عرض/زياد منى
هذا الكتاب عمل موسوعي كبير ومهم، قسمه فريق عمل مكون من ستة باحثين وحرره السيد زياد محمد، إلى ثمانية فصول تستعرض مختلف جوانب حياة المدينة والأخطار المؤثرة فيها.

 يسبق هذه الفصول ملخص تنفيذي ومقدمة، وينتهي كل منها بتوصيات عامة إلى الجهات الفلسطينية والعربية والدولية ذات العلاقة، إضافة إلى عرض لأحداث العامين كل يوم على حدة.

المقدسات الإسلامية
في الفصل الأول يقرر الكتاب أن عام 2005 كان حاسمًا للقدس والحرم الشريف، الذي يضم المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة، حيث هدفت إسرائيل إلى كل ما من شأنه تحقيق سيطرتها الأمنية والبلدية الكاملة عليه بهدف تحويله إلى مكان عبادة مشترك لليهود والمسلمين، عبر اعتداءات مؤسسات حكومية وغير حكومية بإجراءات نذكر منها:

-الكتاب: عين على القدس (كتاب القدس 2005-2006)
إعداد: فريق عمل
-الصفحات: 669
-الناشر: مؤسسة القدس الدولية, بيروت
الطبعة: الأولى/2007

1- خلق ما أسماه التقرير "مجالا أمنيا" في المسجد ومحيطه يسمح بمراقبته ورصد تحركات كل من فيه على نحو محكم عبر استحداث جدار إلكتروني لمراقبة المكان المقدس وزوراه يضم شبكة كاميرات رقمية مزودة بأجهزة رصد ليلي ومجسات حرارية ورصد إلكتروني شملت أبواب المسجد وساحاته ومعالمه جميعها.

ومن ثم إنشاء سياج إلكتروني على امتداد سوره، وتوسيع الساحات الجنوبية، وساحة المبكى، و"حديقة داود" على امتداد حي البستان في سلوان، والكشف أثريًا عما ادّعي أنه "مدينة تاريخية يهودية" في الفضاء التحتي تضم شبكة أنفاق رومانية، وافتتاح موقع سياحي تحت الحرم الشريف أطلقت عليه إسرائيل عليه اسم "سلسلة الأجيال" لسرد ما تدعيه من تاريخ اليهود في المدينة، إضافة إلى افتتاح كنيس يهودي تحت المحكمة الإسلامية الملاصقة للمسجد الأقصى.

كما عمدت إسرائيل إلى انتزاع حقوق ترميم الحرم الشريف، وكذلك إعلان أن ساحاته عامة مما يعني وضعها في تصرف البلدية بهدف تأمين مكان للمصلين اليهود فيه وهو ما يدعم وجهة نظر مصدري التقرير بأن هدف إسرائيل الحالي هو تقاسم الحرم الشريف وليس هدمه.

2- الاعتداءات على الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة بهدف طمس معالم هويتها الإسلامية باستهداف كل ما يعبر عن شخصيتها، بدءًا من الحرم الشريف، ومرورًا بالمساجد والأوقاف والمقابر، عبر المصادرة والهدم والسيطرة والإغلاق.

والهدف الواضح هو طمس الحاضر لصالح تاريخ مزعوم يتم الإعداد له "لإحيائه مستقبلاً" بالمتاحف والحفريات التاريخية تحت أسس المعالم الإسلامية التاريخية.

ومن الأمثلة التي يسوقها التقرير في هذا المجال إنشاء متاحف ووضع أراضي مقبرة مأمن الله (200000 م2) غرب المدينة القديمة في تصرف شركات تطوير.

"
في عام 2005 سعت إسرائيل إلى كل ما من شأنه تحقيق سيطرتها الأمنية والبلدية الكاملة على الحرم الشريف بهدف تحويله إلى مكان عبادة مشترك لليهود والمسلمين، عبر اعتداءات مؤسسات حكومية وغير حكومية
"
ويضاف إلى ذلك اعتداءات معنوية منها توزيع خرائط على السياح والتلاميذ اليهود تضع ما يسمى "الهيكل الثالث" مكان قبة الصخرة المشرفة، وتصريحات عدائية مستمرة .. إلخ.

ويورد هذا الفصل مجموعة من التوصيات إلى الأطراف ذات العلاقة: الفلسطينية والعربية والمجتمع الدولي وهيئاته.

ولكنه يخص بالذكر الحكومة الأردنية التي يطالبها صراحة بتحمل مسؤوليتها إزاء هذه التحديات المصيرية التي تواجه المدينة أو إعلان عجزها وإحالة المسؤولية لمن يستطيع ذلك.

المقدسات المسيحية/الوجود الأرثوذكسي
يلخص التقرير في الفصل الثاني هدف إسرائيل في هذا الخصوص بانتزاع ما أمكن من الكنيسة الأرثوذكسية تحديدًا، من الممتلكات مقابل الاعتراف بزعاماتها. ويلقي هذا القسم الضوء على أزماتها وعلاقتها  ببيع بعض ممتلكاتها لإسرائيل.

ويستعرض هذا الفصل تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية في مدنية القدس وبنيتها والمراحل التاريخية التي مرت بها من حيث كونها عربية الأصول (آخر بطرك عربي كان عطا الله المعروف باسم دوروتاس الثاني: 1505-1534 م)، ومن ثم تحولها إلى يونانية في الوقت الحاضر بسبب تدفق الكهنة اليونان من القسطنطينية/إسطنبول إلى القدس في العهد العثماني.

كما يتعرض إلى معركة تعريب الكنيسة (الأوقاف الكنسية في القدس وبلدات فلسطينية كبرى مثل: بيت لحم وبيت جالا والناصرة)، وكذلك بيع بعض ممتلكاتها هي والكنيسة الكاثوليكية لإسرائيل ومن ذلك جبل أبوغنيم ومأوي المسكوب وأراضي جبل الطور.

ويشير هذا الفصل أيضًا باقتضاب إلى أمور مهمة أخرى منها رئاسة الكنيسة والوصاية القانونية على أملاكها وأوقاف باب الخليل، إضافة إلى فضائح التفريط في أملاك الكنيسة التي قام بها البطرك اليوناني إيرينيوس الأول ومسؤوله المالي وغيرهما، وانتهت بعزله من منصبه البطركي عام 2006 وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية.

ومن الأمور الجديرة بالذكر اتهام التقرير الحكومة الأردنية بالتواطؤ مع البطرك المخلوع من حيث رفض التصدي له ولأعماله مع أنها مسؤولة قانونيًا عنه، وكذلك إعلان ملكها ثقته التامة بالبطرك إيريونيوس بائع الأملاك والأوقاف الكنسية لليهود وإسرائيل، في ذروة الفضيحة.

ويرى التقرير أن حل المشكلة يكمن في تعريب الكنيسة، وهو مطلب فلسطيني مسيحي في المقام الأول.

شؤون أهل المدينة

"
يعاني المقدسيون وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متدهورًا حيث تعد 64% من العائلات المقدسية فقيرة، ويعيش 76% من أطفالها تحت خط الفقر، ولا يحصل سوى 40% من المقدسيين على الحد الأدنى من الأجور
"
في الفصل الثالث يستعرض ما يواجهه المقدسيون جراء الجدار العازل، والآثار الكارثية لعملية سلخهم عن مدينتهم حيث يفصل المعلمين والطلاب عن مدارسهم ويقطع الأوصال التجارية للمحيط المعتمد على الزراعة، علمًا بأنهم لا يعدون من مواطني دولة إسرائيل (حملة البطاقات الزرقاء). وهؤلاء لا يسمح لهم التعاطي مع امتدادهم السياسي والبرلماني.

كما يعاني المقدسيون وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا متدهورًا حيث تعد 64% من العائلات المقدسية فقيرة، ويعيش 76% من أطفالها تحت خط الفقر، ولا يحصل سوى 40% من المقدسيين على الحد الأدنى من الأجور، وفق التقرير.

كما يعاني المجتمع المقدسي جراء تلك الأحوال، آفات حقيقية مثل الإدمان على المخدرات، مما دعا النائب المقدسي عن المقعد المسيحي برنارد سابيلا إلى التحذير من أن استمرار الوضع القائم فيها سيؤدي إلى خسارتها عربيًا وإسلاميًا ومسيحيًا في المعادلة السياسية.

ويتعرض الفصل أيضا إلى موقع المقدسيين من الانتخابات الرئاسية والبلدية والتشريعية والجامعية.

الاستيطان وشؤون الاحتلال
المادة الرئيس في هذا الفصل -وهو الرابع- هي استعراض ورصد الإجراءات الإسرائيلية لإعادة رسم شكل المدينة ماديًا وسكانيًا، لتحويلها إلى عاصمة للدولة اليهودية باستخدام الجدار العازل وتحويل مداخل المدينة إلى معابر دولية، وإجراءات تعسفية أخرى لإذلال المقدسيين القادمين والمغادرين.

أما الهاجس السكاني التي يطلق عليه التقرير صفة "نقطة الضعف الكبرى" فهو أكثر ما يقلق إسرائيل حيث تتمركز إجراءاته جميعها على "تهويد" المدينة عبر مجموعة من المحفزات الاقتصادية لمن يقبل السكن فيها.

ومع ذلك يذكر التقرير على سبيل المثال، أن عدد المستوطنين الذين غادروا المدينة خلال 25 عامًا يفوق عدد من استقر فيها منهم.

كما يسجل أن كثيرا من ملاك الشقق في القدس الشرقية هم من أثرياء اليهود الأميركيين الذين يحضرون لقضاء إجازات في المدينة دون أن يقيموا فيها.

أما توصيات هذا الفصل لمواجهة المخططات الإسرائيلية فهي ضمن أمور أخرى، تشجيع الانتقال إلى القدس والسكن فيها، وتطوير وسائل دعم المؤسسات العاملة بالقدس للمعزولين عن محيطهم داخل الجدار.

وأخيرًا ضرورة استفادة المؤسسات الحقوقية وغيرها، على نحو أكبر من قرار محكمة العدل الدولية اعتبار الجدار مخالفا للقانون الدولي.

 شؤون المستوطنين

"
ستظل القدس نقطة التمركز الأساس للمتدينين اليهود الذين ستتزايد مطالبهم التي ستؤثر في وضع المدينة، بما في ذلك ابتعاد "العلمانيين اليهود" عنها, وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تحويل القدس إلى بيئة طاردة للفلسطينيين أيضًا
"
يتتبع الفصل الخامس أوضاع مجتمع المستوطنين والآفات والمشاكل التي تواجهه ضمن خمسة أجزاء هي: الصراع الديني العلماني، الوضع الديمغرافي، تعزيز الوجود اليهودي في المدينة، الإرهاب اليهودي والاعتداءات على الأقصى، وأخيرًا الانحلال الأخلاقي وتأثير ذلك في مستقبل المدينة وأهلها.

التقرير يلاحظ وجود ميل واضح لسيطرة المتدينين اليهود على المجتمع الصهيوني في المدينة، مما يجعل -في ظن التقرير- التناقض الأشكينازي السفاردي حاضرًا في مدينة القدس على نحو أكبر من أي مدينة أخرى بفلسطين المحتلة.

ونتيجة لذلك ستظل القدس نقطة التمركز الأساس للمتدنيين الذين ستتزايد مطالبهم التي ستؤثر في وضع المدينة، بما في ذلك ابتعاد "العلمانيين اليهود" عنها. وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تحويل القدس إلى بيئة طاردة للفلسطينيين أيضًا.

وينتهي الفصل بتوصيات منها ضرورة تسليط العرب الأضواء على دور الاستثمار الغربي في تثبيت الوجود اليهودي في القدس ودعمه، وميل شركات غربية كبرى للاستثمار في المدينة بدواع سياسية، رغم المردود المادي القليل.

كما توصي بفضح الانحلال الخلقي الذي يجتاح المدينة المقدسة، رمز الطهارة والنقاء والقداسة، ومن ذلك انتشار البغاء والقمار والجريمة.

