عرض/ حسين عبد العزيز
يتناول الكتاب الخلافات الأميركية الأوروبية في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة حول طبيعة العلاقات الدولية والأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه، ومن ثم تأثير هذه الخلافات على البيئات الإقليمية المجاورة وخصوصا البيئة العربية التي انقسمت بين مشروعين أوروبي عربي عنوانه الشراكة المتوسطية، وأميركي عربي عنوانه الشراكة الأميركية المغربية.

أولا: الرؤية الأوروبية الأميركية لعالم ما بعد الحرب الباردة
يرى المؤلف أن الدول القومية الأوروبية أرست عام 1648 معاهدة وستفاليا التي تنص على اعتماد الأسلوب الدبلوماسي وحده لحل المشاكل فيما بين الدول، والحفاظ على سيادة الدول القومية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

لكن هذه الدول لم تفهم من المعاهدة سوى وسيلة لتعزيز قوتها فكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية نهاية للحقبة الوستفالية، غير أن الكوارث التي جاءت بها هاتان الحربان دفعت أوروبا إلى إعادة التفكير مليا في طبيعة العلاقات بين الدول الأوروبية.

-الكتاب: تأثير الخلافات الأميركية الأوروبية على قضايا الأمة العربية (حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة)
-المؤلف: ناظم عبد الواحد الداسور
-الصفحات: 526
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/2007

كان مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي عام 1948 أول خطوة نحو تحقيق الأمن الجماعي المتبادل بين دول القارة حيث تم تأسيس المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي، واتفاقية بروكسل للتعاون العسكري بين بعضها، ثم المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي انتهجت مبدأ العمل المشترك بالمرحلة الأولى ثم العلاقات الخارجية بالثانية دون الوصول لمرتبة التوافق السياسي التام حول القضايا الدولية.

لكن مبدأ العمل المشترك هذا نظر إليه الأميركيون بشيء من التحفظ والانتقاد أحيانا، مقارنة مع ما تطمح إليه الولايات المتحدة التي أرادت بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي إحكام سيطرتها على العالم وحرمان القوى الكبرى من ممارسة أي دور إقليمي أو دولي.

وقد تجلى هذا الاختلاف بين الرؤيتين في حلف الناتو حيث حاولت واشنطن التوفيق بين الأمن الأوروبي والأمن الأميركي في إطار مهام الناتو، الأمر الذي بدا مرفوضا من بعض الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا التي وجدت في الناتو جهاز تدخل خارج نطاق المنطقة المحددة له، ويعمل من دون تفويض من المنظمة الدولية.

والأهم من ذلك أن الدول الأوروبية ستضطر وفق النظام الذي وضعته واشنطن لمهام الحلف المشاركة في عمليات قد يتم إقرارها من قبل الولايات المتحدة وأهدافها بعيدة عن المصالح الأوروبية.

المشاريع الأميركية الأوروبية لاحتواء الوطن العربي
يقول المؤلف إنه منذ بروزها كقوة اقتصادية، راهنت المجموعة الأوروبية على إرساء سياسة أوروبية متوسطية قائمة على المصالح المشتركة بين الدول الأوروبية الغربية أولا وبين ضفتي الأطلسي ثانيا.

وكانت تحدوهم في ذلك ثلاثة عوامل: سياسية واقتصادية وأمنية، يتعلق العامل الأول بجعل حوض المتوسط منطقة للحوار والتبادل والتعاون الذي يضمن السلام والاستقرار والرفاه وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويتعلق العامل الثاني ببناء منطقة رخاء مشتركة من أجل تسريع إيقاع التطور الاجتماعي الاقتصادي الدائم، وتحسين شروط حياة السكان، أما العامل الثالث فقد شكل أكثر العوامل أهمية بالنسبة للمجموعة الأوروبية التي أكدت ضرورة الاستقرار والسلام وتشجيع الأمن الإقليمي مع ما يتطلبه من عمل جاد لمنع انتشار السلاح النووي والكيمياوي والبيولوجي.

"
عمدت واشنطن إلى تفعيل وابتكار آليات جديدة لاختراق حوض المتوسط والتقليل من تأثير الشراكة الأورو متوسطية على المصالح الأميركية بالمنطقة، فكانت الشراكة الأميركية المغاربية التي هدفت إلى تحويل دول المغرب العربي إلى منطقة اقتصادية تحت الرعاية الأميركية
"
غير أن الحرب على العراق خلطت الأوراق الأوروبية وأجندتها السياسية والاقتصادية والأمنية، ففي الوقت الذي كان الاتحاد الأوروبي يستعد لاستيعاب أعضاء جدد يدعمون توجهات الاتحاد الأوروبي الخارجية، اتجه الأعضاء الجدد باتجاه معاكس لسياسة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي رمى بتداعياته على مسيرة الشراكة الأوروبية المتوسطية.

في هذا الوقت عمدت واشنطن إلى تفعيل وابتكار آليات جديدة لاختراق حوض المتوسط والتقليل من تأثير الشراكة الأورو متوسطية على المصالح الأميركية بالمنطقة، فكانت الشراكة الأميركية المغاربية التي هدفت إلى تحويل دول المغرب العربي إلى منطقة اقتصادية واحدة تحت الرعاية الأميركية، وفتح الأسواق والصناعات الإنتاجية والاستخراجية أمام الاستثمارات الأميركية.

الرؤية الأوروبية الأميركية للتسوية السياسية الشرق الأوسطية
منذ أن أنشأت إسرائيل ككيان مغتصب لأرض إسرائيل، بدت المواقف الأوروبية الأميركية متطابقة في عدد من الثوابت الإستراتيجية التي تتعلق بوجود الدولة العبرية، لكن بمجرد أن طوت الحرب الباردة صفحاتها برزت على السطح التناقضات السياسية بين ضفتي الأطلسي.

لم يكشف مؤتمر مدريد للسلام حدود الدور الأوروبي في التسوية فحسب، بل كشف أيضا عدم تبلور سياسة خارجية أوروبية واضحة تجاه العديد من القضايا الدولية، إذ عجزت أوروبا عن توظيف مقدراتها الاقتصادية والسياسية لتطبيق المبادئ التي أعلنتها (الاعتراف بحق شعب فلسطين في إقامة دولته على أرض وطنه، وعدم شرعية المستوطنات، والاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية).

وكان الموقف الأوروبي يأخذ قوته من العرب حين يظهرون في موقف موحد كما حدث بعد حرب 1973، غير أن العرب مضوا في طريق التسوية الأميركية التي تقوم على النقاط التالية :
- تفريغ البعد الإستراتيجي للصراع من طبيعته العسكرية من أجل إبقاء إسرائيل القوة الوحيدة في المنطقة.
- تحويل الصراع إلى صراعات طائفية عرقية داخل دول المنطقة.
- احتواء دول المنطقة من خلال مشروع سياسي اقتصادي.
- رفض حل القضية الفلسطينية بالاعتماد على مقررات الشرعية الدولية.
- قيام دولة فلسطينية مرهون بحق إسرائيل في الوجود والأمن الدائم.

ثانيا: العلاقات الأوروبية الأميركية ما بعد 11 سبتمبر
يذهب المؤلف إلى أن الخطاب السياسي الأميركي في مجمله بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول تميز بالإصرار على التفرد والبناء الإمبراطوري من دون الاكتراث للعمل الجماعي الدولي، أو الالتزام بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وقد كان القراران الدوليان 1368 و1373 تجسيدا للخطاب السياسي الأميركي الجديد، حيث فرضت واشنطن بموجب هذين القرارين مفاهيم جديدة في السياسة الدولية تقوم على ثلاثة أركان:

أولا: الإيمان القوي بسمو المصلحة الأميركية على سواها.

ثانيا: التدخلية الإجبارية، بحيث يتركز العام الخارجي بوصفه الفضاء الخلفي للولايات المتحدة.

ثالثا: اعتماد نهج السيولة الموقفية، أي عدم الاتفاق على شكل محدد للعلاقة مع الآخر.

"
عبارة من ليس معنا فهو ضدنا وجدت نقدا لاذعا في القارة الأوروبية على المستوى الرسمي وعلى المستوى الأكاديمي، وقد عبرت فرنسا عن الموقف الأوروبي حين طالبت بعدم اختزال مشاكل العالم بمكافحة الإرهاب وحده
"
هذه المبادئ دفعت أوروبا إلى انتقاد الخطاب الأميركي الجديد، فعبارة من ليس معنا فهو ضدنا وجدت نقدا لاذعا في القارة الأوروبية على المستوى الرسمي وعلى المستوى الأكاديمي، وقد عبرت فرنسا عن الموقف الأوروبي حين طالبت بعدم اختزال مشاكل العالم بمكافحة الإرهاب وحدها، وعدم اللجوء إلى الوسائل العسكرية وحدها لحل المشاكل.

وقد ظهر هذا الخلاف بشكل جلي بعد طرح فكرة إمكانية العمل العسكري ضد العراق، حيث شكلت فرنسا وألمانيا وبلجيكا معسكرا مناهضا للحرب الأميركية على العراق، ولم يمتد هذا الخلاف داخل أروقة الأمم المتحدة فحسب، بل تعداه إلى اجتماعات المجلس الأوروبي واجتماعات الناتو.

