عرض/ مازن النجار
هذا الكتاب دراسة جادة للتاريخ والاجتماع السياسي الإيراني المعاصر، ويتناول نظرية "ولاية الفقيه" في النظام السياسي الإيراني والتي تعد أساسا لنظام الجمهورية الإسلامية، كما أنها تصبغ الواقع السياسي لإيران وتلقي بظلالها على المنطقة منذ صعودها بانتصار الثورة الإيرانية عام 1979.

بعد مرور عقود على تأسيس "الجمهورية الإسلامية" في إيران على أساس نظرية "ولاية الفقيه"، لا تزال هذه النظرية تمثل لغزا لكثيرين.

-اسم الكتاب: حدائق الأحزان.. إيران وولاية الفقيه
-المؤلف: د. مصطفى اللباد
-عدد الصفحات: 319
-الناشر: دار الشروق، القاهرة
-الطبعة: الأولى 2006
فما هي "ولاية الفقيه"؟ ما أساسها العقدي والفكري؟ كيف وصلت إلى الحكم؟ كيف استطاعت تنحية الاتجاهات السياسية الأخرى؟ كيف انتقلت القيادة من مؤسسها إلى خليفته؟ ما الأسس الفكرية لخطاب خاتمي؟ وما هي تحديات المستقبل؟

يتألف الكتاب من خمسة فصول: أولها يتناول الخلفيات التاريخية للتشيع وعلاقة الفقهاء بالدولة الإيرانية، ويهتم الثاني بمباني ومعاني "ولاية الفقيه" وولادة النظرية ودور الخميني في تطويرها.

ويتوقف الفصل الثالث عند الوصول إلى السلطة والتطورات التي آلت إلى استبعاد التيارات الأخرى وانفراد "ولاية الفقيه" بالسلطة. ويلقي الفصل الرابع ضوءا على انتقال السلطة بعد رحيل الإمام الخميني إلى السيد خامنئي وانعكاساتها على النظرية والواقع السياسي.

أما الفصل الخامس فيتناول دور الرئيس خاتمي في تطوير الخطاب الديني، وتغيير التوازنات السياسية في إيران، ثم أخيرا تحديات المستقبل.

الفقهاء والدولة في إيران
يقول المؤلف إن الهوية الإيرانية والإسلامية الشيعية امتزجت منذ الصفويين، حتى أصبح الوجدان الإيراني خليطا فريدا منهما، فلا تشيع دون حضور إيران إلى الأذهان، ولا تناول لإيران دون إبراز وجدانها الشيعي، فكان المقريزي يعتقد بفارسية التشيع.

اختار المؤلف "حدائق الأحزان" عنوانا لكتابه نظرا لما تمثله حدائق إيران بتصميمها الفريد وعمارتها الخلابة، ولما يتركه حزن الإيرانيين الدائم من أثر عميق، ويبدو هذا الحزن راسخا في وجدان الشيعة، والإيرانيين خاصة.

"
اختار المؤلف حدائق الأحزان عنوانا لكتابه نظرا لما تمثله حدائق إيران بتصميمها الفريد وعمارتها الخلابة ولما يتركه حزن الإيرانيين الدائم من أثر عميق، ويبدو هذا الحزن راسخا في وجدان الشيعة والإيرانيين خاصة
"
منذ "الغيبة الكبرى" أصبح الفقهاء زعماء المذهب وقادة جماهيره التي اختصرت الدين والدنيا فيهم، واعتبرت فتاواهم دستورا في غيبة الإمام المهدي.

اختص الفقهاء بشؤون "المرجعية" والإفتاء، وبرز بينهم مراجع يقلدهم المؤمنون باعتبارهم وكلاء الأئمة وورثة علم آل البيت.

كان الخمس المخصص للفقهاء وينفقونه في مصارفه الشرعية، أساسا ماديا لنفوذهم، فعزز استقلالهم عن السلطة ومناهضة توجهاتها أحيانا. وصارت المرجعية رمزا للمذهب ومركزا لوحدة المنتمين إليه.

بتبني الصفويين للتشيع (1501م) تحولت مؤسسة الفقهاء لدولة داخل الدولة. ورغم حاجة الحاكم الصفوي أو القاجاري إلى شرعيتهم وتأييدهم، حرصوا على الاستقلال عن الدولة وثبتوا دورهم داخلها.