 الاعتداءات على السكان المقدسيين
يعرض الفصل السادس من هذا الكتاب الاعتداءات المادية والمعنوية على المقدسيين، ويبيّن أن الهدف من ورائها هو خلق بيئة ضاغطة طاردة لأهلها عبر إجراءات عديدة مثل: منع لم شمل العائلات، ومنع منح تراخيص البناء، وتقييد حمل الهوية، والتضييق على الإقامة، وعلى الانتخابات والتمثيل، وغيرها من الإجراءات التعسفية الأخرى.

ويلاحظ التقرير ازدياد عدد الاعتداءات على المقدسيين من 715 عام 2005 إلى  1097 عام 2006.

الاعتداءات على الأملاك

"
في الوقت الذي تزايدت فيه الاعتداءات على المقدسيين في 2005 و2006, فإن الاعتداءات على أملاك المقدسيين قد انخفضت إلى حد كبير فيما بعد وهو ما يعني أن إسرائيل ترى أنها تمكنت من تنفيذ خطتها بمحاصرة المدينة ولم تعد بحاجة إلى مصادرة أراض إضافية له
"
المقصود بالاعتداء على الأملاك هنا في هذا الفصل -وهو السابع- مصادرة الأراضي وتجريفها لصالح "الجدار العنصري العازل"، وهدم البيوت وعلى نحو خاص في منطقة سلوان بهدف الإسراع في تهويد المدينة.

ويلاحظ التقرير أنه في الوقت الذي تزايدت فيه الاعتداءات على المقدسيين خلال عام 2005 و2006 ومن ضمنها القتل والضرب والإصابة والاعتقال والإقامة الجبرية والحد من حرية الحركة وتقييدها، فإن الاعتداءات على أملاك المقدسيين قد انخفضت إلى حد كبير فيما بعد وهو ما يعني أن إسرائيل ترى أنها تمكنت من تنفيذ خطتها بمحاصرة المدينة ببناء "جدار الفصل العنصري" ولم تعد في حاجة إلى مصادرة أراض إضافية له.

التفاعل مع أحداث القدس
هذا هو الفصل الثامن والأخير، ويرصد اتجاهات التحركات والفعاليات التضامنية مع القدس في العامين الماضيين على الصعد الفلسطينية، والعربية، والإسلامية، الرسمية وغير الرسمية، والأطراف الدولية منظمات كانت أم دولاً، وكذلك المنظمات اليهودية غير الصهيونية.

ومن الحقائق المحزنة التي يذكرها التقرير في هذا الخصوص أن المتفاعل الأول مع المقدسيين هم الفلسطينيون من الأراضي المحتلة عام 1948، وهم في الوقت ذاته الأكثر تأثيرًا والحامي الحقيقي للمدينة ومقدساتها.

أما الأطراف الأخرى ومنها المؤسسات العاملة في المدينة وخارجها فكان تأثيرها ضعيفا أو منعدما.

ملاحظات عامة
-لا ندري سبب اختيار مصدري الكتاب التعامل مع مقدسات المدينة، الإسلامية والمسيحية بجميع طوائفها، على نحو منفصل.

فالقدس واحدة موحدة وليست موزاييكًا دينيا طائفيا. وفي ظننا أن هذا التقسيم البحثي ضارّ وقد يؤدي إلى منح كل طرف حق التحدث على نحو منفصل وفق ما يراه من فائدة تعود عليه، وأنه من الأفضل جمع المقدسات الإسلامية والمسيحية ضمن فصل واحد.

-إن استبعاد الكتاب الجانب اليهودي في المدينة يعني ضمن أمور أخرى، أن المقدسات اليهودية القائمة فيها منذ نحو خمسة عشر قرنًا تحت حماية الإسلام والمسلمين، من الأمور التي تخص اليهود، وبالتالي منح الدولة الصهيونية حق التحدث باسم اليهود، والسيادة على تلك الأمكنة، والتنصل من تاريخ مشترك في ظل حكم عربي إسلامي عادل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك