عرض/ مازن النجار

صدر هذا التقرير الإستراتيجي عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، ومؤلفه أنتوني كوردزمان، خبير إستراتيجي له عشرات المؤلفات في القضايا الإستراتيجية.

يعكس التقرير اهتماماً بسخونة الجبهة السورية اللبنانية مع إسرائيل، نظراً لهشاشة وقف إطلاق النار مع لبنان، والذي ازداد بعد غارة إسرائيل على منشآت بشمال سوريا، وحشود ومناورات على الجانبين.

-التقرير: إسرائيل وسوريا (التوازن العسكري واحتمالات الحرب)
-المؤلف: أنتوني كوردزمان
-الصفحات: 210
-الناشر: مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، واشنطن
-الطبعة: الأولى/أغسطس2007
تعالج فصول التقرير احتمالات حرب إسرائيلية سورية في ضوء توازن عسكري قائم, والاتجاهات الرئيسة لقدرة قوات الطرفين, ومقارنات لقواتهما البرية والجوية والبحرية ومواردهما في تحديث القوات وأثره على فعاليتها, وبيان مفصّل لقوات وإستراتيجيات إسرائيل وسوريا, وأخيراً خيارات سوريا إزاء الجولان.

يرى كوردزمان أن سلام إسرائيل مع مصر والأردن عزل سوريا عسكرياً وسياسياً. وفاقمت سوريا الأمر بإضعاف صلاتها بقوى عربية كالسعودية، وبمغامراتها في لبنان، وعلاقاتها بإيران، وبسوء إدارة اقتصادها، وبؤس تخطيط القوات والتطوير العسكري.

يعتقد المؤلف أن أي حرب ستكون دموية ومكلفة للطرفين، لكن المؤكد تقريباً أن تكسبها إسرائيل بسرعة وحسم. لكن ليس لإسرائيل ما تكسبه من احتلال أراض سورية أخرى، وتكبد تضحيات غير مبررة، أو تقويض سوريا على نحو يجيء بحركة أصولية أكثر نزوعاً للمخاطر.

التطورات العسكرية الراهنة
عقب الأداء "غير الحاسم" للجيش الإسرائيلي بصيف 2006، توترت العلاقات الإسرائيلية السورية باطراد. فلدى اندلاع الحرب، هددت دمشق بعمل عسكري بالجولان. وأثنى الرئيس السوري على حزب الله لهزيمته الجيش الإسرائيلي، وأعلن أن "الجولان ستتحرر بأيد سورية".

وبعد الحرب، أعرب مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم من أن نجاح حزب الله بتشغيل واستخدام أسلحة أمدته بها سوريا سيسرّع بحصولها على المزيد، وقد يشجع سوريا على تجربة مواجهة عسكرية.

وأكدوا أن السوريين بذلوا جهوداً للتغلب على التفوق الإسرائيلي في الدروع والجو، بالاستثمار في صواريخ مضادة للدروع، وبالستية تهدد عمق إسرائيل، وأرض جو تتحدى القوات الجوية.

تبدّلت الأوضاع العسكرية بالجولان. ففي أواخر 2006، وبطول الحدود، عُززت القوات السورية بألوية صاعقة ووحدات مدفعية.

في المقابل، عزز الجيش الإسرائيلي وجوده لأعلى مستوى له في عقد, مضاعفاً عديد أفراده على جبل الشيخ، أعلى قمة جبلية تسيطر عليها إسرائيل، وموقع إستراتيجي لمراقبة سوريا. وشرع سلاح الهندسة الإسرائيلي بتعزيز "العائق العريض" الممتد لاعتراض أي غزو سوري.

"
السوريون بذلوا جهوداً للتغلب على التفوق الإسرائيلي في الدروع والجو بالاستثمار في صواريخ مضادة للدروع، وبالستية تهدد عمق إسرائيل، وأرض جو تتحدى القوات الجوية
"
بنهاية 2006، انقسمت استخبارات وزارة الدفاع حول تقييمها لتحركات سورية بالجولان. الجنرال يوسي بيداتس، رئيس قسم أبحاث الاستخبارات العسكرية (أمان)، أبلغ مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول 2006 أن "الرئيس السوري يجهز جيشه لمواجهة مع إسرائيل, وأمر بدفع مزيد من الأسلحة المضادة للدبابات للحدود، وتسريع إنتاج صواريخ أرض أرض بعيدة المدى".

يُقدّر الجنرال آموس يادلِن رئيس "أمان" أن "ثمة احتمال منخفض لحرب سورية ضد إسرائيل", لكن "هناك إمكانية بدء سوريا عمليات عسكرية بالجولان لوضع قضيتها على الأجندة العالمية".

أحد السيناريوهات المقلقة للإسرائيليين أن تشن سوريا حرب عصابات من القرى السورية الحدودية. لاحظت دورية "جينز" أنه لدى مناقشة إمكانية اندلاع الصراع، استخدم مسؤولون سوريون تعبير "مقاومة"، إشارة لتكتيكات حزب الله.

وأبلغ رئيس الاستخبارات العسكرية "أمان"، مجلس الوزراء أن سوريا تعزز قدراتها العسكرية، لكن وقوع حرب غير مرجح في 2007.

بينما نسب تقرير لمسؤول بالدفاع أن الانتصار في حرب مع جارة إسرائيل الشمالية الشرقية لن يكون بالبساطة التي يتوهمها البعض.

بنجاح حزب الله في تكتيكات حرب "غير متناظرة"، زاد الجيش السوري قدراته الذاتية بالنسبة لهذا النمط. ويقال أن إحدى 12 فرقة تكون الجيش السوري، تضم عشرة آلاف من نخبة الصاعقة: قوة عتيدة هي طليعة أي هجوم سوري.

وزادت سوريا تدريبات حرب المدن وحرب العصابات، رغبة باستدراج الجيش الإسرائيلي لمعارك بمناطق لهم فيها اليد العليا.

تهديد صاروخي متصاعد
ركزت سوريا على الصواريخ؛ فنشرت ثلاثمئة سكود شمال خط فض الاشتباك بالجولان الواقع تحت سيطرتها. وخصصت فرقة من عشرة آلاف جندي لتشغيل الصواريخ، وتضم سكود "دي" بمدى سبعمئة كيلومتر، وهو قادر على حمل رؤوس غير تقليدية.

يملك السوريون ثلاثين منصة إطلاق لـ"سكود". ويقال أنها محفوظة بملاجئ متعددة، معظمها بوادي قرب الحمّا، حيث توجد منشأة لإلكترونيات الصواريخ وتجميعها.

في موقع الحمّا، "قلب" برنامج الصواريخ السورية، هناك مصنع أسلحة يقال إنه محاط بأكثر من ثلاثين ملجأ محصناً، تؤوي منصات إطلاق وصواريخ عديدة.

"
سوريا تتسلح بآلاف الصواريخ الروسية المضادة للدبابات كالتي استخدمها حزب الله في الحرب, كما اختبرت صواريخ بالستية (سكود "دي") يمكنها وضع معظم إسرائيل بمرمى النيران السورية
"
ويذكر أن "خبراء" يزعمون أن هذه المنصات قادرة على إيصال رؤوس صاروخية غير تقليدية، تزن أكثر من طن لأي مكان بإسرائيل. وهناك موقع صواريخ آخر قرب حمص، يقال إنه يضم منشأة رؤوس صاروخية كيميائية.

في فبراير/شباط 2007، أوردت هآرتس أن البحرية السورية تسلحت بصواريخ إيرانية مضادة للسفن من طراز (C-803)، مماثلة لصاروخ استخدمه حزب الله في ضرب البارجة الإسرائيلية "هانيت" خلال حرب 2006.

وذكرت أن سوريا تتسلح بآلاف الصواريخ الروسية المضادة للدبابات كالتي استخدمها حزب الله في الحرب. كما اختبرت صواريخ بالستية، سكود "دي"، يمكنها وضع معظم إسرائيل بمرمى النيران السورية.

في مارس/آذار 2007، ذكرت مصادر إسرائيلية أن "سوريا نشرت على الحدود آلاف الصواريخ القادرة على ضرب مدن وبلدات شمال إسرائيل".

في إسرائيل، يُعتبر ذلك مع حشد قوات بالجولان مؤشراً على إعداد دمشق لـ"حرب منخفضة الكثافة"، أي حرب استنزاف.

فالنشر الكثيف لصواريخ متخندقة جيداً يعتبر "تهديداً إستراتيجياً حقيقياً لإسرائيل". وبينما تركز سوريا معظم ترسانتها من الصواريخ طويلة المدى بشمالها، يرى خبراء أن قرارها بنشر صواريخ قريبة جداً من الحدود يشير إلى إعداد لهجوم.

النشاط العسكري الإسرائيلي في الجولان
كذلك زادت إسرائيل أنشطتها العسكرية في الجولان. فبعد النقد القاسي لأدائها في حرب 2006، شرعت قواتها بعملية استيعاب دروس الحرب ودمجها في برامج التدريب.

كان ذلك جزءاً من جهد لتجديد مهارات قتال الحرب التقليدية وغير التقليدية, وتقليص ما اعتبر إفراطاً في الاعتماد على القوة الجوية، وعدم تطوير بنية مؤثرة للقيادة والسيطرة أو إجراء تدريبات قتالية واسعة.

اختتم الجيش الإسرائيلي تدريبات بالجولان على مستوى لواء كامل. وعقب تدريبات سابقة على مستوى كتيبة وسرية، أجرى لواء المظليين 35، مع مدرعات ومدفعية ووحدات هندسة وسلاح الجو، مناورات مكثفة في فبراير/شباط الماضي، لسيناريو حرب تقليدية مع سوريا. وكان أول تدريب على مستوى لواء كامل بالجولان في ست سنوات.

مع بداية صيف 2007، كانت علاقات سوريا وإسرائيل متوترة وغامضة. فتقارير أشارت لجهود سلام سرية بين القدس ودمشق أوشكت تثمر، بينما قالت أخرى إن السوريين يُعدّون للحرب هذا الصيف.

وفي يونيو/حزيران عيّن رئيس الوزراء لجنة وزارية لمراجعة خطط الجيش ضد سوريا، بينما كان يستكشف خيارات تجديد عملية التفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد.

في مايو/أيار ويونيو/حزيران، كثف الجيشان تدريباتهما بالجولان. وأجرى السوريون تدريبات عسكرية شملت كافة فروع القوات المسلحة أواخر مايو/أيار.

"
السوريون أجروا تدريبات عسكرية شملت كافة فروع القوات المسلحة أواخر مايو/أيار, لدرجة أن جهاو الاستخبارات العسكرية "أمان" أبلغ الكنيست أن سوريا تظهر جهوزية للحرب كما لم تفعل أبداً
"
 فركزوا على اعتراض المدرعات باستخدام صواريخ روسية متطورة مضادة للدروع. وورد أن يادلِن رئيس "أمان"، أبلغ الكنيست أن "سوريا تظهر جهوزية للحرب كما لم تفعل أبداً."

وقال بيداتس مسؤول الأبحاث في "أمان": رغم طبيعة الحشود السورية الدفاعية، بالإمكان تحويلها للهجوم خلال ساعات, فسوريا تقوم بتعزيز كثافة نيرانها، وتجهز مواقعها الحدودية، وتجري تدريبات بمستوى كتيبة. وتسرّع مشترياتها العسكرية من منظومات الصواريخ الروسية.

ووفقاً لمصدر إسرائيلي، تعلم السوريون دروس حرب 2006، خاصة فعالية الأسلحة المضادة للدروع، ومحدودية فعل الطيران في كبت إطلاق الصواريخ.

وكانت المؤسسة العسكرية قلقة جداً إزاء سيناريو تحاول فيه سوريا السيطرة على شمال مرتفعات الجولان، لتحسين موقفها الإستراتيجي في التفاوض.

ونظراً للمستوى الراهن لانتشار قواتها، يستطيع السوريون إنزال قوات مظليين صاعقة والسيطرة على تلال الجولان في ساعات، ثم يطلبون وقف إطلاق النار والمفاوضات، بينما تكون لهم اليد العليا.

واصلت القوات الإسرائيلية مناورات واسعة بالجولان. وفي يونيو/حزيران أجرت مناورة بمشاركة مختلف القوات، ومحاكاة لهجوم.

واستمر التدريب المكثف بالجولان طوال يوليو/تموز، بينما بعثت إسرائيل برسالة لدمشق، أن لا نية لمهاجمة سوريا، وأن التدريبات دفاعية.

احتمالات الحرب
يعتقد المؤلف أن فرصة سوريا ضئيلة أو معدومة للفوز بحرب تقليدية مع إسرائيل، أو في استخدام أسلحة كيميائية (وربما بيولوجية) بشكل مفيد ضد إسرائيل المسلحة نووياً.

وتظهر مقابلات مع مسؤولين وضباط، إسرائيليين وسوريين، أن الحكومتين وقادة الجيشين يفهمون هذه الحقائق. وهناك مخاوف راهنة أكثر إلحاحاً لديهما تخص احتمالات الصراعات "غير المتناظرة".

تشعر إسرائيل بالقلق إزاء قيام حرب أخرى بالوكالة، إذ يتعين عليها أن تتعامل مع حزب الله (المدعوم من إيران وسوريا) في لبنان.

