إبراهيم غرايبة
يعرض هذا الكتاب المفاهيم والاعتقادات الشعبية والعامة في المجتمعات، المستمدة من تفاعلات واعتقادات قديمة تواصلت عبر الزمن واستطاعت البقاء والصمود مؤثرة في الناس حتى وجدت لنفسها صبغة إسلامية رغم أنها تعود إلى مرحلة سابقة للإسلام.

وتقوم المؤلفة بدراسة هذه المعتقدات والأساطير دراسة اجتماعية فتلاحظ أنها ذات وظيفة اجتماعية راسخة، ومرتبطة بحراك المجتمعات وتفاعلها الدائم والمتواصل مع تطلعاتها واحتياجاتها.

- الكتاب: الإسلام الشعبي
- المؤلف: زهية جويرو
- الصفحات: 142
- الناشر: دار الطليعة، بيروت
- الطبعة الأولى/2007

دين شعبي ودين علماء
تقارن المؤلفة في هذا الجزء من الكتاب بين الفهم الشعبي السائد للإسلام وبعض الممارسات والشعائر، وبين الفهم الرسمي المستمد من رؤية العلماء والمؤسسات الدينية الرسمية والحركات الإسلامية.

ويعد استخدام عبارة الدين الشعبي في مواجهة عبارة الدين الرسمي أو دين العلماء استخداما حديثا نسبيا، رغم أنها تسمى في الحقيقة ظاهرة قديمة مترسخة في مختلف التجارب الدينية التاريخية، بما فيها تجربة الإسلام حين نهض التمييز بين إسلام الخاصة وإسلام العامة، أو بين إسلام الفقهاء والعلماء وإسلام سائر الفئات الاجتماعية، مؤشرا على اختصاص كل ظرف بفهم مخصوص للدين وبأشكال متباينة تجلت من خلالها تجربة التدين.

في الدين الرسمي سواء في المجال المسيحي أو الإسلامي يستند إلى معايير دينية صنفت على أساسها "عقائد العوام" في باب البدع والانحرافات، أو في باب الرواسب ذات المرجعيات الوثنية أو الجاهلية، لذلك اقترن استعمال الدين الشعبي لدى أصحاب هذا الموقف بدلالات خاصة سلبية، رمي بسببها أصحاب العقائد بالكفر والزندقة وإتيان البدع.

وقد خلفت هذه الدلالات أثرا في الدراسات "الفلكلورية" التي تعد تاريخيا أول الدراسات اهتماما بالعناصر الدينية الاعتقادية الشعبية، وهو ما يظهر بوضوح من خلال التسميات التي أطلقت على تلك الظواهر، فهي إما أشكال عريقة أو تقاليد، بمعنى أنها موروث قديم راجع إلى فترات منقضية.

وظلت عبارة "الدين الشعبي" تدور في الخطاب الفلكلوري وحتى في الدراسات الإثنولوجية ليشار بها إلى حقيقة مركبة متعددة الأشكال، وإن لم ترتق إلى مستوى المفهوم العلمي إلا في إطار علم الاجتماع، ولم تخضع للتنظير العلمي إلا في سياق الدرس السوسيولوجي للظاهرة الدينية.

وقد انبرى كل من كونت ودوركهايم وفيبر يحللون "المقدس ويدرسون كيفية اشتغال الدين في المجتمعات البشرية، ويكشفون وجوه العلاقة بين النظام الاجتماعي الاقتصادي ونظام القيم، وبين الرموز والمؤسسات وبين مصادر المعنى وآليات التوافق الاجتماعي.

والواقع أنه لا يمكن الفصل فصلا تماما بين الدين المنظم والدين الشعبي، فالدين الشعبي حقل واسع من الممارسات والعقائد، على غرار كرامات الأولياء وما يتصل بها من طقوس كالزيارة والوعدة وغيرهما، لأن مقولة كرامة الولي مرتبطة مضمونا ودلالة بمقولة "معجزة النبي" في الإسلام العالم، وقد تحققت المصالحة بين المذهب السني والتصوف، ولم يصبح الاعتقاد في كرامات الأولياء اعتقادا شعبيا إلا نتيجة لعوامل تاريخية معقدة.

ولكن تبقى هناك اختلافات واضحة في التصورات والمعتقدات بين الإسلام الشعبي والإسلام العالم، فالمسلم العامي مثلا يتصور الله تصورا نفعيا، لذلك يستحضره بواسطة الأقوال والطقوس في كل فعل ينوي القيام به، وفي كل مطلب يروم تحقيقه، لا بل إن اسمه وحده قادر على دفع الكوارث ورد العين الحاسدة، ونجده يضفي على الولي الصالح الذي يؤمن بكرامته ملامح إلهية، فهو حي وإن كان في الظاهر ميتا.

