عرض/الحسن السرات
بدأت في الآونة الأخيرة تظهر بعض الكتب التي تتناول التدين والحركات الدينية الإسلامية بالمغرب، يكتبها مغاربة تخرجوا من الجامعات الأوروبية والأميركية المتخصصة في علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماع السياسي.

- الكتاب: الحركة الياسينية
- المؤلف: محسن الأحمدي
- عدد الصفحات: 230
- الناشر: منشورات الملتقى، الدار البيضاء
- الطبعة: الأولى/2006

 
وتغلب على هذه المؤلفات رؤى ونظريات المراكز الغربية ويطبق مؤلفوها مناهج تلك المراكز على مجتمعات غير غربية دون أخذ خصوصيات المجتمعات المدروسة بعين الاعتبار، مما يؤثر حتما على النتائج النهائية لهذه البحوث، أو يجعل الناقد يتساءل عن المقاصد الحقيقية لتلك الدراسات.

هل أنجزت لتشريح عودة التدين وانتشار التوجهات الإسلامية لأغراض البحث العلمي، أم لأغراض الجغرافيا السياسية ومراكز النفوذ واستباق التطورات والتحكم في التوجهات؟

بعد عام من صدور كتاب "الإسلاميون المغاربة" للباحثة مليكة الزعل خريجة المعاهد الفرنسية المتعاونة مع الجامعات الأميركية، أصدر الباحث محسن الأحمدي كتابا جديدا عن فصيل من فصائل هؤلاء الإسلاميين المغاربة، ويتعلق الأمر بجماعة العدل والإحسان.

ومحسن الأحمدي حاصل على دكتوراه في علم الاجتماع الديني من مدرسة الدراسات العليا والعلوم الاجتماعية بفرنسا، ويعمل حاليا أستاذا للقانون العام بجامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاجتماعية بمراكش.

شيخ الجماعة وجماعة الشيخ
يصر المؤلف منذ البداية على أن جماعة العدل والإحسان لا تعني شيئا من دون زعيمها عبد السلام ياسين، إذ هو كل شيء فيها، هو الجماعة والجماعة هي الشيخ. وهذا الأمر يتفق فيه المؤلف مع كاتب المقدمة محمد الطوزي المتخصص في الجماعات الإسلامية المغربية والمتخرج هو الآخر من الجامعات الفرنسية.

وما اختيار العنوان إلا برهان على هذا التصنيف، فهذه ليست جماعة العدل والإحسان عند المقدم والمؤلف، ولكنها "الحركة الياسينية" أو "الجماعة الياسينية" لمحورية شيخها عبد السلام ياسين ودوران أعضاء الجماعة ومؤسساتها حوله وحول أفكاره وسلوكه.

لذلك يقول الطوزي في المقدمة "العدل والإحسان صورة فريدة للشيخ عبد السلام ياسين الذي تجاوز السبعين من عمره"، و"يمكن اعتباره بمثابة المنظِّر (بكسر الظاء) الوحيد لجماعته الإسلامية، ومن أهم منظري الإسلامية المغربية، إذ تتجاوز مؤلفاته العشرين عنوانا على رأسها كتابه الشهير (المنهاج النبوي) المكتوب بين سنتي 1973 و1989".

مشكل العدل والإحسان، حسب محمد الطوزي، "يكمن في ازدواجية هويتها السياسية والصوفية"، والوجهان متعايشان حاليا ما دام الشيخ حيا يرزق، رغم وجود توترات بين الوجهين، في رأي الطوزي، و"هي توترات لا يسعى الشيخ إلى إطفائها ظنا منه أن مجرد توزيع الوظائف كفيل بالقضاء عليها".

وانطلاقا من هذه الفكرة الرئيسية يقوم المؤلف محسن الأحمدي بجولة في أفكار الشيخ عبد السلام ياسين ومؤلفاته، غير متوقف عند العرض والتحليل، لكنه لا يكف عن الانتقاد والتبشير بمرحلة "حداثية علمانية ما بعد إسلامية" ينصب الكاتب نفسه معبرا عنها. لكنه قبل المضي في النقد والتحليل يعرف بالجماعة وشيخها.

"
الأيديولوجية الياسينية ليست انعكاسا للحقائق السياسية من جانب صراع إرادات الهيمنة أو من جانب العراقيل التي يضعها النظام المغربي في وجه الديمقراطية، بل هي استجابة عقلانية للفئات المثقفة الوسطى لوضع وجودي مقلق صنعته التحولات البنيوية للمجتمع المغربي والعالم الراهن
"
من التصوف إلى التسيس
يستعرض الكاتب مراحل حياة عبد السلام ياسين مرتبطة بتطور الجماعة وتاريخها، فيعود إلى الوراء قليلا ليحدثنا عن تدرج الشيخ في الزاوية الصوفية البودشيشية المغربية، وانتسابه للأشراف المغاربة، مع ما للنسب الشريف في المغرب من مكانة عميقة عبر التاريخ، إذ إن كثيرا من الدول والحركات اتكأت عليه للفصل بين مرحلتي فساد وإصلاح.

ولد عبد السلام ياسين سنة 1928م، وهو ينتسب إلى أسرة تدعى "آيت بيهي"، وهم أشراف أدارسة أصلهم من بلدة "أولوز" بمنطقة سوس في جنوب المغرب.

تلقى تعليمه في مدرسة أسسها بمراكش علامة منطقة سوس والمغرب محمد المختار السوسي رحمه الله، ثم تخرج في معهد ابن يوسف الذي كان يدرس فيه كبار علماء المغرب بعد أربع سنوات من الدراسة.

التحق ياسين سنة 1947 بمدرسة تكوين المعلمين بالرباط، وتخرج منها، ثم اشتغل بسلك التعليم لمدة 20 سنة تدرج خلالها بين مجموعة من المناصب التربوية والإدارية العالية، ومثل خلالها المغرب في عدد من الملتقيات التربوية الدولية، إلى أن أوقف دون أي تبرير سنة 1968، وأحيل إلى التقاعد سنة 1987.

التحق بالزاوية البودشيشية التي كان يرأسها الشيخ العباس بعد وفاة هذا الشيخ، ونشب نزاع بين حمزة ابن الشيخ وعبد السلام ياسين الذي كان يتطلع إلى وراثة المشيخة، ففارق الزاوية ومضى نحو البحث عن بديل جديد.

وفجأة بعث سنة 1974 بنصيحة إلى ملك المغرب السابق الحسن الثاني، وهي عبارة عن رسالة في أكثر من مائة صفحة سماها "الإسلام أو الطوفان"، ليبدأ بعدها منعطفا جديدا في حياته وحياة الحركة الإسلامية المغربية، فقضى على إثرها ثلاث سنوات وستة أشهر سجنا دون محاكمة، ثم منع من إلقاء الدروس بالمسجد سنة 1978.

ومنذ هذا العام، وبعد اطلاعه على التجربة الإخوانية المشرقية، وتجربة الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، بدأ عبد السلام ياسين يتطلع إلى توحيد العمل الإسلامي المغربي تحت إمرته، مبتدئا بتأسيس جماعة سماها أول الأمر "أسرة الجماعة"، ثم "الجماعة الخيرية" ثم "جماعة العدل والإحسان".

ثم اختارت السلطات الأمنية المغربية فرض الحصار على الشيخ ابتداء من 30 ديسمبر/كانون الأول 1989 إلى غاية سنة 2000، عند وفاة الملك الحسن الثاني ومجيء الملك محمد السادس.

غير أن الشيخ سرعان ما كتب رسالة مفتوحة إلى الملك الجديد بعنوان "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، من دون أن يحاكم أو يعاد فرض الحصار عليه.

ثورة القديسين
يقوم المؤلف بجولة مفصلة يستعرض فيها أفكار شيخ العدل والإحسان في عدة قضايا كالدولة الإسلامية والثورة الإسلامية والمجتمع المغربي والحداثة من خلال كتبه المنشورة.

ويصف الباحث منهج عمل الحركة الياسينية بأنه "ثورة قديسين تفرض على الأعضاء سلوكا واحدا يسعى نحو الهيمنة على الحداثة عبر امتلاك أدواتها".

ويرى أن "الإيديولوجية الياسينية ليست انعكاسا للحقائق السياسية، خاصة من جانب صراع إرادات الهيمنة، أو من جانب العراقيل التي يضعها النظام المغربي في وجه الديمقراطية، ولا هي وعي مقلوب أو شقي، بل هي استجابة عقلانية للفئات المثقفة الوسطى لوضع وجودي مقلق صنعته التحولات البنيوية للمجتمع المغربي والعالم الراهن".

وينتهي الكاتب إلى أن ياسين يعتبر نموذجا لعدد من الإصلاحيين الإسلاميين الذين يزعمون أنهم مكلفون بمهمة سامية هي نصرة الخير على الشر، معتمدين على تربية أعضاء الجماعة ومواجهة الواقع القطري والعالمي، لكن ذلك لم يحدث حسب الكاتب دون ظهور شرخ بين في الأسرة الواحدة، ومواجهة بين النظام العلوي المغربي والجماعة.

"
الاستغلال السياسي للدين الإسلامي من قبل الملكية من جهة والحركات الاجتماعية ذات المرجعية الدينية من جهة ثانية، برهن على حدود تسييس المشاعر الدينية وخطورة حشرها في الصراع الاجتماعي والسياسي
"
علمانية ما بعد الإسلامية
يخصص المؤلف في ختام كتابه فصلا للحديث عن مرحلة توشك أن تبدأ في المغرب والعالم العربي، أطلق عليها صفة "علمانية ما بعد الإسلامية".

وينصب محسن الأحمدي نفسه ناطقا باسم حاملي هذه الفكرة زاعما أنهم يمثلون تيارا جديدا ذا وزن في الساحة، وأن المستقبل لهم.

يزعم الكاتب أن تاريخ الإسلام في مرحلة ما بعد النبوة شهد نوعا من الفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي، وأن ذلك يعني أن العلمانية ليست شيئا مستوردا ولكنها من صميم الإسلام.

وقد آن الأوان اليوم لإعادة الأمور إلى نصابها، إذ إن الاستغلال السياسي للدين الإسلامي من قبل الملكية من جهة، والحركات الاجتماعية ذات المرجعية الدينية من جهة ثانية، برهن على حدود تسييس المشاعر الدينية وخطورة حشرها في الصراع الاجتماعي والسياسي.

ويجتهد المؤلف في تبيان الفرق بين الإسلاميين والعلمانيين المسلمين على حد تعبيره، فيرى أنه في الوقت الذي يجتهد فيه الإسلاميون في الحديث عن حقوق الله وتحذير الأمة من خطر الآخر والذوبان في ثقافته، فإن العلمانيين المسلمين يتحدثون بإيجابية عن حقوق الإنسان وضرورة إخضاع النصوص القرآنية المقدسة لاختبار نقدي صارم.

ويستعرض الكاتب خصائص ما سماه "ما بعد الإسلامية"، فيذكر أنها سبعة، وهي:

1- المرونة الفكرية، في مقابل الجمود الفكري عند الإسلاميين
2- قبول الاختلاف الديني والسياسي
3- رفض منطق الغلبة والعمل بمبدأ الديمقراطية
4- نسبية الرؤية الإسلامية للعالم، إذ الإسلام ليس سوى دين بين أديان أخرى
5- التفريق بين المجالين الروحي والزمني
6- الاعتراف بأن الإسلام عقيدة ودينا قابل للانتقاد
7- إبعاد الوحي عن شؤون تنظيم الدولة والمجتمع

وما يلبث الكتاب في النهاية أن يتحول إلى بيان باسم "علمانيي ما بعد الإسلامية"، فيصفهم بأنهم ورثة ابن خلدون وابن رشد العالمين اللذين رفعا منزلة العقل فوق منزلة الشريعة وأسسا لمذهبية إنسانية كونية.

ثم يبشر المؤلف بقرب نهاية الإسلاميين ومجيء العلمانيين فيقول إنه "بعد النجاح النسبي في العالم الإسلامي، ستكون الإسلامية مضطرة لترك الساحة أمام قوى اجتماعية أخرى منفتحة أكثر فأكثر، وخلاقة في المجال الثقافي، ومتوجهة نحو مستقبل إنساني مشترك، وهذه القوى هي التي نسميها الإنسانية الإسلامية العلمانية".

"
الكتاب انزلق من مدارسة لفكر الشيخ عبد السلام ياسين إلى محاكمة لفكر الإسلاميين وعملهم السياسي والثقافي والاجتماعي بالمغرب، وكأنه يتخذ من جماعة العدل والإحسان مشجبا يعلق عليه جميع الإسلاميين على اختلاف اجتهاداتهم، مما يخالف المنهج العلمي الاجتماعي الذي زعمه الكاتب لنفسه
"
أسئلة معلقة
فرق كبير بين عنوان الكتاب والخلاصة التي انتهى إليها، فالعنوان والتقديم يعدان بدراسة لجماعة العدل والإحسان بناء على مناهج علم الاجتماع الديني، لكنهما يغوصان في تقديم وتحليل أفكار الشيخ عبد السلام ياسين من خلال كتبه ومؤلفاته، وليس من خلال الكسب الاجتماعي والسياسي والتربوي والثقافي للجماعة وأعضائها ومؤسساتها في الساحة المغربية.

ولذلك صار الكتاب أشبه ما يكون بكتاب نظري للجدال الفكري والسياسي، ينطق باسم مجموعة من المنظرين والمفكرين العلمانيين الذين تجمعوا في مراكز غربية يرأسها تلاميذ الاستشراق الجديد مثل محمد أركون وعبده فيلالي الأنصاري، مدعين أنهم تيار سياسي بديل للإسلاميين.

والكتاب أيضا انزلق من مدارسة لفكر الشيخ عبد السلام ياسين إلى محاكمة لفكر الإسلاميين وعملهم السياسي والثقافي والاجتماعي بالمغرب، فكأنه يتخذ من جماعة العدل والإحسان مشجبا يعلق عليه جميع الإسلاميين على اختلاف اجتهاداتهم، مما يخالف المنهج العلمي الاجتماعي الذي زعمه الكاتب لنفسه.

إن كثيرا من مزاعم الكتاب عن جماعة العدل والإحسان وعن الإسلاميين وعن التاريخ الإسلامي لا يمكن التسليم بها، لأن ما يعتبره هوية مزدوجة لجماعة الشيخ عبد السلام ياسين، أي الجمع بين التصوف والتسيس، ليس ازدواجية، بل هو خاصية من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون، وقد شهد تاريخه نماذج متعددة من هذه "الازدواجية" تأسست عليها دول وحكومات وطرق صوفية.

وأسئلة أخرى تبدو واردة، إذ ما صحة القول بأن فترة ما بعد النبوة في التاريخ الإسلامي شهدت فصلا بين الدين والسياسة؟ ولماذا فترة ما بعد النبوة؟ وهل يصح القول أيضا بأن ابن رشد وابن خلدون جعلا الشريعة تحت نظر العقل؟

من المسلم به أن للإسلاميين أخطاءهم وأمراضهم، ولكن لهم أيضا اجتهادهم وكسبهم وتنوعهم، وليس من المنهجية العلمية في شيء إنكار ذلك كله ومحاكمة الجميع من خلال نموذج واحد، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، فلكل جماعة ما كسبت وعليها ما أخطأت.

المصدر : الجزيرة