عرض/محمود محارب
كتاب المذكرات الذي بين أيدينا يروي سيرة حياة عالم من زبدة النخبة الإسرائيلية، عمل لصالح المخابرات السوفياتية فترة تزيد على ثلاثة عقود زودها خلالها بالمعلومات المباشرة المتعلقة بتطوير إسرائيل أسلحتها البيولوجية والكيمياوية.

-الكتاب: ماركوس كلينغبيرغ.. الجاسوس الأخير
-المؤلف: ماركوس كلينغبيرغ
-الصفحات: 423
-الناشر: صحيفة معاريف, تل أبيب
-الطبعة: الأولى/2007

كما يسلط المؤلف الضوء على الجهد الإسرائيلي في تطوير أسلحة الدمار الشامل البيولوجية حيث شغل هذا العالم أهم المناصب المشرفة على هذا الجهد في تطوير هذه الأسلحة.

فقد تمكن ماركوس كلينغبيرغ صاحب الكتاب من نقل أهم وأخطر أسرار إسرائيل العسكرية المتعلقة بتطويرها الأسلحة البيولوجية والكيمياوية إلى الاتحاد السوفياتي في الفترة الممتدة من سنة 1950 وحتى 1983.

اشتبه جهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) به وحقق معه مرتين في فترتين متباينتين، بيد أنه فشل في اكتشافه إلا سنة 1983. كذلك فشل الشاباك في اكتشاف أن زوجة ماركوس كلينغبيرغ كانت تعمل معه لصالح المخابرات السوفياتية.

وأيضاً فشل الشاباك في اكتشاف عالمين إسرائيليين آخرين جندهما المؤلف للعمل لصالح المخابرات السوفياتية، وقد فارقا الحياة من دون أن يكتشفا.

هذه المعلومات هي غيض من فيض ما يكشف النقاب عنه المؤلف في كتاب مذكراته الذي نشره بعد أن قضى فترة محكوميته في السجن وهاجر إلى فرنسا، والذي صدر باللغة العبرية وجاء في مقدمة وأربعة عشر فصلاً وخاتمة.

قصة الاعتقال
يبدأ كلينغبيرغ بلحظة اعتقاله في يناير/ كانون الثاني 1983 حيث يروي كيف نظم له الشاباك دعوة مزورة للمشاركة في مؤتمر خارج إسرائيل، وألقى القبض عليه في المطار يوم سفره المقرر واعتقله بشقة شمال تل ابيب، وليس بمعتقل عادي.

وظل اعتقاله سراً عسكرياً خطيراً يحظر نشر أي معلومة عنه. وبعد إدانته بتهمة التجسس للاتحاد السوفياتي في محكمة سرية والحكم عليه بالسجن عشرين عاماً، نقله الشاباك إلى سجن عسقلان وسجنه في زنزانة انفرادية بعد أن طمس اسمه الحقيقي وأخفاه عن الجميع بما في ذلك عن سجانيه، ومنحه اسماً جديداً وحذر عليه لسنوات الحديث مع أحد.

وقد ظل المؤلف في السجن الانفرادي وباسمه الجديد ولا أحد يعرف عن سجنه سوى زوجته وابنته، إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

الهجرة وما قبلها

"
عندما شنت ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفياتي تطوع كلينغبيرغ للخدمة بالجيش السوفياتي، وعمل غالبية فترة الحرب طبيبا مختصا في مكافحة انتشار الأوبئة وأصبح نهاية الحرب الطبيب الرئيس المسؤول عن ملف مكافحة الأوبئة بحكومة روسيا البيضاء
"
يفرد كلينغبيرغ عدة فصول ليروي خلفيته قبل هجرته إلى إسرائيل سنة 1949، حيث ولد سنة 1918 في وارسو لعائلة يهودية متدينة "حريدية".

وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 كان المؤلف قد أنهى سنته الرابعة في دراسة الطب، وبعد وقوع بولندا تحت الاحتلال النازي فر المؤلف إلى الاتحاد السوفييتي وأكمل دراسة الطب في جامعة منسك.

وعندما شنت ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفييتي تطوع كلينغبيرغ للخدمة في الجيش السوفياتي، وعمل غالبية فترة الحرب طبيبا مختصا في مكافحة انتشار الأوبئة، وأصبح نهاية الحرب الطبيب الرئيس المسؤول عن ملف مكافحة الأوبئة بحكومة روسيا البيضاء.

وبعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها عاد صاحب المذكرات إلى بولندا فوجد أن عائلته قد أبيدت، وتعرف بهذه الفترة على زوجته فاندا التي أبيدت عائلتها هي أيضا واشترطت موافقتها على الزواج منه مغادرتهما بولندا.

نهاية سنة 1948 هاجر الرجل إلى إسرائيل، وفي اليوم الرابع لوصوله انضم إلى سلاح الطب بالجيش الإسرائيلي وسرعان ما ترقى لمنصب المسؤول عن مكافحة الأوبئة بالجبهة الجنوبية ثم رأس فرع الطب الوقائي بالجيش برتبة مقدم.

ولم يجد المؤلف صعوبة في مخاطبة زملائه من العلماء الذين كانوا يعملون معه، فغالبيتهم العظمى كانت تجيد البولندية أو الروسية لكونهم من المستوطنين الجدد الذين هاجروا لتوهم من أوروبا الشرقية.

يذكر كلينغبيرغ أنه قام سنة 1952 بتأسيس "معهد أبحاث الطب العسكري" في تل هشومير بالقرب من تل أبيب. وهدف من إنشائه "إلى زيادة المعرفة حول كيفية وطرق نشر أو مكافحة أمراض تلويثية في أطر عسكرية". وتكون المعهد من أربعة أقسام: الفيروسات والجراثيم والكيمياء العضوية وعلم الحشرات.

بداية التخابر
بذل المؤلف جهوداً جمة لنفي الادعاء أن المخابرات السوفياتية قد جندته قبل هجرته إلى إسرائيل، وأكد أنه بدأ العمل لصالح المخابرات السوفياتية سنة 1950 لدوافع أيديولوجية أثناء الحرب الباردة، وأسهب في شرح حيثيات بداية تخابره مع رجل المخابرات السوفياتية الذي كان يعمل بالسفارة السوفياتية في تل أبيب.

وكشف صاحب كتاب المذكرات أنه منذ أن بدأ التخابر مع السوفيات وحتى إلقاء القبض عليه، كان يوصل بانتظام كل ما تطوره إسرائيل في مجال الحرب البيولوجية الكيمياوية.

فقد تمكن كلينغبيرغ من الاطلاع على جل هذه الأسرار الهامة والخطيرة للغاية بحكم عمله كعالم، وبحكم المناصب التي شغلها والمشرفة والمسؤولة عن تطوير الأسلحة البيولوجية.

المعهد البيولوجي

"
ما يدور في المعهد البيولوجي أحيط بغلاف سميك من السرية, فقد ظل قسم كبير من المعهد ومختبراته سرياً ليس فقط من الجمهور العام وإنما أيضا من الكنيست ومن أهم الوزراء بالحكومة الإسرائيلية
"
يكشف المؤلف أن المعهد البيولوجي في ضاحية نس تسيونه جنوبي تل أبيب احتل مكانة هامة للغاية بأجندة دافيد بن غوريون والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد كان بن غوريون وشمعون بيريز وراء إقامته من أجل تطوير الأسلحة البيولوجية الفتاكة.

ففي سنة 1948 شرعت وزارة الدفاع الإسرائيلية بالتخطيط لإقامته. وسنة 1950 باشرت ببنائه وأنجزته وافتتحته عام 1952 تحت اسم "حيل مداع ب" (سلاح العلم ب) فيما كانت مهمة "سلاح العلم أ" تطوير السلاح النووي.

وفور الانتهاء من بنائه انتقل المعهد البيولوجي من مسؤولية وزارة الدفاع إلى مسؤولية مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وظل تابعاً له حتى يومنا هذا. ويذكر كلينغبيرغ أن المعهد كان بمثابة "طفل بن غوريون" المدلل.

ورغم مشاكل إسرائيل المالية خصص بن غوريون الأموال اللازمة والعلماء ومن بينهم ابنته، من أجل تطوير السلاح البيولوجي بأسرع وقت ممكن. وكان أول لقاء بين كلينغبيرغ والمعهد البيولوجي سنة 1952 عندما أجرى هو وآخرون فحص أمانة وسلامة للمعهد وهو بطور التأسيس.

فقد "كانت هناك ضرورة أن يتم بناء المعهد بشكل يقلل انتشار التلوث لوجود الجراثيم والفيروسات الحاملة أمراض وأوبئة تلويثية خطيرة للغاية".

وفي عام 1957 التحق المؤلف بالمعهد البيولوجي هو وزوجته وعمل فيه بمنصب نائب مدير المعهد، في حين عملت زوجته باحثة والتي كانت تحمل شهادة اللقب الثاني في العلوم.

أحيط ما يدور في المعهد البيولوجي بغلاف سميك من السرية. فقد ظل قسم كبير من المعهد ومختبراته سرياً ليس فقط من الجمهور العام وإنما أيضا من الكنيست ومن أهم الوزراء بالحكومة الإسرائيلية.

ويشير كلينغبيرغ إلى أن العديد من المسؤولين الإسرائيليين زاروا المعهد البيولوجي والذي كان معروفاً كمؤسسة أكاديمية، ولكن القلائل جداً منهم حظوا بجولة كاملة في المعهد.

فمثلاً عندما زار موشيه شاريت وزير الخارجية المعهد وقبل أن يصطحب كلينغبيرغ الذي كان يشغل نائب مدير المعهد الزائر رفيع المستوى، وصلت تعليمات بن غوريون بعدم إبلاغ شاريت ماذا يتم فعله في المعهد.

وفعلاً اصطحب المؤلف شاريت إلى المكاتب العلنية وغير السرية، وأطلعه على الأبحاث العلنية فقط.

ويضيف المؤلف أنه حتى عندما أصبح شاريت رئيساً للوزراء ظل خارج الصورة وأخفي عنه ما يدور في المعهد وظل بن غوريون يمسك بخيوط السيطرة على ما يدور في المعهد أثناء استقالته واعتكافه في سديه بوكير ما يقرب من السنة والنصف.

ويردف كلينغبيرغ أنه مقابل ذلك زار المعهد البيولوجي قادة المؤسسة الأمنية مثل موشيه ديان وحاييم بارليف وإسحق رابين، واضطلعوا عن كثب على الأبحاث العسكرية واكتشافاتها.

ويبرز المؤلف أنه اشترك بحكم منصبه في الاجتماعات والنقاشات السرية التي أجرتها المؤسسة الأمنية، واطلع على استعدادات الأذرع الأمنية في ميادين الحرب البيولوجية والكيمياوية.

ويسهب الرجل في شرح كيفية نجاحه في إيصال أهم وأخطر الأسرار العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بتطويرها الأسلحة البيولوجية والكيمياوية بشكل منهجي إلى المخابرات السوفياتية.

"
كلينغبيرغ يؤكد أن كل شيء تم اكتشافه بالمعهد البيولوجي أو حصل عليه علماء المعهد من الغرب كان يوصله إلى المخابرات السوفياتية, ومما سهل نشاطه المخابراتي انخراط زوجته معه في العمل لصالح المخابرات السوفياتية
"
ويؤكد أن كل شيء تم اكتشافه في المعهد البيولوجي أو حصل عليه علماء المعهد من الغرب، كان يوصله إلى المخابرات السوفياتية. ومما سهل نشاطه في جمع ونقل المعلومات انخراط زوجته معه في العمل لصالح المخابرات السوفياتية.

فهو كنائب مدير المعهد كان "يعرف كل شيء من فوق" وكانت زوجته الباحثة في مختبر المعهد على اطلاع ومعرفة بما يدور في المختبر من تجارب وأبحاث واكتشافات، الأمر الذي مكنهما من الإلمام بكل شاردة وواردة بالمعهد.

ولم يقتصر نشاط كلينغبيرغ وزوجته على نقل المعلومات والوثائق والأبحاث إلى المخابرات السوفياتية، بل امتد ليشمل نقل عينات من الجراثيم الفيروسات التي تم تطويرها بالمعهد البيولوجي.

وقامت بهذه المهمة الزوجة فاندا ذات الشخصية القوية التي تميزت بهدوء الأعصاب والشجاعة في تنفيذ مهامها المخابراتية، كما يروي المؤلف.

وفي فصول الكتاب يبرز اعتزاز كلينغبيرغ بزوجته التي صمدت في تحقيق الشاباك معها ولم تعترف، والتي كانت تزدري كل شيء في إسرائيل، وتقارن معاملتها للمواطنين العرب بداخلها بمعاملة اللاساميين البولنديين لليهود، وتشبه معاملة الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين بالمناطق المحتلة بمعاملة النازيين لليهود إبان الحرب العالمية الثانية.

كذلك يعتز صاحب المذكرات بنجاحه في التخابر مع المخابرات السوفياتية فترة طويلة، ونجاحه في خداع المخابرات الإسرائيلية قبل اعتقاله وأثناء سجنه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك