالتالي يعتبر المستعمرون هذه الشعوب حالة شاذة، ولا يمكن التنبؤ بسلوكها.

يعتبر فيراتشيني أن معظم الأفكار أو التصورات التي يقترحها الاستيطان الصهيوني فيما يتعلق بمستقبل الفلسطينيين -من حكم ذاتي أو شبه دولة منزوعة السيادة ومفتقرة إلى التماسك الجغرافي والقدرة على الحياة أو جدار الفصل العنصري- ترمي إلى عزل التجمعات السكانية الفلسطينية في إطار ما كان يعرف في جنوب أفريقيا بـ"البانتوستان"، وهي جزر منعزلة من السكان الأفارقة، تكرس فكرة الفصل العنصري.

عداء وإنكار التاريخ
وفي سياق نزوع الأيديولوجية الاستيطانية نحو إنكار التاريخ الدموي الحقيقي للاستيطان وعدم الاعتراف بكوارث –تصل حد الإبادة- أوقعها بالشعوب الأصلية، والإصرار على الاحتفاظ بالرواية الاستيطانية التقليدية، يقارن فيراتشيني بين إسرائيل وأستراليا.

فكلا الدولتين قد شهدتا رفضاً عاماً ملحوظاً إزاء القبول ببعض النتائج التي تقدمها دراسات المؤرخين الجدد (التصحيحيين) في إسرائيل وأستراليا، خصوصا إذا تعلقت بتقييم العنف التأسيسي أو المؤسس للمشروع الاستيطاني.

ويلاحظ أنه نادراً ما يتغير أي جزء من الرواية الرسمية لتاريخ الكيان الاستيطاني بدون معركة.

ويعتبر فيراتشيني أن مستوى العنف الذي مارسه الإسرائيليون ضد الفلسطينيين مؤشر على اتساع مدى خطة الاستيطان الصهيوني باتجاه طرد العرب من بلادهم، بل يعتبر مجزرة دير ياسين -وغيرها من المجازر- دليلا على وجود مخطط كبير للمشروع الاستيطاني باتجاه اقتلاع العرب من فلسطين.

ويرى المؤلف في مصير مشروع الاستيطان الفرنسي الذي تفكك وانهار في النهاية، واضطرار المستوطنين الفرنسيين إلى الخروج من الجزائر والعودة إلى فرنسا، يرى فيه نذيرا ومصيرا محتملا لمستقبل مشروع الاستيطان الصهيوني.

يذكر أن الكتاب لم يؤسس بحثه ونتائجه على استقراء الثقافات والمصادر المتضادة؛ فهو عمل اعتمد بشكل رئيس على المصادر الإسرائيلية، ولم يرجع إلى المصادر الفلسطينية إلا نادراً.

"
تكمن أهمية الكتاب في أنه نتاج جهد بحثي لأكاديمي غربي ملتزم بالمعايير العلمية الغربية، وهو إضافة جيدة للقليل الذي يصدر بالإنجليزية متحدياً الأكاديمية الزائفة حول قضية فلسطين ومسقطاً بعض الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني
"
ويشفع له في ذلك أن المادة الذاتية للمصادر الإسرائيلية هي إسرائيل كمجتمع استيطاني، والصهيونية كمشروع استيطاني.

وبينما يدرك هذا العمل أن تحليلات الموقف الفلسطيني لا بد أن تكون واعية بالبعد الاستعماري، غير أنه يركز أساسا على إسرائيل، خاصة من حيث سبل تشكيل الاستعمار لأوضاعها الراهنة.

وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه نتاج جهد بحثي لأكاديمي غربي ملتزم بالمعايير العلمية الغربية، وهو إضافة جيدة للقليل الذي يصدر باللغة الإنكليزية متحدياً الأكاديمية الزائفة حول قضية فلسطين – بتعبير المفكر الراحل إدوارد سعيد- ومسقطاً بعض الأساطير المؤسسة للكيان الصهيوني ومشروعه الاستيطاني، التي تسبغ عليه -ما ليس فيه- من قداسة وفرادة وعراقة تاريخية وعبقرية متجاوزة للبشر.

وهو في الحقيقة مغامرة أكاديمية لا يجرؤ عليها إلا القليل، كما أنها مهمة علمية تقتضي شجاعة وكفاءة لا يملكها الكثيرون.

رؤية مركبة متعددة الأبعاد
بيد أن للكتاب أهمية أخرى. فقد جاء المؤلف بجديد في منهج وطريقة رصد وتحليل الظواهر والشواهد الدالة، لكن سبقه إلى هذه النتائج في دراسة الظاهرة اليهودية والصهيونية الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي طور أطروحة تفسر الظاهرة، فقدم رؤية معرفية ونماذج تفسيرية، ومراجعة نقدية للمقولات والنماذج التحليلية والمصطلحات السائدة، والانتقال من التفكيك إلى التأسيس.

وتخلص هذه الرؤية إلى أن الفكرة الصهيونية ليست جزءا من العقيدة اليهودية، بل هي التجلي الإمبريالي للعلمانية الشاملة.

فالصهيونية تنزع القداسة عن كل شيء، وتلغي أي تاريخ لفلسطين وشعبها خارج سياق التاريخ اليهودي، كما تختزل خصوصيات وثقافات الجماعات اليهودية في العالم من أجل اختراع القومية اليهودية.

والحقيقة أنه ليس هناك أمة أو قومية يهودية، بل هناك جماعات يهودية متعددة تنتمي بشكل أصيل وحقيقي إلى مجتمعاتها التي عاشت فيها مئات أو آلاف السنين.

وافتراض الانفصال أو التمايز بينها وبين مجتمعاتها، انتظارا للهجرة أو العودة إلى أرض الميعاد أسطورة كبرى يدحضها مخزون تاريخي وثقافي يؤكد انتماء هذه الجماعات لمجتمعاتها وأوطانها وثقافاتها. بل كان التمايز قائماً فعلاً بين المستوطنين اليهود القادمين من بلاد مختلفة.

بيد أن الصهيونية ليست مجرد تجسيد للإمبريالية الغربية، وإنما هي حركة استيطانية إحلالية تمت في كنف الإمبريالية الغربية. وبدون ذلك لم يكن ممكنا وضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

فقد قامت الإمبريالية بنقل كتلة بشرية من أوروبا إلى فلسطين لتحل محل سكانها الأصليين، كما فعلت في مناطق الاستيطان الأخرى.

"
الصهيونية ليست مجرد تجسيد للإمبريالية الغربية، وإنما هي حركة استيطانية إحلالية تمت في كنف الإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ
"
وهكذا لا تاريخ للظاهرة الصهيونية مستقلاً عن الاستعمار الغربي. وبالإمكان فهم الفكرة الصهيونية بشكل أفضل لدى رؤيتها جزءاً من التجربة الغربية.

ويبقى الكيان الصهيوني مشروعاً توسعياً، وعنصرياً بطبيعته لأنه يعطي كل الحقوق لأعضاء كتلة بشرية استيطانية، وينكر جميع حقوق السكان الأصليين.

وكشأن تجارب الاستيطان الإحلالي الأخرى، يصبح الاستيطان الصهيوني مشروعا للإبادة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).

بل إن الإطار المعرفي للصهيونية هو ذاته الإطار المعرفي الإمبريالي الغربي من الداروينية وعبء الرجل الأبيض، إلى تحويل العالم والبشر إلى مادة استعمالية.

لذلك فمهما اختلفت ديباجات الصهيونية عن غيرها من مشروعات الاستيطان الأخرى، لتصبغ الاستيطان الصهيوني بصبغة دينية، فإن ذلك لن يغير طبيعة المشاريع "الاستعمارية" أساسا.

فمعظم المستوطنين الذين اختاروا الهجرة إلى إسرائيل قد جاؤوا بدوافع اقتصادية استهلاكية في المقام الأول، وهذا ما أدى لهجرة نحو ربع مليون روسي وأوكراني من غير اليهود إلى إسرائيل في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بل تطغى على معظم اليهود منهم العلمانية وعدم التقيد بالشرائع التوراتية.

ولو كان لهؤلاء المهاجرين الخيار لاختاروا الهجرة لأميركا الشمالية أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يحاولونه لاحقا بعد الهجرة إلى إسرائيل.

المصدر : الجزيرة