وقد بلغ الخلاف ذروته عندما حاولت بعض الدول الأوروبية بزعامة فرنسية منع واشنطن من كسب نتائج انتصارها العسكري في العراق، الأمر الذي جعل الإدارة الأميركية تتجه إلى معاقبة عدد من الدول الأوروبية سيما فرنسا وألمانيا اللتين وصفتهما بأوروبا القديمة.

غير أن هرولة بعض الدول الأوروبية وراء المشروع الأميركي ضيّق ساحة المناورة الفرنسية الألمانية، وسيطرة الولايات المتحدة على نفط الخليج العربي، دفع باريس وبرلين إلى مراجعة شاملة لمواقفهما.

وقد كانت الوثيقة التي صدرت عن اللجنة السياسية في الاتحاد الأوروبي عام 2003 خارطة طريق سياسية لكيفية التعامل مع الولايات المتحدة، وقد نصت هذه الوثيقة على الأمور التالية:

- التأكيد على الحوار وتفوق القانون الدولي.
- الأخذ بعين الاعتبار العناصر الجديدة في السياسة الخارجية الأميركية التي جاءت كرد فعل على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.
- التأكيد على أن المفهوم الجيوبولوتيكي الذي لا يستبعد الحرب الاستباقية سيؤدي إلى خطر كبير على الاستقرار العالمي
- التنبيه إلى استمرار الإرهاب العالمي رغم التدخلات في أفغانستان والعراق.
- دعم الشراكة بين الطرفين، على أن يكون الدور العسكري للناتو منسجما مع سياسة الاتحاد الأوروبي.
- إن أوروبا موحدة قوية في عالم متعدد الأقطاب هي مصلحة أوروبية وأميركية.

المنظور الأميركي الأوروبي لأمن الخليج ما بعد احتلال العراق
بناء على مفهومها الأمني الواسع وضعت الولايات المتحدة في نظرها اعتبارات أربعة في تعاملها مع المنطقة حددت مسارات سياستها الشرق أوسطية، كما يراها المؤلف:

1- إن التعامل مع المنطقة العربية يتم من منظور يرى أنها تتشكل من دول عدة مختلفة الأحجام، والأهمية الاقتصادية والإستراتيجية، وليس التعامل مع العرب كأمة واحدة.

2- إن المنطقة العربية تعد جزءا من منطقة جغرافية أكبر، ألا وهي الشرق الأوسط المتعددة الهويات القومية والدينية.

3- إن أمن إسرائيل يشكل أحد العناصر الثابتة في السياسة الأميركية، ويجب المحافظة على تفوقها العسكري.

4- إن أي وجود أميركي في المنطقة لا يتم إلا من خلال وجود عسكري دائم.

"
بعض مراكز البحوث في واشنطن بدأت تطالب الأوروبيين بلعب دور كبير للدفاع عن المصالح الغربية، لكن المساحة الأميركية المعطاة للأوروبيين لا تتعدى المساحة المعطاة لها في الصراع العربي الإسرائيلي
"
ولذلك رفضت الولايات المتحدة المشاريع الأمنية المطروحة من دول المنطقة التي سعت لكي يكون الأمن إطارا واسعا تشترك فيه كل دول المنطقة من دون تدخل خارجي، كما جاء في البيانات الختامية للقمم السنوية لمجلس التعاون الخليجي.

ويرى المؤلف أن المنظور الأوروبي لأمن الخليج يختلف عن نظيره الأميركي، فهو لا يعدو أن يخرج بعيدا عن موقفه من الحرب على العراق، ولا عن احتوائها أزمة الملف النووي الإيراني.

إذ أكدت أوروبا أن الجهود السياسية يمكن أن تشكل دعائم للوضع الدولي بدلا من خيار القوة، فخسارة العراق نهائيا واستحواذ الولايات المتحدة على نفطه وثرواته الأخرى، دفع أوروبا وفرنسا بشكل خاص إلى العمل ضمن إطار الترويكا الأوروبية لمعالجة الملف النووي الإيراني بالشكل الذي لا يؤدي إلى خسارة إيران أيضا.

وقد أعطى توقيع طهران على البروتوكول الإضافي الذي سمح بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية، قوة دفع للموقف الأوروبي الذي يفضل الخيارات الدبلوماسية.

وهذا ما دفع بعض دول الخليج إلى إدراك أهمية الدور الأوروبي في المنطقة، وكان من نتائج ذلك أن بعض مراكز البحوث في واشنطن بدأت تطالب الأوروبيين بلعب دور كبير للدفاع عن المصالح الغربية، لكن المساحة الأميركية المعطاة للأوروبيين لا تتعدى المساحة المعطاة لها في الصراع العربي الإسرائيلي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك