عرض/حسن أبحيص
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتابه الجديد بعنوان "آفاق الأمن الإسرائيلي.. الواقع والمستقبل" والذي هو في أصله بحث علمي نال به مؤلفه خالد وليد محمود درجة الماجستير من الجامعة الأردنية سنة 2007.

المؤلف يرصد العوامل والمحددات التي أسهمت في إيجاد المناخ الأمني المعقد المحيط بـ "إسرائيل" ويحللها، ويعمل على إبراز مصادر التهديد للإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، وتحديداً في الفترة الزمنية من 1991-2006.

كما يحاول توضيح التغيرات والتحولات التي طرأت على مفهوم الأمن الإسرائيلي، في ظل تغير المعطيات الإستراتيجية والسياسية في المنطقة.

-الكتاب: آفاق الأمن الإسرائيلي.. الواقع والمستقبل
-المؤلف: خالد وليد محمود
-الصفحات: 217
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات, بيروت
-الموزع
: الدار العربية للعلوم، نيل وفرات دوت كوم
-الطبعة: الأولى/نوفمبر 2007

وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تسعى إلى قراءة إستراتيجية "إسرائيل" الأمنية وسياستها الحالية والمستقبلية، وتأثير ذلك على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي عموماً، والفلسطيني الإسرائيلي بشكل خاص، وعلى مستقبل مشروع التسوية في المنطقة.

ويتوقع لها أن تكون مرجعاً للدارسين والمهتمين والباحثين في قضايا الأمن والإستراتيجية الإسرائيلية، خاصة وأن الموضوع الذي تناولته الدراسة يُعدّ من المواضيع التي لم يوجه لها الاهتمام الكافي، إضافة إلى قلة المراجع والمصادر العربية الحديثة التي تناولت الأمن الإسرائيلي والمستجدات التي طرأت عليه في هذه الفترة.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن "المستجدات التي طرأت على النظرية الأمنية الإسرائيلية في العقد الأخير من القرن العشرين أفضت إلى جعل الأمن الإسرائيلي أكثر تهديداً من ذي قبل".

وتُرجع ذلك إلى تغير البيئة السياسية والأمنية والإستراتيجية في المنطقة، خصوصاً في ظل تراجع مكانة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وتزايد نفوذ حركات المقاومة المسلحة في المنطقة المتمتعة ببعد شعبي واسع، وبروز إيران كدولة منافسة قوية.

ويخلص الكاتب إلى أن الأمن الإسرائيلي احتل، وما يزال، موقع الصدارة في قائمة الأهداف العليا والإستراتيجية لـ "إسرائيل"، وكان موضع إجماع داخلي بين كافة القوى الحزبية بمختلف تلاوينها السياسية والأيديولوجية.

ويضيف خالد وليد محمود أن "إسرائيل" استطاعت أن تجعل منه مسألة مصيرية، محولة إياه إلى عقدة جماعية ما زالت تتحكم في تحديد اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي.

كما يرى في المعطيات الراهنة دليلاً على أن العقلية الإسرائيلية ستبقى رهينة لـ "عقلية القلعة" المبنية على هاجس الأمن، والذي سيبقى حاضراً في كل سياساتها الداخلية والخارجية؛ حيث لم ينجح العرب في إقناعها بالتخلي عن مفاهيمها الأمنية القديمة، ولم يستطيعوا نزع ذريعة الأمن من القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، على الرغم من تخليهم منذ سنين طويلة عن الخيار العسكري، وتراجعهم عن أفكارهم الداعية إلى تدمير دولة "إسرائيل".

مفهوم الأمن الإسرائيلي
تناول الفصل الأول من الكتاب الأطر المفاهيمية للأمن الإسرائيلي، مستعرضاً خلفية هذا المفهوم وجذوره في الفكر الصهيوني، وتطوره منذ نشوء الدولة العبرية وحتى وقتنا المعاصر.

ورأى الباحث أن ثمة مساحة واسعة في الفكر الأمني الإسرائيلي، خصوصاً تلك التي جاء بها ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء للدولة العبرية وأحد مؤسسيها، استمدت شرعيتها السياسية من الأفكار والتعاليم التي جاءت بها الديانة اليهودية، وإلى حد يمكن القول فيه إن الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ما هي إلا إطار فكري وتطبيقي للعقيدة الدينية، سواء على صعيد الدعوة للاستيلاء على الأرض "تنفيذاً لوعد الرب" أو من خلال القناعات اليهودية الصهيونية.

وقسّم الكتاب المراحل التي مر بها مفهوم الأمن الإسرائيلي إلى أربع مراحل أساسية: مرحلة القاعدة الاستيطانية، ومرحلة تحويل القاعدة إلى دولة، ومرحلة التوسع، ومرحلة الهيمنة.

"
مفهوم الأمن الإسرائيلي ليس جامداً، بل هو متحرك يواكب السياسة التوسعية التي تنتهجها "إسرائيل" ويتبدل باستمرار بتبدل الظروف السياسية والعسكرية المحيطة
"
وخلص إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي ليس مفهوماً جامداً، بل هو متحرك يواكب السياسة التوسعية التي تنتهجها "إسرائيل"، ويتبدل باستمرار بتبدل الظروف السياسية والعسكرية المحيطة. كما أن هذا المفهوم لا يعني الدفاع عن أرض محددة، بل يتحقق على أساس "ردعي" يمنع بمعطياته نشوب حرب أخرى، إلى أن تحين الظروف التي تراها القيادة الإسرائيلية مناسبة.

كما استعرض هذا الفصل ثوابت الأمن الإسرائيلي ومرتكزاته، وأولها نظرية الردع التي تبنتها "إسرائيل" في إطار عقيدتها الأمنية، بهدف التقليل من احتمالات اندلاع الحرب بينها وبين العرب، ودفعهم إلى التسليم بها كأمر واقع، عن طريق إقناعهم بأن أية مجابهة معها ستكون باهظة الثمن.

إلى جانب إستراتيجية الحرب الاستباقية، وهي صفة اتسمت بها معظم الحروب التي شنتها "إسرائيل" ضد الدول العربية، وتشكل أحد أنماط التعبير عن مصداقية الردع.

إضافة إلى مفهوم الحدود الآمنة، الذي يعدّ وفق النظرية الأمنية الإسرائيلية مفهوماً متغيراً وقابلاً للتمدد بما يتماشى مع متطلبات الأمن الإسرائيلي.

وأخيراً عامل العمق الإستراتيجي، الذي يعدّ غيابه من التحديات الرئيسية للنظرية الأمنية الإسرائيلية؛ نظراً لوضع الدولة الجغرافي.

ومن هنا رأى مخططو الأمن الإسرائيلي أن من شأن أي حرب شاملة أن تهدد وجود الدولة، وهو ما دفعهم إلى تجنب أي حرب من هذا النوع على أراضيها، وبلورة مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو، لإيجاد عمق إستراتيجي مصطنع.

الأمن الإسرائيلي ببيئة إستراتيجية متغيرة
الفصل الثاني من الكتاب بحث تأثير تغير البيئة الإستراتيجية في العقدين الأخيرين على الأمن الإسرائيلي. ورأى الباحث أن أموراً مهمة بدأت تتغير على الصعيد الأمني الإسرائيلي منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بفعل عدد من العوامل التي غيرت الواقع السياسي والعسكري في المنطقة.

ومن بين تلك العوامل انهيار عدد من الركائز التي قامت عليها النظرية الأمنية الإسرائيلية، فلم يعد العمق الإستراتيجي الذي حققته "إسرائيل" باحتلال أراضٍ عربية مجاورة كافياً لمنع وصول التهديدات إلى المواقع الحيوية، بعد وصول الصواريخ العراقية وصواريخ حزب الله المدن والمنشآت الإسرائيلية.

إضافة إلى التغير الجوهري في المفهوم الأمني الإسرائيلي، والذي تمثل بانسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان دون قيد أو شرط عام 2000 تحت الضغط المباشر للمقاومة.

"
رغم أن "إسرائيل" تعمل على تفعيل الخيار الدبلوماسي للتعامل مع برنامج إيران النووي، فإنه من الصعب القول إنها لن تُقْدِم مستقبلاً على خطوات عسكرية، وخصوصاً إذا ما وصلت المساعي الدبلوماسية الدولية لإيقاف المشروع النووي الإيراني إلى طريق مسدود
"
وازدياد خطر التهديدات الداخلية للأمن الإسرائيلي من قبل الفلسطينيين بعد قيام السلطة الفلسطينية، وما شهدته عمليات المقاومة من تحول نوعي مهم، واستهدافها العمق الإستراتيجي لـ "إسرائيل".

إلى جانب اتفاقيات السلام الموقعة مع كل من مصر والأردن ومنظمة التحرير، مما أدى لتناقص احتمالات شنّ الدول العربية حرباً تقليدية ضد "إسرائيل".

ثم انتقل محمود لاستعراض المهددات الداخلية للأمن الإسرائيلي، وتشمل المقاومة الفلسطينية المسلحة التي رأى أن عملياتها غدت رقماً صعباً في معادلة الأمن القومي الإسرائيلي؛ نتيجة إدخالها عناصر جديدة عليها.

ذلك أن تلك العمليات بيّنت عدم فاعلية المعالجات العسكرية لها، وبرهنت على عدم جدوى الحل العسكري الإسرائيلي لحفظ أمن دولة "إسرائيل".

إضافة إلى الخطر الديموغرافي الذي عدّه الأزمة الداخلية الأكبر التي تواجه "إسرائيل"، معدّداً الخطط التي تتبعها الأخيرة لمواجهة هذا الخطر.

كما استعرض المهددات الخارجية المتمثلة في البرنامج النووي الإيراني، والتطور في تكنولوجيا الصواريخ البالستية، والأصولية الإسلامية، ومهددات الجبهة الشمالية (سوريا وحزب الله).

وفي الوقت الذي يشهد جدلاً واسعاً بالفترة الأخيرة حول أول هذه التهديدات، نتيجة التقدير الاستخباري الأميركي الذي أكد إيقاف إيران برامجها النووية العسكرية منذ عام 2003، يحمل الكتاب إشارة لافتة إلى أنه رغم أن "إسرائيل" تعمل على تفعيل الخيار الدبلوماسي للتعامل مع برنامج إيران النووي، فإنه من الصعب القول إنها لن تُقْدِم مستقبلاً على خطوات عسكرية، وخصوصاً إذا ما وصلت المساعي الدبلوماسية الدولية لإيقاف المشروع النووي الإيراني إلى طريق مسدود، وتأكد لها أن لا نية لدى الولايات المتحدة للقيام بضربة عسكرية ناجعة للجم طموحات إيران النووية.

إستراتيجية "إسرائيل" العسكرية
واستعرض ثالث فصول الكتاب الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية من خلال ثلاثة مباحث: خصائص التسلح والحرب المقبلة، والبرنامج الفضائي الإسرائيلي، والعلاقات الإستراتيجية بين "إسرائيل" وأميركا.

وخلص الباحث إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما زالت تحتفظ بالتفوق النوعي في جيشها وسلاحها، وما زال ميزان القوى بالشرق الأوسط يميل لمصلحتها، ويتضح من المعطيات المتوفرة أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية في تقدم مستمر، وما زالت "إسرائيل" الدولة النووية الوحيدة في المنطقة.

غير أنه أشار إلى وجود نقاط ضعف طرأت على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية رغم ذلك، وخصوصاً على صعيد الجيش الذي حصل فيه ترهل ضمن مجالات التدريب، ومستوى الطاقة البشرية والبنية والتنظيم، وهو أمر بدا واضحاً في المواجهة مع حزب الله خلال حرب يوليو/تموز 2006. إضافة إلى أن المقاومة الفلسطينية كشفت عن نقاط ضعف بالمنظومة العسكرية الإسرائيلية التي عجزت عن وقفها.

وأضافت الدراسة أن ثمة متغيرات طرأت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، أثّرت في بناء القدرات العسكرية الإسرائيلية، منها: تزايد القدرة الكمية العسكرية العربية، وحصول دول على منظومات من الصواريخ البالستية ذات المدى المتفاوت، وتلك التي تهدد العمق الإسرائيلي، وإمكانية حصول دول عربية وإسلامية مثل إيران وسوريا، على التكنولوجيا العسكرية بواسطة المال.

ولفت الكاتب إلى أن المساعدات العسكرية الأميركية تشكل الشريان الرئيس الذي يمكّن "إسرائيل" من المحافظة على تفوقها العسكري على العرب.

وأوضح أن "إسرائيل" حصلت خلال فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن الأولى على مساعدات عسكرية لم تحصل عليها سابقاً من أي إدارة أميركية أخرى، حيث حصلت ما بين عامي 2001-2005 على 10.5 مليارات دولار مساعدات نقدية و6.3 مليارات ثمن شراء أسلحة من الولايات المتحدة.

"إسرائيل" وخيارات الأمن والسلام

"
المطالب الإسرائيلية بخصوص أية تسوية قادمة مع العرب أو الفلسطينيين ستنطلق من عدد من النقاط المحددة، ومن بينها المطالبة بترتيبات أمنية مع الفلسطينيين ومع سوريا ولبنان؛ بحيث تبقي على حالة "اللاحرب" و"اللاسلم"
"
آخر فصول الكتاب بحث خيارات الأمن والسلام بالنسبة لـ "إسرائيل" من خلال أربعة مباحث: أولويات الأمن والسلام، والآثار التي تركتها عملية السلام على السياسة الأمنية الإسرائيلية، وأمن "إسرائيل" برؤية اقتصادية، ومستقبل الأمن الإسرائيلي.

واستنتج الكاتب من الأدبيات العسكرية والإستراتيجية الإسرائيلية أن مسيرة السلام لم تسهم حتى الآن، على مستوى المؤسسة العسكرية، في تكوين توجه نحو البدء بالانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم. بل يمكن القول إن الفكر العسكري الإسرائيلي يتجه نحو التخطيط لتصورات واحتمالات تندرج جميعاً في خانة حالة الحرب والنزاعات المسلحة.

وأشار إلى احتلال مسألة الأمن موقعاً مركزياً في الأولويات الإسرائيلية في كل المفاوضات العربية الإسرائيلية، وصولاً إلى الاتفاقيات التي وقعتها "إسرائيل" مع كل من منظمة التحرير ومصر والأردن.

وأضاف محمود أنه على ما يبدو، فإن سياسة الفصل الأحادي ستغدو السياسة المستقبلية التي ستسير عليها "إسرائيل"، وأن ثمة قناعة تفيد بأن الأخيرة ستتخلى عن أراضٍ محتلة لغايات تتعلق بأمنها الوطني وحساباتها الديموغرافية، دون أن تنتظر أو تشترط في المقابل سلاماً شاملاً أو تطبيعاً جدياً مع الجانب الآخر، ودون انتظار انبثاق شريك فلسطيني في العملية السياسية تقبل به أو ترضى عنه.

كما رأى أن المطالب الإسرائيلية بخصوص أية تسوية قادمة مع العرب أو الفلسطينيين ستنطلق من عدد من النقاط المحددة، ومن بينها المطالبة بترتيبات أمنية مع الفلسطينيين ومع كل من سوريا ولبنان؛ بحيث تبقي على حالة "اللاحرب" و"اللاسلم".

وإيجاد حدود توفر لـ "إسرائيل" أمنها، وفق إستراتيجية "الأحادية" التي ستسلكها الحكومات القادمة، بصرف النظر عمن سيشكلها أو يرأسها أو يشارك بها، مما يجعل الحديث العربي المتفائل عن فرص تنفيذ خريطة الطريق حديثاً ساذجاً لا معنى واقعياً له، سوى الضلوع عن قصد أو بدونه في عملية "تقطيع الوقت" التي أتقنت الحكومات الإسرائيلية فنونها وأساليبها بتفوق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك