عرض/الحسن السرات
ظهر هذا الكتاب لأول مرة عام 1996، غير أن الأحداث الملتهبة المترادفة في المشرق العربي جعلت المؤلفين يقومان بمراجعته في طبعتين لاحقتين، الثانية في 2003، والثالثة، وهي الحالية، في مارس/آذار 2006 بعد نتائج الانتخابات الفلسطينية التي حملت حركة حماس إلى الحكم في مطلع سنة 2006.

- الكتاب: المفاتيح المائة للشرق الأوسط
- المؤلفان: ألان غريش ودومينيك فيدال
- عدد الصفحات: 624
- الناشر: دار هاشيت للآداب/باريس
- الطبعة الثالثة: 2006

 
اشتغل ألان غريش رئيسا للتحرير في الشهرية الفرنسية الشهيرة "لوموند ديبلوماتيك"، وهو مولود في مصر عام 1948، لأم كانت مناضلة يسارية يهودية روسية ووالد كان مناضلا يساريا مصريا مناهضا للصهيونية يدعى هنري كريال الذي اغتيل في باريس عام 1978، ثم تبناه مصري قبطي.

اعتنق ألان غريش الشيوعية بين عامي 1972 و1983، ودافع عن العالم الثالث ضد العولمة الليبرالية، وله مؤلفات عديدة منها "إسرائيل- فلسطين" (2003) و"الإسلام في قضايا وأسئلة" بالاشتراك مع طارق رمضان (2002)، وكتاب "الجمهورية والإسلام والعالم" (2006).

أما دومينيك فيدال فقد اشتغل هو الآخر كاتبا وصحفيا في "لوموند ديبلوماتيك"، وكتب بالتعاون مع كريم بورطل "البؤس العربي: أطفال الاستعمار" (2005)، و"البؤس اليهودي: بين الانطواء والاستيعاب والاستغلال"(2003)، و"الخطيئة الأصلية لإسرائيل: طرد الفلسطينيين ومراجعة المؤرخين الإسرائيليين الجدد"(2002).

والكاتبان متخصصان معا في قضايا العالم العربي، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن ألان غريش انفرد بتخصصه في قضايا الإسلام والإسلاميين، كما تميز بكتاباته المنصفة والموضوعية.

معجم سياسي
الكتاب المعروض أقرب ما يكون إلى معجم سياسي أو موسوعة سياسية لقضية الشرق الأوسط من 115 كلمة، تقدم للقراء والمهتمين كل شؤون الشرق الأوسط كالخرائط الجيوسياسية والأحداث والحروب التي عرفتها المنطقة، والشخصيات التي شاركت في صنع الأحداث، والحركات والدول ذات الصلة بالقضية.

وينقسم الكتاب إلى تقديم وكرونولوجيا بأهم الأحداث، ولائحة بأسماء الأشخاص والدول، وملحق للوثائق، وبيبليوغرافيا، وجرد بالمواقع الإلكترونية المهتمة بالموضوع، وفهرسا لأسماء الشخصيات والأفراد.

لذلك يقول المؤلفان في بداية الكتاب "إننا اخترنا إخراج الكتاب جاعلين له مداخل متعددة، حتى يتمكن القارئ من العثور السهل على مبتغاه".

تبدأ الكرونولوجيا من يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 وهو تاريخ القرار الأممي القاضي بتقسيم فلسطين، وتنتهي يوم 25 يناير/كانون الثاني 2006، وهو تاريخ الانتخابات الفلسطينية التي فازت بها حماس.

المعجم السياسي نظمه المؤلفان وفق الترتيب الأبجدي للحروف الفرنسية فابتدآ بعباس (محمود، الملقب بأبي مازن) وانتهيا ب"ييشوف" الاسم الذي أطلق على أول مجموعة يهودية حلت بفلسطين وشكلت النواة الأولى للدولة الصهيونية.

واجتهد الكاتبان في التعريف بكل ما له صلة بقضية الشرق الأوسط والصراع العربي الإسلامي الإسرائيلي حول فلسطين، ففي مادة حرف الألف مثلا، نجد تعريف بأبي نضال زعيم فصيل فلسطيني عنيف كان وراء عدد من العمليات والاغتيالات، و"عاليا" أي صعود اليهود إلى فلسطين وفق التعبير اليهودي الديني السائد قبل تيودور هرتزل، الحالم بالعودة إلى الأراضي المقدسة.

ونجد تعريفا بـ"المساعدة الأميركية" المدنية والعسكرية حسب الإستراتيجية الأميركية ومصالحها في المنطقة، والتي بلغت في الفترة بين 1946 و1993 حوالي 54 مليار دولار لإسرائيل، متقدمة بعيدا على مصر التي استفادت من 36 مليار دولار، في حين أن تركيا حصلت على 14 مليار دولار.

"
الانتخابات الفلسطينية التي أدت إلى فوز حماس تمثل منعطفا بارزا في تاريخ الشرق الأوسط، لأنها  تؤكد تقدم التنظيمات الدينية في العالم العربي، خاصة أنها تأتي بعد فوز الإخوان المسلمين في البرلمان المصري بعدة مقاعد رغم التزوير، وبعد فوز لوائح الإسلاميين في العراق
"
أما في سنة 2005، فقد قرر الكونغرس الأميركي مساعدة إسرائيل ب2.5 مليار دولار كمساعدات اقتصادية، و2.2 مليار دولار كمساعدات عسكرية، في حين قدم لمصر 1.8 مليار دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية معا.

كما نجد تعريفا للعرب والعام العربي والمملكة العربية السعودية وعرب إسرائيل وياسر عرفات وبيع الأسلحة وأسلحة الدمار الشامل وحافظ الأسد والحكم الذاتي والسلطة الفلسطينية.

في حرف الباء مثلا يعرفنا الكاتب بحزب البعث وميثاق بغداد ووعد بلفور ومروان البرغوثي وبن غوريون وبن لادن. وعلى هذا المنوال يمضي الكتاب حتى يستكمل تعريفاته.

أما الوثائق الملحقة بالكتاب فتضم وعد بلفور عام 1917، والانتداب البريطاني عام 1922، ومخطط التقسيم عام 1947 والقرار 242 لعام 1967 وقرار الرباط سنة 1974 وقرار 3236 للأمم المتحدة عام 1974 واتفاقية كامب ديفيد والإعلان الأوروبي حول الحوار العربي الأوروبي والوضع في الشرق الأوسط عام 1980، ومخطط فاس لسنة 1982، والقرار 687 عام 1991، وإعلان المبادئ المتعلق بالإجراءات الانتقالية للحكم الذاتي لسنة 1993، والاتفاق حول الجنوب اللبناني عام 1996 والاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني في طابا عام 2001، والقرار 1397 عام 2002، والقرار 1441 لعام 2002، والقرار 1559 لعام 2004.

انتصار حماس ومنعطف الشرق الأوسط
يرى ألان غريش أن الانتخابات الفلسطينية التي أدت إلى فوز حماس تمثل منعطفا بارزا في تاريخ الشرق الأوسط، لأن النتائج التي حصلت عليها حماس في الانتخابات التشريعية يوم 25 يناير/كانون الثاني 2006 تؤكد تقدم التنظيمات الدينية في العالم العربي، خاصة انها تأتي بعد فوز الإخوان المسلمين في البرلمان المصري بعدة مقاعد رغم التزوير، وبعد فوز لوائح الإسلاميين في العراق.

كما تظهر هذه النتائج على الخصوص التغير العميق في الإرادة الشعبية، وتبين تناقضات الإستراتيجية الأميركية في هذه المنطقة من العالم.

ولا يمكن في تقدير الكاتبين أن نفهم تقدم الإسلاميين دون الرجوع إلى تطورات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والخليج منذ نهاية الحرب الباردة.

ويعتبر غريش أن الانتخابات الفلسطينية انتصار للديمقراطية وبرهان من الفلسطينيين على أنهم متشبثون بها.

أما نتائجها فتعبير عن رفض الشعب الفلسطيني للسلطة الفلسطينية ومنظمة فتح، إدانة على عدم القدرة على بناء مؤسسات صلبة والقضاء على الفساد، والعجز عن تحسين العيش اليومي للفلسطينيين.

ويؤكد غريش أن حصيلة السلطة الفلسطينية ومنظمة فتح سلبية حتى في مجال المفاوضات مع إسرائيل منذ اتفاق أوسلو لعام 1993.

ويرى غريش أن حماس منظمة شعبية دون منازع، متجذرة في قطاع غزة والضفة الغربية، وهي جزء من المشهد السياسي لا يمكن تجاهله، وكما هو الشأن في العالم العربي والإسلامي، فقد صار الإسلاميون رقما في المعادلات لا يمكن تجاوزه ولا إقصاؤه.

وحماس في نظر غريش تتسم بالواقعية إذ أنها عدلت كثيرا من مواقفها، خاصة الموقف من الانتخابات في ظل اتفاق أوسلو، وأبرمت تحالفات مع أعيان فلسطين وقبلت عضوية المسيحيين في لوائحها بالانتخابات الجماعية.

ويرجع الكاتبان قليلا إلى الوراء للمقارنة بين حملتي بوش الأب وبوش الابن على العراق، واستكشاف أوجه الاختلاف والتغير بين الحملتين.

ومع أن الأب والابن المعتديين قصدا الأهداف نفسها، وهي تأكيد الهيمنة الأميركية على الصعيد الدولي، والدفاع عن مصالحها البترولية، وتلقين العراق درسا في الامتثال لواشنطن، إلا أن تشابه المشهدين لا يلغي الفروق الجوهرية بين عدوان الأب وعدون الابن.

الفروق الخمسة
التغير الأول كما يراه كتاب "المفاتيح المائة للشرق الأوسط"، يتجلى في دافع الحرب: إذ أنه في يوم 2 أغسطس/آب 1990 أصدر صدام حسين الأمر إلى جنوده بغزو الكويت ووضع حد لوجود دولة ذات سيادة وعضو في هيئة الأمم المتحدة.

"
الحملة ضد "محور الشر" آتت بعض أكلها، لكن الواقع بعيد عن الحلم الأميركي، إذ أن الاستقرار لم يتحقق في أفغانستان ولا في العراق، ولا في فلسطين أيضا
"
ولكن قبل ذلك في عام 2003 كانت واشنطن قد اتهمته بتطوير برنامج لصناعة أسلحة الدمار الشامل (أسلحة كيماوية وببيولوجية) وهي الأسلحة التي لم يعثر لها مفتشو الأمم المتحدة على أي أثر، على خلاف السلاح الكوري الشمالي.

التغير الثاني وهو الهدف المعلن: منذ 12 سنة، إذ كان الهدف هو تحرير الكويت، لا إسقاط النظام العراقي، وفي نهاية الصراع توقفت القوات الأميركية والسلاح في يدها في الوقت الذي كانت قوات الحرس الجمهوري تسفك دماء الثورة التي دعا إليها الرئيس الأميركي الشعب العراقي.

في سنة 2003 أعلن جورج بوش الابن وعصابة الصقور التي كانت تحيط به أن الهدف هو إسقاط نظام صدام الذي ظل طيلة الحرب العراقية الإيرانية الحليف المفضل لواشنطن، بل إنها غضت الطرف آنذاك عن مذبحة حلبجة ضد الأكراد مع إطلاق حملة إعلامية للتشويش واتهام إيران بالوقوف وراء الجريمة.

ألم يكن رامسفيلد وزير الدفاع المستقيل قبل الانتخابات الأخيرة هو مبعوث الإدارة الأميركية الرسمي وقتها لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبغداد في ديسمبر/كانون الأول عام 1988؟

وعلاوة على ذلك، جعلت الولايات المتحدة الأميركية من العراق القطعة الأم في إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة بما يتفق مع مخططها.

التغير الثالث: في سنة 1990 اجتهدت واشنطن في حشد التأييد الدبلوماسي الدولي لحملتها ضد العراق، واستطاعت إحاطة قرارها بتحالف عريض يتكون من 25 دولة غير عربية وعدد كبير من الدول العربية مثل مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا والإمارات التي أرسلت قواتها إلى عين المكان.

لكن حملة 2003 لم تشارك فيها أي دولة عربية بشكل مباشر، وإن شارك بعضها بتقديم خدمات ثانوية، وفي المقابل، واجهت واشنطن صعوبة كبيرة في ضمان تأييد 5 رؤساء حكومات من أوروبا العتيقة و3 من أوروبا الحديثة، كما أن باريس وبرلين عبرتا عن المعارضة والرفض وتبعتهما دول أوربية أخرى.

التغير الخامس متعلق بالمواقف الغربية عامة، والشعبية منها خاصة، والتي تجلت في المسيرات الشعبية المليونية في 600 مدينة بالقارات الخمس من الدنيا يوم 15 فبراير 2003.

ما أبعد الحلم عن الواقع
يتساءل الكتاب بعد هذا عن حصيلة السياسة الأميركية بعد الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان، ونظام صدام في العراق، وزحزحة النظام السوري عن لبنان من خلال اغتيال رفيق الحريري.

يؤكد الباحثان أن الحملة ضد "محور الشر" آتت بعض أكلها، لكن الواقع بعيد عن الحلم الأميركي، إذ أن الاستقرار لم يتحقق في أفغانستان ولا في العراق، ولا في فلسطين أيضا.

ومادام الصراع العربي الإسرائيلي مستمرا، وما دامت المشكلة الفلسطينية لم تجد حلا عادلا ودائما، فإنه من المرجح، كما يؤكد الكاتبان، أن لا يتحقق الاستقرار وأن لا تنمو الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ومن ثم لا يمكن إلا أن يساورنا الشك عندما يزعم عدد من منظري الإدارة الأميركية أنهم يريدون "دمقرطة" المنطقة وهم يشنون الحرب على العراق.

"
السياسة الأميركية في العراق توشك أن تعجل بنشوء الفوضى المدمرة، التي يزيد في نارها الملتهبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
"
ويمضي الكاتبان في تحليلهما الطويل إلى أطروحة "صدام الحضارات"، فيؤكدان أن هذه الأطروحة ليست كافية لتفسير التوترات والصراعات والحروب التي تجتاح الكرة الأرضية. فالنار المشتعلة والتفاوت الصارخ بين دول الشمال ودول الجنوب مصدرهما الهيمنة الغربية الظالمة.

غير أن هذا لا يعني، في نظر الكاتبين، أن أطروحة صدام الحضارات يمكن أن تعلو رايتها في المستقبل القريب أو البعيد إذا ما أصبح الإسلام لدى ملايين الغربيين رديفا لأسامة بن لادن، وإذا ما صار الغرب عند عشرات الملايين من المسلمين رديفا لسجن أبو غريب.

والسياسة الأميركية في العراق توشك أن تعجل بنشوء الفوضى المدمرة، التي يزيد في نارها الملتهبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

دعم ومساندة
يكاد يكون نادرا أن تجد كتابا غربيين منصفين للعرب والمسلمين والفلسطينيين، وإذا وجدوا فلا تكاد تسمع أصواتهم وسط الجلبة الإعلامية التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني والعقل الصهيوني. بل إن كثيرا منهم يتعرضون للاغتيال والإعدام الإعلامي والشنق المعنوي.

ومن واجب المنصفين والإعلاميين العرب ذوي الصدى الدولي أن يعرفوا بهؤلاء المنصفين ويقدموا لهم السند اللازم لأنهم أقدر على مخاطبة إخوانهم باللغة التي يفهمونها، فإن خدمتهم للقضايا العربية والعالمية العادلة لا تقدر بثمن، ومنهم من يدفع مستقبله وحياته ثمنا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.

المصدر : الجزيرة