وبتعاظم مظالم القاجاريين -كما يقول المؤلف- دخل الفقهاء حلبة السياسة بالفتاوى، وتكرس تحالفهم مع البازار. وكانت فتوى المرجع الشيرازي بتحريم التبغ موجهة ضد الاحتكارات الأجنبية ومصالح الحكام، ومنحازة للبازار الذي تكبد ضرائب ومنافسة السلع الأجنبية.

شارك الفقهاء بدور رئيسي في ثورة الدستور (المشروطية) عام 1906 بقصد تحديد صلاحيات الحكام وإقرار حقوق الرعايا، وتعد نقلة نوعية ثالثة في علاقة الفقهاء بالدولة.

تحققت الأولى بالخمس الذي يتلقاه المراجع من المقلدين ويدعم استقلالهم، والثانية بتحالف الفقهاء مع الدولة الصفوية لمنحها المشروعية، والثالثة بنجاح ثورة المشروطية وتثبيت مكانة الفقهاء.

وفي الستينات تصدى رجال الدين لثورة الشاه البيضاء، وكان على رأس المحتجين الإمام الخميني الذي حرض الشعب ضد علاقات الشاه بأميركا وإسرائيل في "ثورة 15 خرداد" التي صادفت ذكرى كربلاء.

فاندلعت التظاهرات وقتل فيها الآلاف وأودع الإمام السجن، فاجتمع كبار المراجع وأعلنوا ترقية الخميني إلى آية الله العظمى فاكتسب بذلك حصانة تمنع سجن المراجع.

نظرية "ولاية الفقيه"

"
حمل الخميني راية ولاية الفقيه، وبعد نفيه استقر بالنجف الأشرف وألف كتاب الحكومة الإسلامية  حيث ترتقي مرتبة ولاية الفقيه إلى مقام الفروض، وأن ولاية الأئمة هي ذاتها ولاية الفقيه العادل, وأن وظيفتهما واحدة رغم سمو منزلة الإمام المعصوم على منزلة الفقيه
"
يشير المؤلف إلى أن إرهاصاتها ظهرت في جبل عامل بلبنان على يد محمد بن مكي الجزيني العاملي (ت 1472م)، فوسع نطاق عمل الفقهاء في حياة المؤمنين.

واستند إلى ما أسماه "نيابة الفقهاء العامة" عن الإمام المهدي المنتظر، وتشمل القضاء والحدود وإقامة صلاة الجمعة.

لم يقترب من فكرة الحكومة الإسلامية بقيادة الولي الفقيه، بل قصد تحسين أوضاع عصر الانتظار حتى عودة المهدي. وصاغ الجزيني تعبير "نائب الإمام" الذي أطلق على الخميني لدى عودته من المنفى.

وبعد أربعة قرون طور الشيخ نراقي كاشاني أفكار الجزيني بتوسيع صلاحيات الفقهاء، واستخدم مصطلح ولاية الفقيه لأول مرة.

رأى نراقي أن للفقيه في عصر الغيبة الولاية في أمور الدين والدنيا التي كانت للنبي والأئمة إلا ما استثناه الدليل الشرعي.

واستأنف الأنصاري تلميذ نراقي من حيث انتهى شيخه، فأوجب تقليد المرجع أو الفقيه وكرس دور الفقهاء كنواب للإمام الغائب.

حمل الخميني راية "ولاية الفقيه"، وبعد نفيه استقر بالنجف الأشرف وألف كتاب "الحكومة الإسلامية" من قسمين: "أدلة لزوم إقامة الحكومة"، و"حقيقة قوانين الإسلام وكيفيتها" حيث ترتقي مرتبة "ولاية الفقيه" إلى مقام الفروض، وأن ولاية الإئمة هي ذاتها ولاية الفقيه العادل من حيث العموم والشمول، وأن وظيفتهما واحدة رغم سمو منزلة الإمام "المعصوم" على منزلة الفقيه.

يرى كتاب الخميني أن وظيفة السلطات والهيئات التشريعية هي التخطيط للتنظيمات الحكومية من خلال الأحكام الإسلامية التي يكون الفقيه قيما على تطبيقها، وأن شروط الحاكمية بين صدر الإسلام وبدء الغيبة قد جعلها الله لفترة الغيبة أيضا، وهي العلم بالشرع والعدالة، إضافة إلى خصال مطلوبة أخرى. كما يفرق بين الولاية التشريعية للرسول والأئمة والولاية الاعتبارية للولي الفقيه.

وتستند النظرية إلى أربعة أركان:
 1- شمول وضرورة وديمومة وعموم الولاية.
2- تنصيب الولي الفقيه معقود للفقهاء، وشرعيتها من الولاية التشريعية.
3- إطلاق سلطة الولي الفقيه لكافة شؤون الحكم، وصلاحيات الرسول والأئمة.
4- الفقه أهم الشروط الواجبة في الولي الفقيه.

تأسيس نظام "ولاية الفقيه"

"
طال الصراع بين أنصار ومعارضي ولاية الفقيه المؤسسة الدينية من المراجع إلى طلبة الحوزات, فقد أيد مراجع قم قيادة الخميني للثورة سياسيا, لكنهم عارضوا ولايته المطلقة كفقيه
"
يعتبر المؤلف أن شكل السلطة عقب سقوط الشاه جسد تحالفا بين الخميني والتيار القومي الليبرالي. وبعد أيام من عودته إلى الوطن، أعلن تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة مهدي بازركان للإشراف على انتخاب مجلس تأسيسي ثم برلمان، وتنظيم استفتاء على قيام "الجمهورية الإسلامية".

طال الصراع بين أنصار ومعارضي "ولاية الفقيه" المؤسسة الدينية من المراجع إلى طلبة الحوزات، فقد أيد مراجع قم قيادة الخميني للثورة سياسيا، لكنهم عارضوا ولايته المطلقة كفقيه.

على السطح بدت معارضة مراجع التقليد للدستور المقترح كأنها اختلاف طبيعي في الاجتهاد التقليدي، لكن المعارضة تأسست في العمق على مقاومة المراجع لتقليص صلاحياتهم إذا ما أصبح الخميني قائدا للأمة الإيرانية دينيا وسياسيا -أو مرجعا أوحد- مما يهمش حضورهم.

وانتشرت معارضة مبدأ "ولاية الفقيه المطلقة" داخل الطبقة الدينية في حياة الخميني وتعددت مستوياتها داخل الحوزة.

في 2 أبريل/نيسان 1979 أعلن الإمام نتيجة الاستفتاء على الجمهورية وتأييد الإيرانيين لها بنسبة 98%، مدشنا قيام الجمهورية الإسلامية.

وبذلك قطعت نظرية "ولاية الفقيه" شوطا طويلا على طريق التنفيذ، ولم يتبق إلا تمكينها. وفي 4 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه احتل الطلبة السفارة الأميركية واتخذوا العاملين فيها رهائن. استقالت حكومة بازركان لينتهي دورها في دراما الثورة.

بعدما أودت التفجيرات المناوئة للنظام ببعض أهم رجال الإمام، أصبحت نواته الصلبة تتكون من منتظري وخامنئي ورفسنجاني وأحمد الخميني.

وضم الصف الثاني مشكيني (رئيس الخبراء) وموسوي أردبيلي (رئيس القضاء) وريشهري (وزير الأمن)، فلم يتحكم رجال الدين بالدولة فحسب، وإنما شغلوا قمتها بأنفسهم، وأحكمت نظرية "ولاية الفقيه" قبضتها على الدولة لأول مرة.

خلافة الإمام والفصل بين المرجعيتين
تحت هذا العنوان يرى المؤلف أنه لم يتوفر في رجال الإمام شخصية تصلح لخلافته مثل منتظري، آية الله الوحيد بينهم. ولم تظهر أي خلافات حول قيادة الخميني نظرا لدوره السياسي والتاريخي، ولكنها ظهرت إلى العلن مع اختيار منتظري لخلافة الإمام.

فروج المعارضون في قم لخلافته فكرة القيادة الجماعية المنصوص عليها في الدستور قبل تعديله، كحل وسط. لكن رجال الإمام رفضوا القيادة الجماعية لصالح قيادة فردية يتأهل لها منتظري الأقرب لفكر الإمام ونظرية "ولاية الفقيه".

استقرت الأمور على توتر وحذر مع بقاء منتظري كخليفة. واستمر تقسيم العمل بين رجال الإمام، لكن المصالح والأفكار تضاربت.

وقبل وفاة الإمام بشهرين أطيح بمنتظري من منصبه لأسباب عائلية محضة، فقد استخدم خصومه تحفظات على شخص مهدي هاشمي، شقيق صهر منتظري.

"
روج المعارضون في قم لخلافة الخميني  فكرة القيادة الجماعية المنصوص عليها في الدستور قبل تعديله كحل وسط, لكن رجال الإمام رفضوا القيادة الجماعية لصالح قيادة فردية يتأهل لها منتظري الأقرب إلى فكر الإمام ونظرية ولاية الفقيه
"
وقدم هاشمي للمحاكمة بتهمة العمالة وأعدم، واستخدم ذلك للنيل من منتظري وتبرير إبعاده عن السلطة، باعتبار أن سمعته لم تعد فوق الشبهات.

ويقول المؤلف إن إعفاء منتظري من الخلافة غير مسار الدولة سياسيا ومذهبيا، فقد كان للخميني المرجعية الدينية والثورية معا، وكان منتظري الأقرب لهذا التوصيف.

وبعزله بدأ الفصل بين المرجعيتين، مرجحا السياسي على المذهبي في بنية الدولة ومضعفا لموقع الخليفة، لأنه ليس مرجعا دينيا كسلفه الذي بدا أول وآخر مرشد للثورة يجمع بين المرجعيتين.

بعد رحيل الإمام انعقد مجلس الخبراء لاختيار خليفته، واتجهت الآراء لعزل مرجعية التقليد (الروحية) عن ولاية أمر الجمهورية (السياسية).

وكان الخميني قبل وفاته أقر بكون المرشد مجتهدا فقط، فانتخاب الخبراء للمرشد نافذ لأنهم منتخبون شعبيا. واستند المجلس في انتخاب خامنئي إلى فصل القيادة السياسية عن المرجعية الدينية وتزكية الإمام له وتاريخه الثوري، وتعديل الدستور قبيل وفاة الإمام، وأخيرا إلى البيعة.

قاد الثنائي خامنئي ورفسنجاني إيران بعد رحيل الإمام، فأعادا بناء الاقتصاد بعد الحرب، وحافظا على دور إيران رغم الاحتواء المزدوج.

وجد الثنائي صعوبة في تجديد ذاته، فنشأت فجوة بين الشباب التواق للانفتاح وبين رموز النظام. ومثل الشباب الذين لم يعاصروا الثورة، تحديا للنظام نظرا لتفاوت منظومة قيم وتطلعات الأجيال، مما أوجد حاجة إلى رمز إصلاحي تلتقي حوله التيارات الإصلاحية والمعارضة لتنفيس احتقانها وإبقائها في مربع الجمهورية، فأجاز النظام ترشيح خاتمي للرئاسة.

من الثنائي إلى الثلاثي إلى الأحادي
ويتابع المؤلف في سرد تاريخ تلك الفترة ليقول إن الانتخابات الرئاسية السابعة عام 1997 جاءت بخاتمي إلى الرئاسة، وأطلقت سياساته رياحا عرت مكامن ضعف المجتمع وجددت حيويته أيضا.

ويعيد المؤلف فوز خاتمي إلى برنامجه الفضفاض المرتكز على مفاهيم المجتمع المدني ودولة المؤسسات وحاكمية القانون وحوار الحضارات.

واستقطب تحالفه الشباب وأنصار هذه القيم، فضم مختلف الألوان السياسية، وتناغم كذلك مع مرجعية الثورة.

ورغم صعوبات واجهت رئاسة خاتمي، أحرز النظام نجاحات إقليميا ودوليا استنادا إلى تعدديته وانفتاحه. وبرهن التأييد الشعبي لخاتمي على إمكانية اكتساب موقع الرئيس بفعالية مجتمعية وسياسية تتخطى إمكاناته الدستورية.

لكن قوة خاتمي الأساسية تكمن في خطابه المتميز عن الخطاب السائد، وربما كان التجديد الأبرز في التجربة.

وهكذا كما يقول المؤلف شهدت إيران في رئاسة خاتمي حكما ثلاثيا: خامنئي ورفسنجاني وخاتمي. وكان أساس دخول الأخير إلى الثلاثي تمثيله للتيارات الشعبية.

لكن، أفقد عدم وضوح توجه الإصلاحيين الاقتصادي تأييد شرائح اجتماعية، وجعلهم معارضة طوباوية وتجمعا للناقمين. لكن خاتمي استمر على أرضية وشرعية الثورة الإسلامية، فهو السيد، حجة الإسلام، المدافع عن الثورة.

ورغم الفجوة بين إمكاناته الدستورية وتطلعات جماهيره، كان خاتمي فرصة النظام الأخيرة للانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة.

انحدرت الأغلبية الإصلاحية إلى أقلية منذ انتخابات 2004 البرلمانية. وقلب انتخاب أحمدي نجاد لرئاسة الجمهورية توازنات جناحي النظام المحافظين والإصلاحيين، فهيمن تيار واحد على الدولة.

وتبدل المشهد في ضوء الانتخابات الرئاسية، من أجنحة مختلفة داخل النظام إلى أحادية سياسية محافظة تحت عباءة المرشد.

ذهبت انتخابات 2004 بالثلاثي لتعود الثنائية، ثم جاء فوز نجاد بالرئاسة ليطيح بالثنائية لصالح أحادية المرشد.

فلم يعد لرفسنجاني -المختص بمنازعات رئاسة الجمهورية والبرلمان- دور دستوري هام، لأن الرئاسة والبرلمان أصبحتا بقبضة تيار المرشد.

تحديات المستقبل
يعتقد المؤلف أن مستقبل النظام السياسي الإيراني يواجه تحديات ضبط الحراك السياسي، وتجديد النخبة الإيرانية وتوازنات النظام، ومسألة القوميات، ومواجهة الأخطار الخارجية.

شهدت الجمهورية منذ قيامها تسعة انتخابات رئاسية وسبعة برلمانية، مما يكرس الطابع الشعبي للنظام. وربما جاءت تجربة خاتمي الإصلاحية محصلة لشروط خارجية وداخلية معقدة بمرحلة معينة، ما يرجح صعوبة تكرارها.

"
يرى المؤلف أن الجمع بين الجمهورية والإسلامية في مفهوم واحد متناقض بالضرورة، وسبب لتضعضع الأساس الفكري لمشروع الجمهورية، حيث يتناقض المفهوم العلمي الصارم للدولة مع الطابع الميتافيزيقي النبيل للدين
"
ومع سيطرة المحافظين على الحكم، لا يتوقع توسيع صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهو ضرورة لتجذير النظام شعبيا.

ويضيف المؤلف أن الأجنحة أضفت حيوية على المشهد الإيراني. ويمكن توقع تغيرات في توازنات النظام تؤدي إلى ثنائي جديدة بين التيار المحافظ بقيادة المرشد وتيار أحمدي نجاد الأصولي المتحالف مع قسم من رجال الدين بقيادة جنتي.

والتحدي هنا في قدرة النخبة الجديدة على تغيير التوازنات داخل النظام، بما لا يعرضه للاهتزاز والانكشاف.

المركزية قدر إيران القديم، كرستها مهمة حفظ أقاليم مختلفة جغرافيا ومتنوعة قوميا. وفاقت الجمهورية سابقاتها في المركزية، مما أبقى أقاليم الدولة موحدة.

لكن انشغال الدول المركزية متعددة الأعراق بهاجس التفتت، يجعلها تتشدد بمسألة القوميات. ويتوقع إلحاح المسألة القومية مجددا إذا سعت أميركا لزعزعة النظام أو رسم خرائط شرق أوسط "جديد".

وكرس الطابع الأيديولوجي للجمهورية حضورها إقليميا، ولم تتنازل عن الطموح الإقليمي للدولة الإيرانية الحديثة، وغدت مرجعية سياسية لشيعة العالم.

يمثل النظام ممانعة في وجه نفوذ أميركا بالمنطقة، ومع إحاطة قواتها بإيران مع عدم تفاهمهما يتوقع تصعيد الأمور بينهما أكثر. ويكمن التحدي في تحقيق تفاهمات (إقليمية) مع واشنطن مع حماية الدولة والأيديولوجيا.

بذل المؤلف جهدا محمودا للخروج من ثنائية "مع" أو "ضد"، وقد تمكن من ذلك باقتدار؛ لكنه ربما استبطن تعاطفا خاصا للدكتور محمد مصدق والتيار القومي الليبرالي.

كذلك، رأى المؤلف أن الجمع بين "الجمهورية" و"الإسلامية" في مفهوم واحد متناقض بالضرورة، وسبب لتضعضع الأساس الفكري لمشروع الجمهورية، حيث يتناقض المفهوم العلمي الصارم للدولة مع الطابع الميتافيزيقي النبيل للدين.

وهذا بدوره يستبطن مقولات أكاديمية ذات خصوصية غربية، لا ترقى إلى مسلمات علمية.

فرؤية الدين كميتافيزيقا وتنحيته عن الدولة، هو خيار حضارة معينة في سياق تاريخي معين، وتجربة أوروبية بامتياز، لا تنسحب بالضرورة على كل تجارب الاجتماع البشري.

المصدر : الجزيرة