عرض/ زياد منى
هل ثمة جديد يمكن اكتشافه في جذور القضية الفلسطينية واغتصابها وتحويلها إلى مستوطنة يهودية والكتابة عنه؟

نعم.. وقد أوضحت مراجعتنا السابقة لكتاب إلان ببيه "التطهير العرقي في فلسطين" الذي نشره الموقع أن ثمة كثيرا من الخفايا -وربما أكبر بكثير مما يظن- عن هذه القضية المستعصية على الحل، في المستقبل المنظور على الأقل.

بنية الكتاب

-الكتاب: دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين (1840-1914)
-المؤلف: نائلة الوعري
-الصفحات: 400
-الناشر: دار الشروق، عمان
-الطبعة: الأولى 2007

قسمت المؤلفة كتابها الذي يتعامل مع أدوار وممارسات قنصليات أوروبية وتوابعها في التمهيد لتحويل فلسطين إلى وطن يهودي، وكذلك مع المسائل النظرية المرتبطة بالموضوع، إلى خمسة فصول ذات عناوين دالة سنعود إلى كل واحد منها لاحقًا، وأثرتها بنحو مئة صفحة من الوثائق ذات العلاقة.

وفي مقدمة الكتاب شرحت المؤلفة منهجية عملها، وهو أمر مفيد للقارئ يمكنه من متابعة مواد المؤلف وبنيته. وتلخص نائلة الوعري هدفها في رصد الأطماع الأوروبية في فلسطين والإستراتيجيات اليهودية/الصهيونية لاستيطان البلاد ومن ثم الاستيلاء عليها.

ولأن فلسطين كانت جزءا من دولة الخلافة العثمانية، فقد لجأ القناصل الأوروبيون إلى مختلف الطرق القانونية وغير القانونية لتسهيل تحقيق أهداف بلادهم، وفي الوقت نفسه دعم حركة الهجرة اليهودية المرتبطة أصلاً في ذلك الوقت بالعديد من القوى الأوروبية العظمي حينذاك وهي فرنسا وبريطانيا اللتان كانتا تتصدران تلك الأطماع، كونهما الدول الأوروبية الأقوى، ثم لحقت بهما كل من ألمانيا وروسيا التي حاولت التأثير بسبب كبر حجم الطوائف الأرثوذكسية في البلاد.

وتخصص المؤلفة قسمًا من مقدمة العمل لشرح كيفية تحصيلها المواد وتقويمها ومن ثم إعدادها للتوظيف في البحث، وهي تشرح بالتفصيل محتوى بعض الوثائق التي استخدمتها في الكتاب وتشير إلى درجات أهميتها.

الاهتمام بفلسطين
"فلسطين محط الاهتمام اليهودي والدولي (1840-1914)" عنوان
فصل تمهيدي خصصته المؤلفة لعرض اهتمام قوى يهودية بفلسطين، وكذلك استحالتها محط أطماع دول أوروبية بسبب كونها "أرضًا مقدسة" تمنح القوة المسيطرة عليها "ميزة أفضلية روحية" على غيرها.

كما أن اختيار المؤلفة عام 1840 منطلقًا للبحث والتقصي موفق، حيث إنه يشكل العام الذي تمكنت فيه بريطانيا من حسم الصراع على المشرق العربي, فقد تمكنت من هزيمة محمد علي وإبعاد فرنسا عن الإقليم وإلحاق هزيمة كاملة بها، وبالتالي تمكنها من ممارسة الدور الأكثر تأثيرًا في الدولة العثمانية ومصيرها اللاحق.

من المهم انتباه المؤلفة إلى اهتمام الغرب بفلسطين كونها "أرضًا مقدسة"، ما عنى بالتالي اهتمامًا دينيًا حتى على المستوى الشعبي بمعايير تلك الفترة بالطبع، ما أدى إلى تدفق رجال الدين الأوروبيين وتصاعد اهتمام القناصل بهذا الجانب حيث وسعوا من دائرة تدخلاتهم لتضم مجالات الاقتصاد والحياة الاجتماعية والدراسة وغيرها.

النظام القنصلي
تناولت المؤلفة في فصل "النظام القنصلي في فلسطين (1840-1914" الذي يعد الأول، جذور النظام القنصلي الذي استخدمته الدولة الأوروبية للتسلل إلى الدولة العثمانية والتدخل في أمورها الداخلية.

ونود هنا التنويه إلى هذا القسم المهم لأنه يظهر كيفية استغلال الدول القوية القوانين والأعراف الدولية -بالأحرى مواده التي تناسب مصالحها الاستعمارية وتخدمها- للتوسع والتغلب على الضعفاء.. كان ذلك في الماضي، والصورة اليوم لم تتغير.

"
نظام الامتيازات والتمثيل القنصلي منحا الدول الأوروبية الاستعمارية غطاء للتدخل السافر في ما يعد شؤونًا داخلية للدولة العثمانية، ومن ذلك حماية المسيحيين وحماية المصالح الحيوية للبلدان الأم
"
وقد ضم هذا الفصل الذي ربما من الأفضل عده مدخلاً للدراسة، موادّ جديدة هي "الدلالة اللغوية والدبلوماسية للنظام القنصلي" تفصل -وإن على نحو مقتضب- ولادة هذا النظام في العهد الإغريقي، ومن ثم تطوره لاحقًا في أوروبا.

وقد اهتمت المؤلفة بشرح موقع وعمل كل جزء من هذا النظام مثل: القنصلية، القنصلية العامة، مراتب القناصل، القنصل الفخري.. إلخ، إضافة إلى الحصانات الممنوحة للقناصل والأمور التي يتميزون بها عن غيرهم من "الأجانب" المقيمين في غير دولهم، ومن ذلك الحصانة الشخصية والإعفاء من الضرائب والتفتيش الجمركي، إضافة إلى القيود الأخرى التي تفرض على المواطنين الأجانب في غير دولهم.

وهذا الفصل يساعد -في ظننا- القارئ على إدراك الكيفية التي تمكن بها القناصل الأوروبيون من ممارسة دورهم الاستعماري داخل الدولة العثمانية.

كما تستعرض المؤلفة في هذا الفصل نشوء النظام القنصلي في مجمل بلاد الشام وتطوره، ملاحِظة أن جذوره تمتد إلى نظام الامتيازات التي منحت لبعض الدول الأوروبية منذ أيام السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1535.

كما لاحظت أن نظام الامتيازات والتمثيل القنصلي منحا الدول الأوروبية الاستعمارية غطاءً للتدخل السافر في ما يعد شؤونًا داخلية للدولة العثمانية، ومن ذلك "حماية المسيحيين" وحماية "المصالح الحيوية" للبلدان الأم.

وقد أصابت حين رأت أن نظام الامتيازات الذي ولد في أوروبا، شكل الأرضية القانونية لنظام التمثيل القنصلي.

ولم تكتف المؤلفة بالإشارة إلى المسائل النظرية ذات العلاقة بموضوع هذا الفصل حيث استعانت بسجلات قديمة في فلسطين لتوضيح تأثر تلك الامتيازات والاتفاقات بالأوضاع في فلسطين، ومنها محفوظات أرشيف بلدية نابلس الذي أشار إلى محاولات القناصل ونوابهم اختراق معترك الحياة اليومية في نابلس والقدس وعكا وحيفا.

أطماع أوروبية

"
تدخل الألمان في شؤون الدولة العثمانية لصالح اليهود الصهاينة كان واضحا، على عكس الانطباع السائد بأن تحالف الألمان مع العثمانيين كان كابحًا لذلك الاهتمام
"
يتناول الفصل الثاني وهو بعنوان "الأطماع الأوروبية في الولايات الشامية وفلسطين (1840-1914)"
أمرًا مهمًا آخر هو هدف تدخل القناصل في شؤون الدولة العثمانية وأطماع الدول الاستعمارية فيها والجديد في ذلك.

وقد تناولت المؤلفة الأمر على نحو تفصيلي حيث خصصت أقساما منفصلة للتعامل مع أطماع كل دولة على حدة (البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية، وأخيرا النمساوية على محدوديتها) وبتفصيلات مختلفة مثيرة.

غير أن أكثر ما أثار انتباهنا على نحو إيجابي، مدى التدخل الألماني في شؤون الدولة العثمانية لصالح المستوطنين اليهود/الصهاينة.

ولابد من التنويه إلى أهمية هذا الفصل حيث ساد انطباع سابق بأن تحالف الألمان مع العثمانيين كان كابحًا لذلك الاهتمام.

وربما يكون من المفيد تناول باحثين جدد هذا الموضوع ضمن إطار ميل ميزان القوى داخل الحركة الصهيونية العالمية لصالح الطرف اليهودي-الألماني.

القناصل والهجرة اليهودية
يتناول الفصل الثالث "دور القناصل في تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيعها" بتفاصيل متباينة، الأدوار التي مارستها القنصليات في تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتشجيعها، مستفيدة من الامتيازات التي تمتعت بها، وموظفة إرسالياتها وبعثاتها التنصيرية.

وقد خصصت المؤلفة قسما من هذا الفصل لتناول مختلف الأدوار كل على حدة: السياسي والعسكري والاقتصادي والديني والتنصيري، كما تناول الفصل بالبحث أدوار مختلف القناصل.

وقد ضم هذا الفصل بعض التفاصيل عن أحداث محددة تدعم الفكرة النظرية لدى المؤلفة، ومنها على سبيل الذكر: محاولة القنصليات منع أذان الفجر بحجة أنه يزعج السكان غير المسلمين، وتوفير القنصل البريطاني العام في القدس دعما ماليا لبعض المشاغبين المحليين لإثارة فتنة في المدينة، وذلك وفق وثيقة خاصة من ممتلكات آل النمر.

"
من نشاطات القنصليات لتحويل فلسطين إلى أرض توراة، شراء الأراضي أو مساعدة اليهود في ذلك وزراعتها، إضافة إلى تأسيس المراكز والإرساليات الدينية ومنح الحماية للمهاجرين اليهود الذين تجاوزوا القوانين
"
ولم يغب عن المؤلفة استعراض ممارسات مؤسسات تبدو علمية محضة، ولكن جوهر مهمتها تمثل في وضع أرضية تاريخية مزعومة لتحويل فلسطين من وطن الفلسطينيين إلى "أرض التوراة"، ومنها على سبيل المثال "صندوق استكشاف فلسطين" وغيره.

كما عقدت -وإن على نحو مقتضب- مقارنة بين إثارة قناصل بريطانيا الفتن الطائفية والمذهبية في فلسطين ورديفها الفرنسي في جبل لبنان.

وقد لخصت المؤلفة تلك النشاطات في أمور محددة هي شراء الأراضي أو مساعدة اليهود في ذلك وأيضًا في زراعتها وتشجيرها وفلاحتها، إضافة إلى تأسيس المراكز والإرساليات الدينية ومنح "الحماية" للمهاجرين اليهود الذين تجاوزوا القوانين المحلية الخاصة بإقامة الأجانب.

العثمانيون والنشاطات القنصلية
مع أنه صدرت مؤلفات عديدة عن هذا الموضوع وتقوم إيجابيًا موقف الدولة العثمانية من مسألة الهجرة اليهودية/الصهيونية إلى فلسطين، فإن من الأمور الإيجابية أن تذكر المؤلفة القراء بهذا الأمر في هذا الفصل الرابع "موقف الدولة العثمانية من النشاطات القنصلية"، خصوصًا انعطاف تلك السياسة على نحو كامل مع تزايد نفوذ جمعية الاتحاد والترقي.

كما أن تناول المؤلفة مسألة تصدي أهل فلسطين لتلك المشاريع والتدخلات في فترة مبكرة بدأت مع وصول موجات الهجرة اليهودية الأولى، على عكس مؤلفات أخرى تضع تلك النشاطات في فترة متأخرة نوعًا ما.

الاستيطان اليهودي
أنهت المؤلفة كتابها منطقيًا في الفصل الخامس "النشاط الاستيطاني اليهودي الصهيوني في فلسطين" باستعراض هذا النشاط الاستيطاني في فلسطين في الفترة ذات العلاقة، مركزة على موجات الهجرة الرئيسية (1882-1884) و(1884-1914) وأدوار القناصل الأوروبيين في دعمها وترسيخها بمختلف الوسائل التي أشير إليها أعلاه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك