سكينة بوشلوح
أصبحت ظاهرة العولمة حديث العام والخاص، ولم تعد حكرا على المستويات الرسمية فقط، كما أصبحت محل اهتمام الفرد البسيط والعادي في المجتمع.

أما تأثيراتها فلم يعد أحد بمنأى عنها، إذ امتدت إلى الأفراد في حياتهم اليومية وأوضاعهم المعيشية وقيمهم الاجتماعية، فهي اليوم ترتبط بما يرونه ويسمعونه يوميا في وسائل الإعلام العابرة للحدود.

ورغم وجود العديد من البحوث والكتابات التي تناولت علاقة الظاهرة بالدولة عموما، فإن موضوع العولمة وعلاقتها بجزئية السياسة الجنائية التي ترتبط بسيادة الدولة من جهة وبحماية الأفراد وممتلكاتهم من جهة ثانية، قلما يجري الحديث عنه أو البحث فيه.

لأجل ذلك لم يجد الأستاذ عثامنية لخميسي المختص في العلوم القانونية والإدارية بجامعة بسكرة (جنوب شرق الجزائر) حرجا في طرق باب هذا الموضوع وتناول أهم مستجداته، وذلك من خلال كتابه "عولمة التجريم والعقاب".

هل نحن أمام ميلاد سياسة جنائية دولية أم أمام مجرد عولمة للسياسات الجنائية للدول؟ تلك هي الإشكالية التي باشر بها المؤلف حديثه عن الجريمة والعقاب في ظل الأوضاع الجديدة التي تعرفها المجتمعات، وهي نفسها الإشكالية التي مثلت مقدمة لفصلين من الكتاب، أولهما بعنوان "العولمة وعلاقتها بفكرة التجريم والعقاب" والثاني بعنوان "عولمة السياسة الجنائية".

- الكتاب: عولمة التجريم والعقاب
- المؤلف: عثامنية لخميسي
- عدد الصفحات: 219
- الناشر: دار هومة، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2006

 
الجريمة في ظل العولمة
الجريمة كما يعرفها المؤلف هي كل عمل غير شرعي يرتكبه الفرد ويؤدي إلى المساس بالإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه، أو بالمجتمع ونظمه السياسية والاقتصادية، كما يمكن تعريفها بأنها كل فعل اعتبره المشرع جريمة ورتب له جزاء.

وتجريم أي فعل من طرف المشرع إنما يتم وفق معيار حماية الحقوق، باعتبارها –أي الحقوق- تحتاج كلها إلى حماية، مع التفاوت في هذه الحماية بحسب التفاوت في درجة الحاجة.

فهناك حقوق يمكن حمايتها إداريا وأخرى مدنيا، في حين توجد حقوق أخرى -ونظرا لأهميتها بالنسبة للفرد والمجتمع- لا يمكن حمايتها إلا بنصوص تجريمية، يعبّر عنها بالمصالح الجديرة بالحماية "الجنائية".

ولتحديد هذه المصالح في أي مجتمع كان، يعتمد المشرع على القيم الاجتماعية التي يضيفها المجتمع على الأشياء، لأجل ذلك يرى المؤلف أن ما يعد مصلحة جديرة بالحماية في مجتمع ما، قد لا يعتبر كذلك في مجتمع آخر وذلك تبعا لسلم القيم الاجتماعية الموجود في كل مجتمع وتبعا لتقاليد هذا المجتمع وعقيدته وأعرافه.

ومن هنا فإن ما يعد جريمة في مجتمع ما قد لا يعد جريمة في مجتمع آخر، إذ باختلاف الترتيب القيمي للمصلحة تحدد طبيعة الحماية الواجبة لتلك المصلحة.

فالزنا في المجتمعات الإسلامية التي تعتمد أساسا على تركيبة الأسرة وتلاحمها وتحارب اختلاط الأنساب وما ينجر عنه من تفكك داخل الأسرة، يختلف عن الخيانة الزوجية في بعض المجتمعات التي قد تصل أحيانا إلى عدم تجريمها، وإنما فقط تفتح المجال لفك الرابطة الزوجية.

"
ظاهرة العولمة انعكس أثرها بصورة جلية وواضحة في مجال الجريمة المنظمة والجماعية، مما جعلها تتسم بخطورة إجرامية خاصة بالنظر إلى الأسلوب الذي تعتمد عليه وسرعة الانتشار وقوة الأدوات
"
إن حتمية النتيجة في ثقافة العولمة التي تنتشر عن طريق وسائل الاتصال المتطورة جدا ولا تستطيع الدولة -بأي حال من الأحوال- منعها من الدخول ولا فرض تأشيرة على دخولها، قد يؤثر في تحديد المصالح الجديرة بالحماية.

إذ يكفي لتغييرها -كما يشير المؤلف- تغيير قيم المجتمع وأعرافه، ومن ثم تصبح النصوص الجنائية بدون موضوع ويفرغ محتواها في مقابل الواقع الذي تعيشه مجتمعاتها، كما هو الشأن في بعض الجرائم الأخلاقية التي تنص عليها أغلب التشريعات العربية.

والتفاتا منه إلى الناحية الاقتصادية في تحديد المصالح الجديرة بالحماية، يؤكد لخميسي أن الشركات المتعددة الجنسيات تعمل بصورة مباشرة أحيانا أو عن طريق المنظمات الدولية التي تستعملها أحيانا أخرى بالضغط على الدول، من منطلق هيكلة اقتصادها وتطويره أو الانضمام إلى هذه المنظمات والاستفادة من بعض الامتيازات في المجال الاقتصادي أو الحصول على قروض أو مساعدات مالية، لإدخال تعديلات على منظومتها التشريعية بما يحقق مصالح هاته الشركات برفع الحواجز على التبادل التجاري وإلغاء التعريفة الجمركية ورفع الدعم عن المنتوج المحلي.

وقد يتعدى ذلك إلى إدخال تعديلات على نصوص تجريمية، كما هو الحال بالنسبة لحركة رؤوس الأموال وقانون الأسعار.

وبهذا يتغير معيار تحديد المصالح الجديرة بالحماية، إذ بدلا من أن تقررها مصالح أفراد المجتمع أصبحت تقررها مصالح الشركات المتعددة الجنسيات.

أما عن طبيعة الجريمة في ذاتها، فيقرر المؤلف أن ظاهرة العولمة قد انعكس أثرها بصورة جلية وواضحة في مجال الجريمة المنظمة والجماعية، مما جعلها تتسم بخطورة إجرامية خاصة بالنظر إلى الأسلوب الذي تعتمد عليه.

وهو أسلوب متصف بالتنظيم وتسخير التقنيات الحديثة من حواسيب متطورة وشبكة إنترنت ووسائل اتصال مباشر وسريع عبر الأقمار الاصطناعية، وهي أساليب تصعب السيطرة عليها أو الكشف عنها بسهولة، وذلك من مثل جرائم غسل الأموال غير المشروعة وجرائم الحاسوب من قرصنة واختراق غير مشروع لأنظمة الغير وبرامجهم وتدميرها، وكذا الاعتداء على البيئة ودفن النفايات المحظورة والاتجار في الأثريات والثروات الثقافية.

في ظل ما سبق ذكره من معطيات يخلص المؤلف إلى أن العالم اليوم يشهد ظهور أشكال مختلفة من الجريمة لم تكن معروفة سابقا، أطرافها مختلفة تماما سواء فيما يتعلق بالجاني أو بالمجني عليه، ومكان ارتكابها لم يعد يقتصر على إقليم واحد وإنما يشمل جميع أقطار العالم، وضحيتها لم تعد فردا أو مجموعة وإنما أصبحت دولا ومجتمعات بأكملها.

كما أن الوسائل التي تعتمد عليها لم تعد تقليدية وإنما أصبحت وسائل متطورة جدا، وبذلك أصبحت التشريعات الوطنية (المحلية) غير قادرة على التعامل معها ولا على احتوائها.

