عرض/ إبراهيم غرايبة
يعالج هذا الكتاب قضايا وإشكاليات الاستعمار وما بعد الاستعمار في بعدها الأدبي والثقافي والجدل الذي يحيط بها، ويناقش بالتفصيل العلاقة بين الاستعمار والدراسات الأدبية.

كما يقدم نماذج من الفكر ما بعد البنيوي والماركسي والنسوي وما بعد الحداثي والتي أصبحت مثار جدل فيما يتعلق بدراسات ما بعد الاستعمار.

ويدرس الكتاب أيضا تعقيدات الهويات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، وكيف يعيد الصدام الاستعماري بناء أيديولوجيات الاختلاف العرقي والثقافي والطبقي والجنسي.

الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية
يعرف معجم أكسفورد الاستعمار بأنه مجموعة من الناس يستقرون في بلد جديد ويشكلون جماعة خاضعة لدولتها الأم أو مرتبطة بها، وهكذا تتشكل الجماعة، وتتألف من المستوطنين الأساسيين وأحفادهم ووارثيهم طالما أن الرابطة مع الدولة الأم مستمرة.

-الكتاب: في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية
-المؤلف: آنيا لومبا
-ترجمة: محمد عبد الغني غنوم
-الصفحات: 285
-الناشر: دار الحوار للنشر, اللاذقية
-الطبعة: الأولى 2007
وهو تعريف يصفه المؤلف بأنه يتجنب الإشارة إلى أناس آخرين سوى المستعمرين، والناس الذين كانوا يعيشون في تلك الأماكن من قبل، ومن ثم فإنه يفرغ كلمة استعمار من أي معنى لصدام بين الشعوب، أو لفتح سيطرة. كما لا توجد إشارة إلى أن الموقع الجديد ربما لا يكون جديدا تماما، وأن عملية تشكيل جماعة ربما يكون غير عادل.

التعريف الصحيح للاستعمار كما يراه المؤلف هو غزو أراضي وممتلكات شعب آخر والسيطرة عليها. وبرغم أن الاستعمار بهذا التعريف هو سلوك بشري قديم، فإن الاستعمار الأوروبي شكل أنواعا جديدة من الممارسات الاستعمارية التي غيرت الكرة الأرضية بأكملها بطريقة لم تفعلها تلك الأنواع الأخرى من الاستعمار.

ويعرض المؤلف للفكر الماركسي في تفسيره وتحليله للفرق بين الاستعمار الأوروبي الرأسمالي وبين الاستعمار السابق، فقد فعل الاستعمار الحديث أكثر من مجرد استخلاص الأتاوات والثروة من البلاد المقهورة، إذ أعاد بناء اقتصاديات البلدان المقهورة، وأدخلها في علاقة معقدة مع اقتصاده هو بحيث أصبح هناك تدفق للمصادر البشرية والطبيعية بين البلدان المستعمِرة والمستعمَرة.

هذا التدفق جرى في اتجاهين: العبيد والعمل الإلزامي التعاقدي والمواد الأولية التي تحول إلى بضائع صناعية في المدينة، ولكن المستعمرات قدمت أيضا أسواقا ظلت أسيرة للبضائع الأوروبية.

وهكذا نقل العبيد من أفريقيا إلى أوروبا، ونقل القطن الخام من الهند لتصنيعه إلى ملابس في إنجلترا ليعاد بيعه إلى الهند، وفي أي اتجاه سافر الناس أو المواد فإن الفوائد تدفقت إلى ما يسمى "البلد الأم".

هذه التدفقات من الفوائد والناس اقتضت استيطانا ومزارع كما حصل في الأميركتين، وتجارة كما حصل في الهند، وتبدلات عالمية هائلة في السكان، وهي عمليات أنشأت حالة ما بعد الاستعمار، فقد واجه الاستعمار تحديات متواصلة على مدى ثلاثة قرون إلى أن أمكن تفكيكه.

"
لقد فعل الاستعمار الحديث أكثر من مجرد استخلاص الأتاوات والثروة من البلاد المقهورة، إذ أعاد بناء اقتصاديات البلدان المقهورة وأدخلها في علاقة معقدة مع اقتصاده هو بحيث أصبح هناك تدفق للمصادر البشرية والطبيعية بين البلدان المستعمِرة والمستعمَرة
"
لقد أظهرت دراسات ما بعد الاستعمار أن العملية الاستعمارية غيرت كلا من المدينة والمستعمرة تغييرا عميقا، وأعيد بناؤهما وفقا لذلك بواسطة فكفكة الاستعمار.

يقول فرانس فانون في كتابه المهم "المعذبون في الأرض": هذا العالم مقسوم إلى قسمين يقطنه نوعان مختلفان، إن أصالة السياق الاستعماري هو أن الواقع الاقتصادي والتفاوت والاختلاف الهائل في طرق الحياة لا يخفى أبدا الواقع البشري، وحينما تفحص السياق الاستعماري في جهات قريبة يبدو بينا أن ما يقسم العالم هو أن تبدأ بحقيقة الانتماء أو عدم الانتماء إلى عرق محدد أو نوع محدد، الأساس الاقتصادي في المستعمرات هو البنية الفوقية، السبب هو النتيجة، أنت غني لأنك أبيض، وأنت أبيض لأنك غني، هذا هو السبب في أنه ينبغي دوما توسيع التحليل الماركسي قليلا في كل مرة تتعامل فيها مع المشكلة الاستعمارية.

هويات استعمارية وما بعد استعمارية
كان الاستعمار الوسيلة التي أنجزت الرأسمالية من خلال توسعها العالمي، وتبعا لذلك فقد نشأت العنصرية وكانت القناة التي من خلالها تم استغلال عمل الشعب المستعمر.

يستدرك المؤلف بعد عرضه لهذا التفسير للعلاقة بين الاستعمار والهويات والمسائل العرقية والإثنية ليعرض تفسيرات وصفية أخرى تتجاهل المنحى العملي الاقتصادي.

يلاحظ عالم الاجتماع جون ريكس أن الرأسمالية في جنوب أفريقيا أنشئت من خلال العمل المفروض على شعوب البانتو، فكانت العلاقات العرقية مهمة في توفير قوة عاملة. لقد كان العرق والعنصرية هما القاعدة التي يفرض على أساسها العمل ليكون في خدمة المستعمر، وهكذا ازدهرت وتطورت النظريات العنصرية.

ومن أمثلة هذه النظريات العنصرية يورد المؤلف رأي إرنست رينان القائل: صنعت الطبيعة عرقا من العمال هو العرق الصيني الذي يتمتع ببراعة يدوية مذهلة، وليس لديه تقريبا أي إحساس بالشرف. احكمهم بالعدل وستجبي منهم مقابل بركة هذه الحكومة مبلغا ضخما للعرق الفاتح وهم راضون. وعرقا من فلاحي الأرض هو العرق الزنجي، وعرقا من السادة والجنود وهو العرق الأوروبي. أخضع هذا العرق النبيل للعمل كالزنوج والصينيين فسوف يثورون، ولكن الحياة التي يثور عليها عالمنا تجعل الصيني أو الفلاح سعيدا لأنهم ليسوا مخلوقات عسكرية على الإطلاق، فليقم كل امرئ بما خلق من أجله، وسيكون كل شيء على ما يرام.

وكما تحافظ على التباينات الاقتصادية نظريات أيديولوجية عرقية فإن العنصرية تساعد على بناء التوسع الرأسمالي، وكان ذلك ضروريا لتلافي النظم القانونية المنحازة انحيازا صارخا.

يقول جون ريكس: حينما يتعذر دعم النظام الاجتماعي بالمراسيم القانونية عليه أن يعتمد على غرس فكرة تفوق المستغِلين ونقص المستغَلين في عقول كل من المستغِلين والمستغَلين، وهكذا يمكن المحاججة بأن عقيدة المساواة من حيث الفرصة الاقتصادية وعقيدة التفوق والنقص العرقي تتممان بعضهما بعضا، تعمل العنصرية على ردم الهوة بين النظرية والتطبيق.

وهذا لا يعني بالطبع القول إن استخدام القوة يتوقف بتحرير العبيد، ففي بعض الدول مثل جنوب أفريقيا تستخدم القوة بمنهجية منظمة على مستوى سياسي لضمان استمرار تفوق العرق الأبيض.

"
عندما تنجز الليبرالية الاقتصادية عدم المساواة والاستغلال والقهر ينبغي أن تعارض بعقائد تشرح استثناءات القاعدة، وبينما يتم الاعتراف بأن الناس متساوون فإن بعض الناس يعتبرون أكثر مساواة من ناس آخرين
"
لكن علينا القول إنه عندما تنجز الليبرالية الاقتصادية عدم المساواة والاستغلال والقهر ينبغي أن تعارض بعقائد تشرح استثناءات القاعدة، وبينما يتم الاعتراف بأن الناس متساوون فإن بعض الناس يعتبرون أكثر مساواة من ناس آخرين.

ويعرض المؤلف أمثلة عدة من الأعمال الأدبية المعبرة عن النظريات الاستعمارية والعنصرية، منها رواية "المحتالون" لجون ماسترز التي كتبها عام 1952 والتي تروي كيف تحول بريطاني أبيض يعيش في الهند إلى معتقدات وممارسات هندية.

وهنا تكون الخطورة عندما ينجذب الأبيض إلى فضاءات الأصليين، ولكن يستطيع حسين أحد السكان الأصليين أن ينتشل وليام إلى هويته الرسمية الحقيقية، وهي الهوية البريطانية الاستعمارية بعيدا عن جنون الهنود، يفعل حسين ذلك بواسطة الصليب الخشبي الذي أهدته له ماري زوجة وليام.

وفي رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد مثل مشهور لهذا النموذج، ففي هذه الرواية أفريقيا غابة بدائية ومصدر سلطة وثروة تأسر كورتز البطل الاستعماري وتقوده إلى الجنون. ويخبرنا مارلو راوي القصة أنه بينما كان ذكاء كورتز واضحا، فقد كانت روحه مجنونة، وبسبب وجوده وحيدا في البرية فقد نظرت نفسه إلى داخلها.

ويسافر مارلو في نهر الكونغو إلى قلب الظلام بحثا عن كورتز في رحلة هي في حد ذاتها رحلة إلى الطفولة والجنون وأفريقيا.

ومع أن عددا من النقاد يعتبرون تشوش كورتز نتيجة للجشع الاستعماري ويعتبرون الرواية نقدا للإمبريالية، فإنه يمكن النظر إلى الرواية على أنها تكرر بدائية التحليل النفسي الكلاسيكي، وكتب عنها شينوا أشيبي قائلا إنها رواية تضع موضع التساؤل إنسانية الشعب الأسود بحد ذاتها.

ففي هذه الرواية كما هي الحال في معظم قصص الاستعمار نجد أن أفريقيا هي المكان الذي ينهار فيه العقل الأوروبي ويتراجع إلى حالة بدائية. أفريقيا والهند والصين وأراض أجنبية أخرى تدفع إلى الجنون، إنها الجنون بعينه.

مناهضة الاستعمار
يقدر المؤلف أن أهم دراسة ظهرت حول القومية هي كتاب بنديكت أندرسون "مجتمعات متخيلة.. آراء في أصل القومية وانتشارها" الذي يرد ظهور القوميات إلى الدور الذي لعبته الطبقات الوسطى والقيادات الفكرية، وقد أنشأت هذه القومية قاعدة للعمل لأجل الديمقراطية والاستقلال والحريات، ولكن فيما بعد استغلتها الأسر الحاكمة الأوروبية لتنتج قوميات مزورة ومحافظة.

وبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت أمم وقوميات مستمدة من مناهضة الاستعمار، وهو دور قامت به أساسا الطبقات المثقفة التي استطاعت بثنائية اللغة التي تملكها أن تصل إلى الثقافة الغربية الحديثة. وهنا ظهر خطاب ما بعد استعماري يستمد من الثقافة واللغة الاستعمارية نفسها أدوات ومؤسسات مناهضة الاستعمار.

كان الشعور القومي القائم على اللغة والثقافة أساس مناهضة الاستعمار، ووجد الاستعمار أن إضعاف هذه المناهضة وإفشالها يقوم على التركيز على نقاط الضعف والفشل في هذه الثقافات، وهنا ركز الاستعمار كثيرا على وضع المرأة في المجتمعات والثقافات الشرقية.

يقول فرانس فانون إن كشف حجاب المرأة العربية أصبح هوسا لدى المستعمرين، وأصبح الحجاب رمزا للإحباط الاستعماري لأنه يسمح للمرأة بالتحديق في العالم بينما يحميها من العيون الفضولية.

وهكذا فإن اغتصاب المرأة الجزائرية في أحلام الأوروبيين يسبقه دوما تمزيق الحجاب، ويصبح النضال الاستعماري نوعا من الحرب ضد الحجاب، ذلك أنه في هجوم المستعمِر ضد الحجاب يقابله المستعمَر بعقيدة الحجاب.

"
الصراع بين الاستعمار والحركات القومية المناهضة له شوه سمعة القومية الأوروبية لأنها ارتبطت بالفاشية والاستعمار، وفي الوقت نفسه أصبحت مرادفتها في العالم الثالث مرادفة لمناهضة الاستعمار
"
هذا الصراع بين الاستعمار والحركات القومية المناهضة له شوه سمعة القومية الأوروبية لأنها ارتبطت بالفاشية والاستعمار، وفي الوقت نفسه أصبحت مرادفتها في العالم الثالث مرادفة لمناهضة الاستعمار، ولذلك تحولت القومية في الخطاب الغربي إلى مشكلة مقصورة على العالم الثالث.

يقول إعجاز أحمد: إذا كان العالم الثالث يتشكل بفعل تجربة فريدة هي الاستعمار، وإذا كانت المجتمعات هنا لا تعرف من خلال علاقات الإنتاج بل من خلال علاقات السيطرة الدولية، وإذا كانت القوى المحفزة للتاريخ هنا ليست التشكل الطبقي أو النضال، ولا تعدديات أنواع الصراع المتشابكة التي تعتمد على الطبقة والنوع والأمة والعرق والمنطقة، بل التجربة الأحادية للقهر القومي فإن الثقافة على سعتها وتنوعها تختزل في نموذج رسمي فريد، هو القهر القومي.

لقد كانت حالة ما بعد الاستعمار كما يصفها كوامي أنتوني آبيا حالة تعبر عنها مجموعة من الكتاب والمفكرين صغيرة نسبيا ذات أسلوب وتدريب غربي يتوسطون في تجارة السلع الثقافية للرأسمالية في الأطراف، وفي الغرب هم معروفون من خلال أفريقيا التي يقدمونها لأفريقيا ومن خلال أفريقيا التي اخترعوها للعالم ولبعضهم البعض ولأفريقيا.

وفي المقابل يلاحظ آبيا أنه رغم الحقيقة الساحقة للهبوط الاقتصادي، ورغم الفقر الذي يصعب تخيله، ورغم الحروب وسوء التغذية والمرض وعدم الاستقرار السياسي، فإن الآداب الشعببية والقص الشفوي والشعر والموسيقى والمسرح والرقص والفن كلها تزدهر.

إن الإنتاج الثقافي المعاصر للعديد من المجتمعات الأفريقية والتقاليد المتعددة التي تبقى دلائلها بقوة هي الترياق للرؤية القائمة لروائيي ما بعد الاستعمار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك