عرض/ نبيل شبيب

"لم يعد أمامنا سوى التعايش، وينبغي أن تكون أزمة الكاريكاتيرات درسا لنا، فبدلا من متابعة الخوض في فوضى لا نهاية لها، آن أوان التوقف، فكلّنا مطالبون بحمل المسؤولية, ما نحتاج إليه هو نزع فتيل المواجهة في صراع الثقافات".

- الكتاب: بين البوب والجهاد (الشبيبة المسلمة في ألمانيا)
- المؤلّفة: يوليا جيرلاخ
- عدد الصفحات: 256
-
الناشر: دار نشر لينكس، برلين
-
الطبعة: الأولى، سبتمبر/أيلول 2006
بهذه الكلمات في ختام مقدّمتها حدّدت يوليا جيرلاخ مقصدها من كتابها الجديد، وهي صحفية دون الأربعين من عمرها، درست العلوم السياسية والعلوم الإسلامية في أكثر من جامعة، من بينها جامعة الإسكندرية بمصر.

وعملت مراسلة لأكثر من وسيلة إعلامية ألمانية مرموقة، كما قضت فترة تدريبية في فضائية الجزيرة، ويتصل بموضوع كتابها أنّها كانت أوّل من كتب في الإعلام الألماني عن الداعية عمرو خالد قبل أن يغادر مصر إلى لندن.

وهو من الشخصيات الإسلامية المحورية التي تحاول من خلال تعريف القارئ الألماني بها، أن تؤكّد وجود وجه آخر للميدالية فيما يُسمّى الظاهرة الإسلامية عموما، ويشمل أوروبا تخصيصا، ومن ذلك ما يمثّل محور كتابها "بين البوب والجهاد"، كما يشرح العنوان الثاني له "الشبيبة المسلمة في ألمانيا".

الجديد في الظاهرة الإسلامية
يبدأ الفصل الأول بالحديث عن سامي يوسف، وينتهي بتعامل عمرو خالد مع أزمة الإساءة الكاريكاتيرية. وبين هذا وذاك عرض الأطروحات الإسلامية التي تشكّل من منظورها عناصر تكوين ما تسميه حركة مسلمي البوب.

وهي تسمية مقصودة لإعطاء صورة مقابلة ومتناقضة تماما مع ما يجري التركيز عليه تحت عنوان الجماعات الجهادية.

فسامي يوسف نموذج لاقتحام الشبيبة المسلمة عالمَ الفنون بإبداعات إسلامية، ممّا وجد على مستوى الشبيبة تجاوبا واسع النطاق، قائما على الوعي والثقة بالنفس والجمع بين "التديّن والمعاصرة".

"
لابد من فهم منطلقات الظاهرة الإسلامية وتوسيع نطاق استيعابها لتشمل ألوانا عديدة من شريط الخارطة الإسلامية, وهو ما ترمز إليه المساحة الواقعة "بين البوب والجهاد"، أو إذا صحّ التعبير بين نموذجي سامي يوسف وبن لادن
"
ثمّ تستفيض في الحديث عن عمرو خالد -النجم الساطع بين العديد من الدعاة الشباب- فهو لا يمثّل حالة استثنائية بل ظاهرة واسعة الانتشار، وتعيد نشأة أفكاره إلى أنها خرجت من حاضنة الإخوان المسلمين، دون أن تزعم أنّه منهم "قطعا"، فهذا ما لم يصرّح به، ولم يثبت من خلال ما قيل عنه.

كما تستفيض في الحديث عن الشيخ العلامة يوسف القرضاوي، وتأثيره الكبير في نشر الفكر الوسطي الإسلامي، وإن كان حديثها عنه وعن سائر من أوردت أسماءهم حديث النقد والرفض لتبنّي "استخدام العنف" في قضية فلسطين تحديدا، والمقصود المقاومة الإسلامية المسلحة.

وتنتقل الكاتبة مع عمرو خالد ثانية إلى أوروبا وتأثيره على الشبيبة المسلمة فيها، لا سيما بعد أن انتقل أو اضطر إلى الانتقال إلى لندن، لتختم الفصل الأول بأسلوب عمله ومَن رافقه في زيارته الحوارية إلى الدانمارك، وخلافه مع كثير من العلماء المسلمين آنذاك في التعامل مع الأزمة الكاريكاتيرية.

العنصر الأهمّ في الفصل الأول من الكتاب هو التأكيد المتكرر من جانب مؤلّفته لضرورة امتناع الغربيين عن تقويم أقطاب الظاهرة الإسلامية عموما من خلال المقاييس الغربية.

والتفصيل الوارد عن توجّهات من ذكرت أسماءهم ومحطات سير حياتهم، لا يدلّ فقط على سعة اطّلاع الكاتبة فقط ومواقفها الأقرب إلى الإنصاف، بل يساعد العامّة من القرّاء، وصياغة الكتاب تجعله موجّها إليهم -إضافة إلى تنبيه صانعي القرار- على فهم منطلقات الظاهرة الإسلامية وتوسيع نطاق استيعابها ليشمل ألوانا عديدة من شريط الخارطة الإسلامية.

وهو ما ترمز إليه المساحة الواقعة "بين البوب والجهاد"، أو إذا صحّ التعبير بين نموذجي سامي يوسف وبن لادن، مع التأكيد أنّ الغالبية العظمى من الشبيبة المسلمة أقرب إلى سامي يوسف، وعمرو خالد، ويوسف القرضاوي، كلّ في ميدانه، وهي ميادين متكاملة.

وأنّ التركيز الغربي على ظاهرة العنف تحت عنوان إسلامي يؤدّي إلى خلل كبير في استيعاب الظاهرة الإسلامية بمجموعها، وبالتالي الجانب المنتشر منها داخل الأرض الأوروبية.

أسلمة الراب وعصرنة الحجاب

"
تربط الكاتبة بين الأشكال العديدة للتعبير عن الانتماء الإسلامي، مثل تطوّر أزياء الحجاب، أو انتشار أنشطة صنّاع الحياة، لتؤكّد عالمية حركة "مسلمي البوب" وشمولها
"
كما بدأ الفصل الأول بالحديث عن سامي يوسف يبدأ الفصل الثاني "مسلمو البوب في ألمانيا" بالحديث عن عمّار، الذي استخدم "موسيقى الراب" في طرح الأفكار الإسلامية على جمهوره من الشبيبة بألمانيا.

ويطرح في نصوص ما يغنّيه المشكلات التي يواجهها المسلمون طرحا مباشرا، بأسلوب تهكّمي، يصل إلى الشبيبة، فهم يعايشون ما يقول، سواء عندما يهزج عن الحجاب ويدعو الفتاة المسلمة إلى التزامه، أو عندما ينتقد تلك الندوات التلفزيونية التي تركّز على الصيغة الإرهابية وتلصقها بالإسلام وتعمّمها على المسلمين.

وتربط الكاتبة بين الأشكال العديدة للتعبير عن الانتماء الإسلامي، مثل تطوّر أزياء الحجاب، أو انتشار أنشطة صنّاع الحياة، لتؤكّد عالمية حركة "مسلمي البوب" وشمولها.

وتعرض الكاتبة من خلال الأمثلة مدى التناقض بين هذه الحركة وصيغة الإرهاب، ومن ذلك ما يأتي في كلمات إحدى أغاني الراب:

"إلى كل جبان يتسامح مع الكراهية والإرهاب، ويفرح بانفجار قنبلة وسط العامّة، وكلّ من يدعم ذلك وينفّذه، باسم الإسلام والسلام، أنتم تنشرون الظلم وتتبعون الشيطان، ونقاط ضعفكم الذاتية وليس الإسلام. أنتم تلوّثون ديننا، فمن ينزعج منكم فليكتب بدلا من ذلك أغنية راب. رسول الله علّمنا الصبر، وإن حاول أحد القضاء علينا، أن نصنع الخير ونتصرّف وفق الحق، لا أن نحوّل العالم إلى فوضى".

إنّ المظهر الشبابي، واللحن المؤثّر، والاختلاط مع الحفاظ على قواعد إسلامية بديلا عن الاختلاط الإباحي، جميع ذلك وما يشابهه، جعل الإعلان عن الانتماء الإسلامي لدى الشبيبة، ذكورا وإناثا، أمرا مستحبا، عصريا، يمكن الفخر به، ويستدعي التمسّك به، إضافة إلى أن يكون المسلم إيجابيا في المجتمع الذي يعيش فيه.

فالشبيبة يؤكّدون التمسّك بالإسلام وشموله لمختلف جوانب الحياة، على نقيض التصوّرات السائدة عن الدين في الغرب، كما يؤكّدون عدم رؤيتهم تناقضا بين ذلك وبين التعامل مع المجتمع حولهم، بما في ذلك الالتزام بمقتضيات الدستور الألماني، وهذان العنصران في مقدّمة ما تعتبره يوليا جيرلاخ علامة مميّزة لحركة مسلمي البوب العالمية، وليس في ألمانيا فقط.

"
يؤكد الشبيبة في ألمانيا التمسّك بالإسلام وشموله لمختلف جوانب الحياة على نقيض التصوّرات السائدة عن الدين في الغرب، كما يؤكّدون عدم رؤيتهم تناقضا بين ذلك وبين التعامل مع المجتمع حولهم،  وهذان العنصران  علامة مميّزة حتى لحركة مسلمي البوب العالمية
"
وكما عرضت الكاتبة هذه الأفكار وأمثالها على لسان مسلمين ومسلمات من الشبيبة في المجتمع الألماني، عرضت ذلك بصورة مشابهة عن انتشار الحجاب، وانتشار أزياء إسلامية جديدة معاصرة.

مع التنويه بما يدور من نقاش حولها، وحول القاعدة الإسلامية ألاّ تشفّ فتظهر ما تحتها، ولا تصف مفاتن الجسد التصاقا به.

وتلفت الكاتبة النظر إلى ما أصبح معروفا في الأوساط الإسلامية، أنّ الفتيات أنشط من الفتيان في التردّد على اللقاءات الإسلامية، وممارسة الأنشطة الاجتماعية.

وتفصّل الكاتبة الحديث عن مدى انزعاج المسلمين من وسائل الإعلام في الغرب، وقد أعطتها اسم "العدو رقم واحد للمسلمين" بسبب دورها في نشر الخوف من الإسلام في المجتمع، وبالتالي تعرّض المسلمين فيه لمضايقات لا نهاية لها.

واستعانت لشرح ذلك بعدد من الباحثين، لكنها لم تتمكن من الوصول في حدود الفقرات المخصصة لذلك إلى صورة واضحة، كما هو الحال في فقرات أخرى من كتابها.

فالمعضلة تبقى قائمة، فيما اعتادت عليه وسائل الإعلام الغربية وخلفيتها التاريخية، وفي افتقاد عرض صور واقعية من حياة عامة المسلمين مقابل الصور المثيرة المنقولة عن الأخبار الساخنة.

فضلا عن اختلاط الأمور على المسلمين أنفسهم، بين اعتبار المخاوف المنتشرة إزاءهم نتيجةً لوقوع أحداث مرعبة، واعتبارها نتيجة لأسلوب الإعلام في التعامل معها.

من هو الطرف الآخر في الحوار؟
وتتحدّث الكاتبة عن الجمعيات والروابط الإسلامية في حقبة تاريخية سابقة لتنتقل بالحديث إلى منظمات نشأت بصيغ جديدة مثل منظمة "الشبيبة المسلمة في ألمانيا" ومجموعات "صناع الحياة".

لتعطي الكاتبة من خلال نشاطات هذه المنظمات والحديث مع بعض الناشطين فيها صورة أخرى نادرا ما تناولتها وسائل الإعلام ورصدت إيجابياتها في التعامل ليس فيما بين المسلمين فقط، بل تجاه عامّة السكان من المجتمع الألماني.

"
ترفض الكاتبة الأسلوب التعميمي المتّبع في الحديث عن الإسلام والمسلمين في كثير من الأوساط السياسية والإعلامية وحتى الفكرية والثقافية بألمانيا وربطه بالأفكار السلبية
"
كما تعرض صورا أخرى لتطوّرات طارئة على "منظمات تقليدية"، تسعى للحفاظ على ما اعتادت عليه من قبل والتوفيق بينه وبين أنشطة الشبيبة المسلمة، وهو ما يؤثّر أيضا على واقع منظمات بعينها، لا تزال موضع الشكوك لدى السلطات الألمانية، مثل التجمع الإسلامي في ألمانيا، أو حتى منظمة ميلي جورش.

فتورد الكاتبة هنا أمثلة من حياة عدد من الشبيبة المسلمة، ممّن لا يوجد في واقع سلوكهم وتصرفاتهم ما يؤخذ عليهم، ورغم ذلك واجهوا المشكلات مع السلطة، بسبب انتمائهم إلى تلك المنظمات، التي وصمتها السلطات بالمشبوهة.

وواضح أنّ الكاتبة تريد من ذلك إنكار الأسلوب التعميمي المتّبع في الحديث عن الإسلام والمسلمين في كثير من الأوساط السياسية والإعلامية وحتى الفكرية والثقافية بألمانيا.

لتصل مع نهاية الفصل الثاني إلى السؤال عن حقيقة الخطر الذي يمكن أن يصدر عن الشبيبة المسلمة في ألمانيا، وقد أصبحت غالبيتها من تلك النماذج التي أطلقت عليها الكاتبة وصف "مسلمي البوب"، ولا تقصد بذلك أنّها مقتصرة على "جانب ترفيهي ملتزم بالإسلام"، بل انتشار النظرة الفكرية المتوازنة، والسلوك الاجتماعي القويم، انطلاقا من الالتزام بالإسلام.

وإن اعتبرت الكاتبة هذا التوجه جزءا من "الإسلام المحافظ"، سواء من حيث العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، ممّا يندرج في فكرها الغربي بطبيعة الحال تحت عنوان التحرّر أو "الحرية الشخصية"، أو من حيث التفاعل والتأثّر بما يجري في المنطقة الإسلامية من أحداث.

وتصل إلى غايتها في هذا الفصل بالتأكيد أنّها لا ترى في هذه التوجهات على مستوى الشبيبة خطرا على المجتمع الألماني والدولة الألمانية، ولكن قد يمثل ضغوطا على مسلمين آخرين من الشبيبة لا يلتزمون بالإسلام وتعاليمه، فما تمارسه غالبية الشبيبة المسلمة في هذه الأثناء يتمتّع بجاذبية خاصة، وتأثير مباشر على الآخر.

"
قد يختلف القارئ المسلم مع بعض المعايير والمواقف والتفاصيل التي توردها الكاتبه، ولكن ما تطرحه يأخذ مكانة متقدّمة بين الكتابات القليلة المنصفة للإسلام والمسلمين ولا سيّما جيل الشبيبة المسلمة في أوروبا
"
وتنقلها خاتمة الفصل الثاني إلى ما تريد الوصول إليه عبر كتابها، فتناقش الرؤية السائدة في ألمانيا -والغرب عموما- بشأن الخوف من الظاهرة الإسلامية، حتى في تلك الصيغة التي أطلقت عليها وصف "مسلمي البوب".

فكثير من المسؤولين، لا سيّما في المخابرات الغربية، يعتبرونها خطوة تربط الشبيبة المسلمة بالتديّن، فيتحوّل ذلك إلى تمهيد لربطهم بأفكار العنف والتكفير لاحقا.

وهذا ما يأتي التعبير عنه بمنع الدعم، والعزلة، والمراقبة الاستخباراتية، وتؤكّد أنّ الاتجاه الإسلامي الذي تتحدّث عنه، وإن كان "محافظا" وفق المعايير التي تراها، أقدر على الوصول إلى الشبيبة، بمن في ذلك من يتأثّرون بدعوات العنف، ويمكن الاستفادة من ذلك عبر الحوار والتنسيق والتعاون.

قد يختلف القارئ المسلم مع بعض المعايير والمواقف والتفاصيل التي توردها يوليا جيرلاخ في كتابها، ولكن ما تطرحه يأخذ مكانة متقدّمة بين الكتابات القليلة المنصفة للإسلام والمسلمين ولا سيّما جيل الشبيبة المسلمة في أوروبا.

ويتميّز بصيغة مقنعة، وطرح رؤى عملية للتعامل الرسمي والشعبي مع الوجود الإسلامي في الغرب، وما أصبح يمثل ظاهرة إسلامية راسخة فيه.

المصدر : الجزيرة