"
ما يؤخذ على المعاهدات هو أنها عالجت الحقوق التي تمثل الحد الأدنى لحقوق الإنسان من منظور عالمي يأخذ فقط بالقيم الاجتماعية في الدول النافذة بالمجتمع الدولي دون مراعاة للخصوصيات التي تتمتع بها باقي شعوب المعمورة
"
العقوبة في ظل العولمة
يقرر المؤلف بداية أن العقوبة -شأنها شأن الجريمة- قد تأثرت بظاهرة العولمة بصورة واضحة، إذ من منطلق البعد الثقافي للظاهرة الذي يعمل على احتواء الثقافات المختلفة وتكريس ثقافة العولمة عن طريق القضاء على خصوصية المجتمعات، تتأثر القيم الاجتماعية وبالتالي تتأثر العقوبة، على اعتبار أن القيم هي الأساس الذي تستمد منه وجودها أصلا.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية وتحت مطية تدويل قضية حقوق الإنسان، عملت ظاهرة العولمة على التأثير على العقوبة رغم أن حقوق الإنسان هي مجموع الحقوق التي ينبغي الاعتراف بها للفرد وتعتبر مقدسة وخالدة تحتمها الطبيعة الإنسانية كحد أدنى وتفرضها فرضا.

لأجل ذلك يتعين على الدولة -فضلا عن احترامها وحمايتها لهذه الحقوق- أن تعمل على تحقيقها للإنسان فعليا حتى يتمكن من التمتع بها حقيقة.

لذلك يؤكد عثامنية أن التزام الدولة فوري وحاسم لأنه التزام بتحقيق غاية وليس ببذل عناية، وبذلك تعددت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان بمختلف أنواعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولكن ما يؤخذ على هذه المعاهدات أنها -وإن كانت وليدة رغبة حقيقية وصادقة بهدف حماية حقوق الإنسان- فإنها عندما حاولت حصر الحقوق التي تمثل الحد الأدنى لحقوق الإنسان عالجتها من منظور عالمي يأخذ فقط بالقيم الاجتماعية في الدول النافذة بالمجتمع الدولي، دون مراعاة للخصوصيات التي تتمتع بها باقي شعوب المعمورة حتى فيما يتعلق بالعقيدة التي تعتنقها الشعوب.

ومن هنا يشير المؤلف إلى أن الأحكام الشرعية النابعة من الشريعة الإسلامية -سواء ما يتعلق منها بالحدود أو القصاص- في منظور المجموعة الدولية التي تتغنى بحقوق الإنسان، أحكام غير مستساغة بل هي من قبيل الاعتداء والتنكيل بالإنسان والمساس بآدميته.

لأجل ذلك تعمل كل منظمات حقوق الإنسان وبوسائل ضغط مختلفة على الدول الإسلامية من أجل تغيير هذه العقوبات، خاصة تلك المتعلقة بعقوبة الإعدام.

أما فيما يتعلق بالمتابعة القضائية، ومن منطلق أن السياسة الجنائية بأي دولة هي موازنة بين المصالح العامة والحقوق والحريات الفردية، وبما أن بعض الأنظمة الدكتاتورية والشمولية تتخفى وراء حماية المصالح العامة للمجتمع والنظام العام، يشير لخميسي إلى أن منظمة الأمم المتحدة عملت -وبإيعاز من منظمات حقوق الإنسان- على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تختص طبقا للنظام الأساسي بجميع الجرائم المتعلقة بالإبادة وجرائم الحرب والجرائم الماسة بحقوق الإنسان وجريمة العدوان، مهما كان الفرد الذي ارتكبها ومهما كانت جنسيته أو مكان ارتكابه للوقائع.

إن الواقع الذي يعيشه العالم اليوم جعل المؤلف يؤكد أن المحكمة الدولية تحولت إلى محكمة سياسية تهدف إلى خدمة مجلس الأمن أو بالأحرى إلى خدمة أعضائه، عبر التكييف الجنائي لجريمة العدوان مثلا.

إذ تم استحداث ما يطلق عليه بالحرب الوقائية التي تعني أن من حق أي دولة إذا ما شعرت بخطر يهددها من دولة أخرى أن تعلن عليها حربا وقائية دون أن يشكل ذلك عدوانا، ومن ذلك أيضا تحديد مفهوم الدفاع عن الأرض والعرض مقابل ما تقوم به إسرائيل مما تعده دفاعا عن النفس.

وبهذا غاب الدور الحقيقي لهذه المحكمة، بل إن دورها الحقيقي لم يتمثل يوما في حماية الإنسان.

"
بدلا من أن تعمل العولمة على خلق وبعث سياسة جنائية دولية لمكافحة الجريمة كل بحسب خصوصيته وقيمه الاجتماعية والدينية، تعمل على عولمة السياسة الجنائية للدولة دون أدنى اهتمام بخصوصيتها وتميزها
"
عولمة السياسة الجنائية
مفهوم العولمة، بتعبير آخر، هو نظام لا يستقيم مع مبادئ الدولة القومية ولا يعيش في ظل الخصوصيات الدولية، نظام لا وجود فيه للرأي المخالف أو القيم الخاصة التي لا تتفق مع مبادئه.

ومن هنا يؤكد المؤلف أن العولمة في تأثيرها على السياسة الجنائية للدول تعمل على احتوائها من جميع الجوانب، سواء من حيث التجريم أو العقاب أو أجهزة مكافحة الجريمة أو النظام القضائي أو حتى تنفيذ العقوبات، وذلك بإعطاء بديل موحد جاهز ليس مبنيا على التعاون الدولي لمكافحة الجريمة باعتبارها سلوكا شاذا ينبذه المجتمع ويهدد كيان المجموعة الدولية ويستوجب تكاثف الجهود للقضاء عليه، وإنما من باب فرض نموذج أقل ما يقال عنه إنه يقضي بصورة تدريجية على خصوصية كل شعب ودولة.

فبدلا من أن تعمل العولمة على خلق وبعث سياسة جنائية دولية لمكافحة الجريمة، كل بحسب خصوصيته وقيمه الاجتماعية والدينية، تعمل على عولمة السياسة الجنائية للدولة دون أدنى اهتمام بخصوصيتها وتميزها.

ثم إن المحكمة الجنائية الدولية -برأي عثامنية- لا يمكن إطلاقا أن تحل محل القضاء الوطني في حماية الحقوق والحريات الفردية ومكافحة الجريمة، بالنظر إلى قانونها الأساسي الذي يضعها بصورة مباشرة تحت وصاية مجلس الأمن الذي جعل منه حق النقض المقرر للدول الخمس الدائمة العضوية سوطا تضرب به الدول التي لا تعمل على حماية مصالحها الخاصة.

وما إنشاء محكمة جنائية دولية تحت إشرافه ووصايته إلا تكملة للنشاط السلبي لهذا المجلس، وتمكينا له من آلية قضائية دولية تستغل حتما في ضرب كل من يعمل ضد مصالح تلك الدول، فتحرك هذه المحكمة بإيعاز من مجلس الأمن وبتهمة جاهزة سلفا وعقوبات يحكمها مبدأ الشخصية لخدمة نظام اسمه العولمة.

في ختام الكتاب ينبه لخميسي إلى أن ترشيد التعاون الدولي في مجال تبادل المعلومات الخاصة بالإجرام والمجرمين، وكذا تدعيم التعاون الدولي في مجال تسليم المجرمين المطلوبين للعدالة في أوطانهم، هي الإجراءات الوحيدة الكفيلة بخلق جهاز قضائي دولي قوي بعيد عن أي ضغوط سياسية، ولا يخضع على الأقل لحق النقض لتجريم السلوكيات وإدانة الأفراد.

المصدر : الجزيرة