وفي المقابل ينظر المسلم العالم إلى هذه المعتقدات على أنها بدع وشرك بالله، ويرى الاختلاف في مراتب الإيمان لا يبرر نسبة ما اختص به الله من صفات وأفعال إلى أي من خلقه، فالقدرة مخصوصة به لذلك فلا وساطة في الإسلام الذي يتصوره بين المؤمن وربه.

"
متغير التعليم هو الذي يبرر التمييز بين دين شعبي يرتبط بفئات ذات مستوى تعليمي متدن ودين عالم يرتبط بفئات عالية المستوى التعليمي
"
وتخلص المؤلفة إلى التسليم بأن متغير التعليم هو الذي يبرر التمييز بين دين شعبي يرتبط بفئات ذات مستوى تعليمي متدن ودين عالم يرتبط بفئات عالية المستوى التعليمي، وحتى الإسلام العالم نفسه له مستويات، مثل الإسلام العالم الذي تمثله وتروج له المؤسسة الدينية الرسمية، والإسلام العالم الاحتجاجي الذي تمثله الحركات الإسلامية الأصولية، والإسلام العالم المعلمن الذي تمثله فئات متعلمة تحمل عن الدين وظائفه وعن موقعه في المجتمع تصورات مختلفة.

وهناك دراسات سوسيولوجية كثيرة ربطت الدين الموسوم بخصائص "الشعبي" بالطبقات الاجتماعية الخاضعة بينما ربطت الدين الموسوم بخصائص "العالم" بالطبقات الاجتماعية العليا والمهيمنة.

الإسلام الشعبي تاريخيا
تعامل الإسلام مع محيطه الاجتماعي والحضاري بصيغ مختلفة، فقد اقتبس بعض العناصر العقائدية السابقة مثل الحج والصوم، وفي الوقت نفسه حارب كثيرا من العقائد، وإن بقي بعضها متمكنا في النفوس والثقافات مثل السحر والكهانة والتنجيم، ولكنها بقيت حتى اليوم تشكل جزءا كبيرا من معتقدات الناس.

وظهر في التاريخ الإسلامي الأولياء الصالحون من أقطاب الصوفية، وشاع الاعتقاد بين الناس بكرامتهم، وفي أفريقيا امتزجت بعض العقائد والطقوس الأفريقية المتوارثة مع ممارسات ومعتقدات إسلامية أو بقي المسلمون الأفارقة متمسكين بها رغم دخولهم في الإسلام.

ونسبت بعض الخوارق التي كانت تنسب قبل الإسلام إلى القديسين إلى القادة والعلماء المسلمين، مثل عقبة بن نافع القائد المسلم الذي فتح شمال أفريقيا، والذي طلب من السباع والحيات أن تبتعد عن الناس فخرجت جميعها، وظل أهل أفريقيا بعد ذلك أربعين سنة لا يرون الحيات والعقارب ولا تؤذيهم السباع.

وتراجم العباد والنساك الواردة في رياض النفوس للمالكي حافلة بمثل هذه الاعتقادات، وترجح المؤلفة أنها ظلت تدور بين مختلف فئات المجتمع في وضع التلقائية والتشتت حتى اندرجت ضمن المنظومة الولائية التي اكتملت ملامحها وتحددت مؤسساتها بداية من القرن السابع الهجري في ظل الحكم الحفصي، وتحدد علاقاتها بالفئات اجتماعيا ومعرفيا.

تلك الملامح كانت من العوامل الفاعلة في أن تشكل تلك الاعتقادات منظومة التدين الشعبي، لأن هذه الوظائف جمعت بين السياسي والاجتماعي الاقتصادي والعقائدي النفسي، ثم شاع لدى الجمهور جملة من الطقوس الهادفة إلى تعظيم الأولياء حتى بعد موتهم، منها: زيارة أضرحتهم والإقامة بزواياهم وتقديم الهدايا والأضاحي والتضرع عندها، حيث يصبح ضريح الولي مكانا مقدسا عنده تظهر الكرامات وتحقق الخوارق.

وإذا كانت الكتب حافلة بأخبار الخوارق المنسوبة إلى الأولياء بقدر ما هي أيضا حافلة بأخبار عوام الناس وهم يطلبون وساطة الولي ويستغيثون ببركته طلبا للشفاء أو صرف الجراد، فهي هنا توفر العديد من العلامات الدالة على ارتباط هذه المنظومة بالعقيدة الإسلامية، ومنها تلك المتعلقة بالوسائل التي يتوسل بها الأولياء لتحقيق المطالب وقضاء الحوائج، وأبرزها الدعاء له واعتبار كل ما يتحقق تابعا للقدرة الإلهية.