"
هناك شائعات متواصلة في سوريا وإسرائيل عن خطط هجوم على كل منهما من قبل الأخرى. وهناك أيضا إمكانية لأن يقع أحد الجانبين في مقامرة أو خطأ حسابي جسيم (سوريا) أو يرد على هجمات غير متناظرة أو تقليدية أو بالوكالة بحرب تقليدية (إسرائيل)
"
مع ذلك، هناك شائعات متواصلة في سوريا وإسرائيل عن خطط هجوم على كل منهما من قبل الأخرى. وهناك أيضا إمكانية لأن يقع أحد الجانبين في مقامرة أو خطأ حسابي جسيم (سوريا) أو يرد على هجمات غير متناظرة أو تقليدية أو بالوكالة بحرب تقليدية (إسرائيل).

وكان محللون بكلا البلدين قد رفعوا إمكانية وقوع حرب محتملة حول الجولان عام 2007، ويشعر بعض المحللين الإسرائيليين أن سوريا تعظم قدراتها العسكرية لمثل هذا الهجوم وتزيد قواتها الصاروخية بدعم إيراني.

لا يزال السلام خياراً أفضل لكلا الجانبين، وقد دعا الرئيس الأسد لمفاوضات جديدة حول الجولان. لكنه ليس إقليم "المساومين العقلانيين"، كما يرى كوردزمان، إنه الشرق الأوسط.

سيناريو هجوم سوري مفاجئ
رغم أن ليس لسوريا أن تخترق الجولان بعمق، لكنها قد تشن هذا الهجوم في مسعى لخلق حقائق جديدة على الأرض، وكمحاولة لإعاقة الجيش الإسرائيلي بإقامة دفاعات ثابتة وتحصينات طوارئ.

قد تخاطر سوريا بالهجوم إذا رأت بمقدورها تحقيق مفاجأة إستراتيجية، ومهاجمة القوات الإسرائيلية بالجولان قبل أن تتمكن إسرائيل من تعبئة قواتها، بما يدفع الرأي العام العالمي لإيقاف القتال، واستخدام مثل هذا "العلاج بالصدمة" لتحقيق أهدافه في عملية السلام.

فقدت سوريا أي دعم مباشر بأي قوات برية عربية بعد تفكيك قوات العراق الجوية والبرية الثقيلة فى 2003. نشر جزء كبير من القوات السورية نحو الجبهة، ويمكن تعبئتها بسرعة والهجوم عبر الجولان بست فرق مدرعة تقريباً.

لكن سوريا ستواجه مشكلات طارئة. فليس واضحاً مدى المفاجأة التي يمكنها إنجازها، حتى لو مارست خداعاً إستراتيجياً واسعاً، وهاجمت خلال تدريبات مفترضة.

يعتقد كوردزمان أن هذه الإستراتيجية خطرة على الجيش السوري, حتى لو كان بمقدوره تحقيق مفاجأة كبيرة.

فسوريا لا تستطيع تجاهل حقيقة أن الطيران الإسرائيلي يمكنه التدخل بقدرات عالية الدقة وخوف قليل من الدفاع الجوي السوري، وأن إسرائيل تحتكر الأسلحة النووية بالمنطقة، وقد تصعّد جوياً وصاروخياً لضرب أهداف رئيسة.

وحتى لو أمكن لسوريا أن تسجل مكاسب مؤقتة على الأرض، فإن التكاليف الإستراتيجية قد تكون أعلى كثيراً من قيمة المكاسب.

"
لا يرى المؤلف التحديات الإستراتيجية الواقعية لسوريا حرباً مع إسرائيل لاسترداد الجولان, بل ينبغي على سوريا الاحتفاظ بأفضل وضع دفاعي لردع إسرائيل دون استفزاز, وتحديث قواتها بشكل أفضل
"
ولا يرى كوردزمان التحديات الإستراتيجية الواقعية لسوريا حرباً مع إسرائيل لاسترداد الجولان. بل ينبغي على سوريا الاحتفاظ بأفضل وضع دفاعي لردع إسرائيل دون استفزاز, وتحديث قواتها بشكل أفضل، خاصة منظومات صواريخ أرض جو، و"القيادة والسيطرة", وإيجاد توازن بين تحديث أسلحة الدمار الشامل ونظم التوصيل.

وعليها أيضا إحداث توازن بين نفقات التحديث العسكري وباقي الاحتياجات, وتجديد هيكلية القوات المسلحة لاكتساب السرعة وقدرات الحسم المبكر, وإقامة علاقات جديدة مع لبنان والأردن والفلسطينيين دون تدخل.

كذلك عليها التوصل لقرار إستراتيجي حول السلام مع إسرائيل, وإعادة النظر بدعم المقاومة العراقية, موازنة العلاقة بإيران مع احتمال تسوية مع إسرائيل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك