عرض/ معين مناع
شكل هذا الكتاب خلاصة جهد نحو 80 خبيرا ومتخصصا ومهتما بالشأن الفلسطيني، شاركوا في المؤتمر الذي عقده المركز خصيصا لمناقشة تجربة منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها بمناسبة الذكرى الـ42 لتأسيسها، في ظل التطورات الدولية والإقليمية والفلسطينية، وبعد مسيرة طويلة من الإنجازات والإخفاقات. وفي ظل تأكيد مختلف القوى الفلسطينية على ضرورة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

-الكتاب: منظمة التحرير الفلسطينية.. تقييم التجربة وإعادة البناء
-المحرر: د. محسن محمد صالح
-عدد الصفحات: 233
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
-توزيع: الدار العربية للعلوم/ ناشرون، بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2007

ويتضمن الكتاب 16 ورقة عمل، شملت تقييما لتجربة م.ت.ف، ورؤى الفصائل الفلسطينية الخمسة الرئيسة (فتح وحماس والشعبية والجهاد والديمقراطية) لتطوير المنظمة وإعادة بنائها.

وهذا ما أكسب الكتاب قيمة استثنائية، زاوجت بين آراء الخبراء وأصحاب التيارات السياسية، وبالتالي فقد غطت المناقشات كل جوانب الموضوع.

يركز الكتاب على محورين، الأول قدم فيه نخبة من الأساتذة المختصين تقييم التجربة، والثاني قدمت فيه الفصائل الفلسطينية رؤيتها.

المحور الأول تقييم التجربة
ففي الورقة الأولى: تكلم الأستاذ شفيق الحوت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية سابقا عن رؤيته للمنظمة، مؤكدا على أهم إنجازاتها.

ثم أشار إلى سلبيات "اتفاقات أوسلو" التي سعت لتعطيل م.ت.ف، وقدم شواهد على تخوفاته التي كان من أهمها، الإبهام في القسم الدستوري الذي أداه رئيس السلطة باستخدام مصطلح "الوطن" من غير تعريف ما هو هذا الوطن أو حدوده.

وفي الورقة الثانية تحدث الكاتب والمذيع الفلسطيني الأستاذ نافذ أبو حسنة عن تطور الوعي الفلسطيني بمنظمة التحرير، ابتداء من مرحلة التشكل والتكوين، مرورا بما بين النكبة والنكسة، وصولا إلى الكيان المعنوي والبيت الشرعي.

واعتبر الكاتب أن الاعتراف العربي بالمنظمة جاء على أساس تصور تسوية اختلفت عليه الفصائل وانقسمت، ثم ألقى الضوء على انعكاسات حرب 1973، التي أبرزت منطقين فلسطينيين، أحدهما دعا إلى الحل المرحلي، والثاني إلى التفاوض باعتبار أن التوازن الدولي لا يسمح بحسم الصراع. وختم بالدعوة إلى تأسيس ثالث للمنظمة.

"
انعكاسات حرب 1973 أبرزت منطقين فلسطينيتين، أحدهما دعا إلى الحل المرحلي، والثاني إلى التفاوض, باعتبار أن التوازن الدولي لا يسمح بحسم الصراع
"
نافذ أبو حسنة
ومن خلال الورقة الثالثة: قدم الأستاذ تيسير الخطيب، الكاتب والمفكر الفلسطيني قراءة نقدية في الميثاق الوطني، فتعرض للتعديلات التي أدخلت على الميثاق، معتبرا أنها جاءت استجابة للمبادرات السياسية التي رأى البعض أنها نتيجة تغيير موازين القوى مع "إسرائيل"، وبين المعسكرين الدوليين.

وعزا "تعقيدات القضية وغموضها" إلى هذه التعديلات، ودعا إلى ضرورة موافقة الميثاق للثوابت التاريخية، ورأى أن أي انتخابات لا تكون شرعية إلا إذا راعت التمثيل الفلسطيني كاملا.

وأما الورقة الرابعة فقد تناول فيها الدكتور محسن صالح الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية إعادة تشكيل المجلس الوطني.

فقدم نبذة عن مكانة المجلس الدستورية وصفته التمثيلية، ثم عرض قراءة نقدية لأدائه أظهر فيها كيف تم تهميش دوره وإضعافه وكيف استخدم لأغراض تمرير مشاريع التسوية، وكيف فقد دوره الرقابي والتشريعي.

كما تعرض لإشكالية العضوية، فبيّن أن عدد الأعضاء قد تراوح بين 100 و850 وأن العضوية افتقدت لمعايير التمثيل الحقيقية.

ثم قدم تصورا تفصيليا، مستندا إلى أرقام وحقائق حول أشكال وأحجام تمثيل كافة قطاعات الشعب الفلسطيني ضمن المجلس الوطني في مختلف أماكن وجوده في حالة إنشاء مجلس وطني جديد.

وعبر الورقة الخامسة عرض الأستاذ الدكتور أحمد سعيد نوفل أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك الأردنية، تصورا للعلاقة الصحيحة بين م.ت.ف والسلطة الوطنية.

فبين أن المنظمة بدأت تعاني من "التهميش والعزلة" لمجرد بروز "السلطة" إلى حيز الوجود، وأشار إلى "التباين بين الحكومة والرئاسة".

وبين أن إسرائيل لم تعترف بالمنظمة إلا عندما لم تعد منظمة "لتحرير" فلسطين، وقال من هنا جاءت "أوسلو". وختم بمقترحات تساعد في إعادة بناء المنظمة.

"
منظمة التحرير الفلسطينية بدأت تعاني من "التهميش والعزلة" لمجرد بروز "السلطة" إلى حيز الوجود، وإسرائيل لم تعترف بالمنظمة إلا عندما لم تعد منظمة "لتحرير" فلسطين
"
أحمد سعيد نوفل
ومن خلال الورقة السادسة قيم الأستاذ منير شفيق الكاتب والمفكر الفلسطيني تجربة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

فرأى أن العلاقات الفلسطينية كانت محكومة بالاعتبارات الفكرية والسياسية، وأحيانا بصراعات المحاور العربية.

وأكد أنه لم يتوفر الالتزام بميثاق أو برنامج، وناقش حالة الوحدة الشكلية والانقسام حول المضمون. وقدم تصوره لبرنامج سياسي يمكن الاتفاق عليه، معتبراًَ أن القوى الفلسطينية هي أمام هذا الاستحقاق.

وفي الورقة السابعة عرض الأستاذ صقر أبو فخر، الكاتب والباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، إدارة المؤسسات لدى م.ت.ف (مركزي الأبحاث والتخطيط مثالا)، فاستعرض تاريخ التجربة الفلسطينية في مجال العمل المؤسسي عموما، وقدم دراسة نقدية لتجربة مركز الأبحاث الفلسطيني ومركز التخطيط على وجه التحديد.

وقدم الورقة الثامنة الدكتور سلمان أبو ستة، خبير شؤون الأرض واللاجئين الفلسطينيين، فرصد مسيرة اللاجئين في السعي للعودة.

وأشار إلى حسابات "الأنظمة" في التعامل مع اللاجئين. وتكلم عن مشاريع التوطين. ونبه إلى مدلولات وانعكاسات فصل هدف إقامة الدولة عن قضية عودة اللاجئين.

ثم تأسف لحال "دائرة العائدين" التي تحولت إلى "دائرة اللاجئين"، وبين أن عددا من القائمين عليها "يقيم صلات وثيقة بالجانب الإسرائيلي".

ثم قدم شرحا مفصلا ومدعما بالخرائط والجداول، يظهر أعداد اللاجئين وأماكن وجودهم، وخلص إلى إمكانية تمثيلهم من خلال انتخابات نزيهة، وختم باقتراح مجموعة "أفكار هامة" لضمان تفعيل قضية اللاجئين.

وفي الورقة التاسعة تناول الأستاذ حلمي موسى خبير الشؤون الإسرائيلية إدارة م.ت.ف للمفاوضات مع إسرائيل، فتناول تبريرات "القوى المتنفذة" في إعلان فشل "منهج المقاومة" وسقوط فكرة المصير العربي المشترك.

وأكد أن فكرة التسوية كانت تشغل عقول عدد من قادة فتح منذ العام 1968. واعتبر أن قيادة م.ت.ف استثمرت الانتفاضة في حماية المنظمة كممثل شرعي ووحيد بوصفها عنوان القضية.

ولفت إلى أن المفاوضات مع "إسرائيل" تمت إدارتها على أساس القرارين 242 و338 اللذين لا يتطرقان للحقوق الفلسطينية، وختم بالإشارة إلى أن المفاوضات هي عبارة عن "جري" الطرف الفلسطيني للحصول على "الموافقة الأميركية".

وقدم الورقة العاشرة الدكتور محمد السيد سعيد الخبير الإستراتيجي المصري عن إدارة م.ت.ف العلاقات الفلسطينية–العربية، فانطلق من التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الجماعية.

"
تبدل عنوان الصراع بعد حرب 1967 من "إزالة إسرائيل" إلى "إزالة آثار العدوان"، وبعد أن كانت المنظمة في أوائل 1985 تمثل "حكومة المنفى الفلسطينية"، جعلت حسابات "أوسلو" الجدل حول من يمثل الفلسطينيين
"
عبد الله الأشعل
ثم تناول العلاقة العضوية بين "الفلسطينية والعربية"، واستعرض صنوف "الحصار والبطش" الذي واجهه النضال الوطني الفلسطيني في أكثر البلاد العربية.

وعد الجانب الفلسطيني شريكا في المسؤولية، بسبب انجراره إلى الخلافات والنزاعات العربية والحروب الأهلية. ومع ذلك أكد حاجة القضية الفلسطينية للساحات العربية المختلفة بمستوييها الرسمي والشعبي، وهو ما يفرض إعادة تصحيح هذه العلاقة حسب مبدأ "من كل حسب قدرته". وختم بتقديم جملة مقترحات تسهم في تحقيق هذه الغاية.

وتكلم في الورقة الـ11 السفير الدكتور عبد الله الأشعل، خبير العلاقات الدولية، عن الدبلوماسية الدولية الجديدة لمنظمة التحرير.

فأكد على مكانتها بوصفها "التجسيد السياسي لحق تقرير المصير الفلسطيني". وأشار إلى تبدل عنوان الصراع بعد حرب 1967، من "إزالة إسرائيل" إلى "إزالة آثار العدوان" وتأثيرات حرب 1982، في إخراج المنظمة من "منطقة الصراع".

وقال: إنه بعد أن كانت المنظمة في أوائل 1985 تمثل "حكومة المنفى الفلسطينية" جعلت حسابات "أوسلو" الجدل حول من يمثل الفلسطينيين.

وناقش وثيقة الاعتراف بين المنظمة وإسرائيل، وناقش إمكانية أن تعترف حماس بإسرائيل بعد أن قبلت بإقامة دولة فلسطينية ضمن حدود 4 يونيو/ حزيران 1967.

ثم استعرض جدلية العلاقة بين المنظمة والسلطة. وختم بالتخوف من نشوب صراع دامٍ بين فتح وحماس، يجعل القيادة الفلسطينية عبئا على شعبها.

المحور الثاني: رؤية الفصائل في إعادة البناء
وفي هذا المحور من الكتاب عرض مسؤولو وممثلو الفصائل رؤى تنظيماتهم لتطوير المنظمة وإعادة بنائها.

"
حماس ترى المنظمة وطنا معنويا، ولا بد من تفعيل إعلان القاهرة "على قاعدة الأهداف الكلية لشعبنا"، التي عد منها عودة اللاجئين وإقامة الدولة على كامل التراب الوطني
"
أسامة حمدان
فقدم الورقة الـ12 الأستاذ فتحي أبو العردات أحد قيادات حركة فتح في الساحة اللبنانية رؤية فتح.

وقد أكد فيها أن الشرعية الحقيقية التي اكتسبتها م.ت.ف. هي التفاف جماهير شعبها من حولها، وانضمام قواه الحية تحت لوائها.

ودعا إلى الإسراع في إنجاز ما اتفق عليه في القاهرة في مارس/ آذار 2005، ورأى أن يضم المجلس الوطني 500 عضو بالتساوي بين الداخل والخارج.

وفي الورقة الـ13: شرح الأستاذ أسامة حمدان ممثل حركة حماس في لبنان رؤية حماس، فبين أن حركته ترى المنظمة باعتبارها وطنا معنويا، وذكر ثلاثة جوانب أثرت على وجود المنظمة وفعالية تمثيلها، وهي: انتقال مركز القرار للسلطة الفلسطينية، ومحاولة "تذويب المنظمة"، وإبقاء "حماس والجهاد خارجها".

ودعا إلى تفعيل إعلان القاهرة "على قاعدة الأهداف الكلية لشعبنا"، التي عد منها عودة اللاجئين، وإقامة الدولة على كامل التراب الوطني، وإعادة صياغة الميثاق.

وقدم تصورا شاملا حول "إعادة البناء والتفعيل"، وتناول البرنامج السياسي، وإسلامية القضية، وإعادة النظر في التنازلات.

وتحدث عن الأسس التنظيمية، ورأى أن يتكون المجلس الوطني من 300 عضو، مقترحا له تصورا تفصيليا.

وعرض في الورقة الـ14 الأستاذ مروان عبد العال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رؤية الجبهة الشعبية.

فقدم نقدا تاريخيا لقيادة فتح التي تعاملت مع المنظمة باعتبارها "حاملا تنظيميا وسياسيا لبرنامجها الخاص"، ولم يستثن المعارضة على انصياعها لـ"أصول اللعبة".

كما حذر من نوايا "أهل السلطة" لتفعيل المنظمة في سياق استخدام ضيق، وخلص إلى اقتراح تشكيل قيادة موحدة واتفاق على برنامج القواسم المشتركة كأسس لإعادة بناء المنظمة وتفعيلها.

وفي الورقة الـ15 شرح الدكتور أنور أبو طه عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي رؤية حركته.

"
المدخل الرئيسي لإعادة بناء المنظمة هو أن تعكس اسمها تماما على الواقع، أي أداة جهادية هدفها تحرير فلسطين وإطارا جامعا
"
أنور أبو طه
فركز على أن المدخل الرئيسي لإعادة بناء المنظمة هو أن "تعكس اسمها تماما على الواقع، أي أداة جهادية هدفها تحرير فلسطين وإطارا جامعا". ودعا إلى مراجعة الميثاق ومقررات المجالس الوطنية السابقة، والبرنامج السياسي والعلاقة بين المنظمة والسلطة على هذا الأساس.

ومن خلال الورقة الـ16 نقل الأستاذ سهيل الناطور، عضو اللجنة المركزية في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رؤية الجبهة الديمقراطية.

فرأى أن الانتفاضة الثانية عززت الفكرة القائلة بضرورة مشاركة الجميع في القرار السياسي الفلسطيني، وتكرست هذه الفكرة من وجهة نظره بعد نتائج الانتخابات التشريعية. واقترح باسم الجبهة الديمقراطية التوافق على قواسم سياسية مشتركة، وخطة (كفاحية–سياسية)، وتشكيل حكومة ائتلاف وطني.

هذه العناوين وغيرها وعدد كبير من المداخلات المهمة جعلت من هذا الكتاب إضافة نوعية في مكتبة القضية الفلسطينية، وقيمة علمية لا غنى عنها للباحثين والمهتمين.

المصدر : الجزيرة