بفعل هذه الاعتقادات إذن شيدت على أضرحة هؤلاء بعد موتهم القباب إكراما لهم وتعظيما لشأنهم، وانتشرت طقوس الحج إلى مزاراتهم والتبرك بأضرحتهم والتوسل إليهم بالذبائح والدعوات لتشكل التعبير الشعبي عن ذات العقيدة.

ولا يكمن الاختلاف بين هذين المستويين، العالم والشعبي إلا في الوظائف التي أسندها كل طرف إلى هؤلاء الصلحاء والتي كانت تختلف باختلاف مواقع المؤمنين بها الاجتماعية وباختلاف مستوياتهم الذهنية المعرفية.

"
انتشرت الزوايا في شمال أفريقيا وتمكن أولياؤها من التوفيق بين الحاجات القبلية ومتطلبات الانتماء إلى الأمة الإسلامية بمنح القبائل ما يبرر ادعاءها بصلاح دينها وامتلاك ما يشكل الهيكل المؤسسي للعقيدة، من دون أن تتقيد بالطقوس والعقائد الإسلامية الأصلية
"
وفي ذلك ما يدل على أن تعامل الإسلام مع بُني اجتماعية مختلفة هو الذي يفسر الاختلاف في مستوى التصورات والعقائد الدينية، لذلك اقترنت البيئة الاجتماعية الحضرية بإسلام الفقهاء، أو بالإسلام العالم أكثر من اقترانها بالإسلام الشعبي.

فالبيئة الحضرية كانت تهيئ بمؤسساتها التعليمية إطارا موضوعيا مناسبا لتعليم العقائد الرسمية ونشرها ووسيطا يقوم على تضامن بين الفقيه العالم والكتابة، بينما كانت البيئة القروية الريفية مفرغة من مثل هذه المؤسسات وكانت محكومة -ثقافيا- ببنية الثقافة الشعبية الشفوية وبخصائصها، وكانت مجالا مناسبا لانتشار إسلام شعبي، وكذلك بنية النظام القبلي العشائري كانت مجالا مناسبا لانتشار إسلام شعبي، فكان النظام القبلي يساعد على انتشار هذه العقيدة.

وبذلك انتشرت الزوايا في شمال أفريقيا وتمكن أولياؤها من التوفيق بين الحاجات القبلية ومتطلبات الانتماء إلى الأمة الإسلامية بمنح القبائل ما يبرر ادعاءها بصلاح دينها وامتلاك ما يشكل الهيكل المؤسسي للعقيدة، من دون أن تتقيد بالطقوس والعقائد الإسلامية الأصلية، ولهذا السبب اهتم رجال الدين الرسمي والسياسيون من الأجهزة الحكومية بأنشطة الزوايا.

فقد بلغ عدد الزوايا في العام 1924 حوالي 1212 زاوية، وبلغ عددها في مدينة تونس 328، ثم ارتفع العدد عام 1933 ليبلغ 1305 زوايا.

وبالطبع فإن عمق الانتشار واتساعه لا يقاس بعدد الزوايا فحسب، بل كذلك بما خلفته من أثر مسّ مختلف مظاهر حياة الناس حتى أصبحت لغة الأولياء الصالحين تخلع القداسة على عملية الولادة والختان والأعياد والحياة الزراعية والعائلية والزواج، وحتى طريقة تسريح الشعر والثياب والمطبخ والمدرسة.

الإسلام الشعبي المعاصر بتونس
ترى المؤلفة أن الكثير من العقائد الإسلامية الشعبية ارتبطت بقاعدة اجتماعية يؤسسها نظام القبيلة أو العشيرة، وبقاعدة ثقافية تقليدية يمثل في نطاقها الدين المصدر الأساسي للانتماء ولتشكل الوعي الجمعي.

وفي ظل هذه البنى استطاعت العقائد الشعبية أن تضمن لنفسها ثباتا على المدى الطويل واستمرارا باستمرار هذه البنى، وأن تتمتع بفاعلية اكتسبتها من فاعلية الأدوار والوظائف التي كانت تنهض بها.

ولكن هذه البنى بدأت تهتز وتتفكك منذ الفترة الاستعمارية بفعل جملة من العوامل من بينها السياسة المركزية التي انتهجتها دولة الاحتلال وأدت إلى ضرب استقلالية الزوايا، ومن خلال سياستها الاقتصادية التي أدت إلى القضاء على جانب كبير من القاعدة المادية التي تقوم عليها الزوايا فأفقدها ذلك دورها الاستقلالي حتى أضحت مجرد مؤسسات مساعدة للاستعمار تمتثل الأوامر وتخضع لمصلحته، وهذا التحول السلبي من حالة الاستقلالية إلى حالة الاستلاب شكل أكبر صدمة للهوية التاريخية للطرق الدينية.

وقد عمل الاستعمار على تفتيت البناء الاجتماعي القائم على التنظيم القبلي بواسطة تلك الإجراءات الاقتصادية والاستحواذ على الأراضي الجماعية، والإجراءات الإدارية بتقسيم القبائل الكبرى إلى مجموعات، وإعادة توزيعها في مجالات جغرافية متباعدة، حتى اضطر بعضها إلى النزوح إلى المدن مما أدى إلى تفتيت وعيها العشائري وسهل انضمام أعداد كبيرة منها إلى التيار الوطني الناشئ آنذاك.

ومع ظهور الدولة كانت البنية الاجتماعية التقليدية قد قطعت شوطا كبيرا في مسار التفكك، فحل الانتماء إلى الوطن محل الانتماء للقبيلة أو العرش، ثم أنشأت الدولة الوطنية مؤسساتها التي تتولى نشر الثقافة الجديدة، وأعادت صياغة جامعة الزيتونة لتكون قادرة على مقاومة "القديم" رموزا وأفكارا، ونماذج قيمية وسلوكية.

"
الدولة كانت تسعى إلى توظيف العامل الديني في مقاومة خصومها من التيارات اليسارية العلمانية بإحياء المواقف الدينية التقليدية وبإنشاء مؤسسات وجمعيات للمحافظة على القرآن الكريم، مما أدى إلى تشكل النواة الأولى للتيار الإسلامي الأصولي الذي وظف هذه المؤسسات لترويج خطابه
"
وحتى يتحقق ذلك كان لا بد من التشكيك في جدوى الهياكل الاجتماعية والاقتصادية القديمة بوضعها موضع تساؤل عبر قوة وكثافة ما تنشره من المعارف والرموز.

وبالتأكيد كان ذلك ضروريا حتى تستطيع النخبة الليبرالية فرض تصوراتها للمجتمع الجديد الذي تريد بناءه على أنقاض المجتمع القديم، ومن فرض أيديولوجيتها القائمة على مبادئ التحديث والعلمنة، فاتخذت من "السياسة الثقافية مجالا لتطبيق تجربة التحديث وعلمنة أجهزة الحكم ودعم فكرة التمايز عن المجتمع التقليدي".

وبالفعل استطاعت هذه المؤسسات التعليمية والاتصالية والإعلامية أن توسع من مجال انتشار ثقافتها وتصورها الرسمي العالم للدين، مما أدى إلى تقلص مؤسسات الإسلام الشعبي وتهميش وظائفها، بعد أن حلت المدرسة العصرية محل الكتاتيب والجامعة محل المؤسسات التعليمية الدينية.

وتحدد المؤلفة الفترة الواقعة بين عامي 1956 و1975 بأنها مرحلة أعيدت فيها صياغة المجتمع التونسي وثقافته، وشمل ذلك بالطبع على نحو جذري التراث الشعبي الإسلامي إن صحت التسمية بحق المعتقدات والممارسات التي كانت تقوم عليها منظومة اجتماعية من المجتمعات والعشائر والزوايا والكتاتيب والمساجد.

ولكن علاقة السياسي بالديني -كما تلاحظ المؤلفة- ظلت غير واضحة لا ثابتة، رغم السلوك السياسي النابع من مواقف وتصورات متأثرة بمقولة العلمنة، لذلك ظلت العلاقة محكومة من جهة بالأوضاع الطارئة وبشخصية "الرئيس" وبتكوينه الفكري وبالتصورات التي يمثلها الجهاز البيروقراطي الذي يتولى سياسة الدولة من جهة أخرى.

كانت الدولة تسعى إلى توظيف العامل الديني في مقاومة خصومها من التيارات اليسارية العلمانية بإحياء المواقف الدينية التقليدية، وبإنشاء مؤسسات وجمعيات للمحافظة على القرآن الكريم.

وفي إطار هذا التوظيف تشكلت النواة الأولى للتيار الإسلامي الأصولي الذي وظف هذه المؤسسات لترويج خطابه، ومن أجل مقاومة "الإسلام المؤدلج" وغضت الطرف عما كانت تقاومه من التدين الشعبي، وقد أدى ذلك -بحسب المؤلفة- إلى إحياء المعتقدات الشعبية الإسلامية من جديد.

وبعودة الدين إلى واجهة الأحداث من جديد، زادت أهمية دراسة وملاحظة هذه الاتجاهات الشعبية والاجتماعية في فهم الدين وممارسته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك