عرض/ كمال حبيب
يعرض مؤلف الكتاب لخبرته التي عايشها كمراسل صحفي في تركيا لأربع سنوات مفصلية في تاريخها، وهي الفترة التي امتدت من يوليو/ تموز 2002 إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2006.

-الكتاب: الإسلاميون الجدد والعلمانية الأصولية في تركيا
-المؤلف: عبد الحليم غزالي
-الصفحات: 103
-الناشر: مكتبة الشروق الدولية, القاهرة 
الطبعة الأولى 2007
والمؤلف بذلك يفتح لنا نافذة لمعرفة ما جرى من ديناميات السياسة الداخلية والخارجية  التركية التي قادت إلى ما أطلق عليه "الثورة الصامتة" التي حققها حزب العدالة والتنمية بفوزه الكاسح في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، ليفتح بذلك عصر ما أطلق عليهم المؤلف "الإسلاميين الجدد" الذين يعتبرهم ظاهرة جديدة في الحياة السياسية التركية تعبر عن تجربة لم تنضج بعد.

يتضمن الكتاب 12 فصلا تحت عناوين متعددة مثل "عسكر وإسلاميون.. تاريخ لا ينسى" و"حزب العدالة.. قصة النشأة"، و"الحلم الأوروبي مشروع الإسلاميين الجدد" و"الاقتصاد قبل الأيديولوجيا" و"واشنطن ولعبة النموذج الإسلامي" و"تركيا والعرب.. نهج يهزم الماضي".

النشأة والتوصيف والنموذج
يميل المؤلف إلى أن حزب العدالة والتنمية رغم نفيه القاطع عن نفسه صفة الإسلامية وتأكيده احترام النظام العلماني، فإنه لا يمكن نفي علاقته بالتيار الإسلامي, فالحزب خرج من عباءة حزب الرفاه الإسلامي ووريثه حزب الفضيلة، ومعظم قيادات الحزب وكوادره الوسيطة لهم تاريخ معروف كرموز للتيار الإسلامي.

وينفي المؤلف عن الحزب الاتهامات التي تتحدث عن امتلاكه أجندة سرية إسلامية كما يشيع خصومه من العلمانيين، ولكنه يذهب إلى أنه لا يشبه الأحزاب العلمانية القائمة, وإنما يعبر عن توليفة أيديولوجية تتمثل في الإسلام الروحي والعلمانية السياسية، وكما يعبر عبد الله غل فإنه يشبه الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا.

وتعود نشأة الحزب إلي قرار التيار الإصلاحي داخل حزب الفضيلة -الذي يقوده عبد الله غل ورجب طيب أردوغان- تأسيس حزب العدالة والتنمية بعد إغلاق الحزب عام 2001، ويعرف هذا التيار نفسه بأنهم متدينون في المجال الخاص فهم يصلون ويصومون وزوجاتهم محجبات، ولكنهم لا يريدون للدين دورا في المجال العام.

"
الدين لا يلعب دورا محوريا في أنشطة حزب العدالة والتنمية وحكومته، فأعضاء الحزب يدافعون عن القيم الإسلامية ولكنهم مع فكرتي الديمقراطية والعلمانية، ليس بمعنى العداء للدين ولكن بمعنى فصل الدين عن الدولة
"
فالدين لا يلعب دورا محوريا في أنشطة الحزب والحكومة، وهم يدافعون عن القيم الإسلامية ولكنهم مع فكرتي الديمقراطية والعلمانية، ليس بمعنى العداء للدين ولكن بمعنى فصل الدين عن الدولة. ويتبني الحزب اقتصاد السوق ولكنه يعمل على التوازن في توزيع الدخل القومي.

ويرى أن العائلة أساس المجتمع ويدعو لضرورة الحفاظ على العادات والتقاليد والمعتقدات والقيم الوطنية التي تنتمي إلى الماضي وعدم الابتعاد عنها.

ويشير المؤلف استناداً إلى مصادر تركية إلى العلاقة التي ربطت بين أميركا وبين رموز حزب العدالة والتنمية عندما كانوا في حزب الرفاه خاصة أردوغان الذي التقاه السفير الأميركي مورتن إيرام أوينز أواخر الثمانينيات ونقل له رسائل إيجابية جوهرها "أنت مهم لمستقبل تركيا في الأعوام المقبلة".

وقبل نحو عام من تأسيس الحزب زار أردوغان أميركا والتقى بزعيم الطريقة النورسية الشيخ فتح الله غولن وعقد لقاءات تشاورية مع زعماء الأحزاب السياسية، وبعدئذ تم تأسيس الحزب رسمياً في أغسطس/ آب 2001.

ورحبت الولايات المتحدة باكتساح الحزب للانتخابات البرلمانية وحصوله على ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان باعتباره النموذج الذي يمكن تسويقه كتعبير عن "الإسلام المعتدل" الذي يزاوج بين الإسلام والديمقراطية.

ولكن قرار البرلمان التركي رفض مرور القوات الأميركية عبر تركيا لضرب العراق جعل واشنطن تعيد النظر في فكرة النموذج، إذ ترى أن أردوغان يساير القاعدة الشعبية الإسلامية لحزبه في الهجوم على أميركا وإسرائيل، كما حدث بعد بدء الحرب على العراق، وكما حدث بعد اغتيال الدكتور الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين. وتري الكاتبة التركية عائشة كرابات أن حزب العدالة والتنمية لا يصلح نموذجاً للأحزاب الإسلامية في العالم الإسلامي.

زلزال سياسي
يصف الكتاب ما حدث في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 -وهي المرة الأولى التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية- بأنه زلزال سياسي.

فقد خاض الانتخابات مرشحو 18 حزبا ولم يصل منها إلى البرلمان إلا حزب الشعب الجمهوري فقط، أما أحزاب اليمين الكبيرة مثل الطريق القويم والوطن الأم, والأحزاب القومية مثل الحركة القومية، وأحزاب اليسار مثل اليسار الديمقراطي, والإسلامية مثل حزب السعادة، فلم تتمكن جميعها من تخطي حاجز الـ10% اللازم لدخول البرلمان.

فحصول العدالة والتنمية على 363 مقعدا والشعب الجمهوري على 178 مقعدا يمثل انتصارا كبيرا للعدالة والتنمية مرده في الواقع إلى عاملين هما: رفض الناخبين معظم رموز الحركة السياسية من القادة التقليديين، واجتهاد حزب العدالة في إدارة حملة انتخابية فعالة أقنعت الناخبين باختياره.

وجاء فوز الحزب ليخرج بالبلاد من أزمة اقتصادية حادة أمسكت بتلابيبها منذ العام 2001 وتمثلت في انخفاض حاد في سعر الليرة التركية أمام الدولار، والارتفاع الهائل في حجم عجز الموازنة العامة الذي بلغ 22 مليار دولار قياساً إلى مليارين فقط عام 2000, وبلغ حجم الديون 203 مليارات عام 2002 وانخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 4.5% فيما وصف بأنه أسوأ كساد تشهده تركيا في تاريخها المعاصر، وارتفعت نسبة البطالة إلى 10% ونسبة التضخم إلى 35%.

"
نتيجة الانتخابات التي جاءت بحزب العدالة والتنمية كانت بمثابة انقلاب أبيض على العلمانية المتشددة وليست انقلابا على النظام العلماني في المطلق، والتعبير المناسب أنها ثورة إصلاحات للنظام تستهدف تخليصه من التطرف الذي يقود إلى إلغاء الآخر
"
كما جاء فوز الحزب ليخرج بالبلاد أيضا من فوضى وتشرذم سلوك القوى السياسية وعدم إحساسها بالمسؤولية، وهو ما وصفه الكاتب التركي فروح ديميرمان بقوله إن "الانتخابات لم تسجل أقل من ثورة صامتة من جانب الناخبين الذين يرزحون تحت صعوبات اقتصادية"، ويرجع الكاتب يوكسال سويلماز فوز حزب العدالة الكاسح إلى "شخصية رجب طيب أردوغان التي لم تجرب من قبل كزعيم للبلاد".

وعن دور الجذور الإسلامية للحزب في اختيار الناخبين له، يقول نفس الكاتب "إن سمعة الحزب كحزب ذي جذور إسلامية اعتبرت ميزة في صورته العامة، مما ساعده في الانتصار الانتخابي".

ويذهب المؤلف إلى أن نتيجة الانتخابات كانت بمثابة "انقلاب أبيض" على العلمانية المتشددة وليست انقلابا على النظام العلماني في المطلق، والتعبير المناسب أنها "ثورة إصلاحات" للنظام تستهدف تخليصه من التطرف الذي يقود إلى إلغاء الآخر، ومن الجانب الآخر هي اعتراف بفشل التيار الإسلامي التقليدي في الانتصار على العلمانية والحكم باسم الدين.

الحلم الأوروبي
يتبنى الإسلاميون الجدد حلم قيادة تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي للنهوض بالبلاد إلى مصاف الدول المتقدمة وللحصول على مساحة أكبر من الحرية والمناورات السياسية مع النخبة الكمالية العلمانية التي تصر على بقاء النظام السياسي التركي فوق الالتزام بالقانون بحجة مواجهة التيار الإسلامي والتيارات المطالبة بحقوقها الثقافية مثل الأكراد.

واستطاع الحزب بعد توليه السلطة أن يطور النظام السياسي ويجعله أكثر ديمقراطية وإنسانية، وأبرز نجاح حققه هو قرار الاتحاد الأوروبي عام 2004 بدء مفاوضات انضمام تركيا كعضو كامل.

كما حقق حزمة إصلاحات مهمة للتوافق مع المعايير الأوروبية مثل الحد من دور الجيش في الحياة السياسية بتقليص تمثيله في مجلس الأمن القومي، ومنح الأكراد بعض الحقوق الثقافية مثل السماح بالتعليم والبث الإعلامي باللغة الكردية.

وبالطبع فإن التردد الأوروبي والتعنت في بعض المواقف تجاه تركيا يضعف قدرة حكومة العدالة والتنمية في خططها الرامية إلى الانتقال بالنظام السياسي التركي من وضعه الاستثنائي إلى وضعه الطبيعي، ومن بين عوائق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الضغط اليوناني والفرنسي من أجل اعتراف أنقرة بقبرص اليونانية، ما يهدد وضعها الجيوسياسي والإستراتيجي في الجزيرة.

"
رغم الصعوبات والشكوك التي تعترض حلم اللحاق بالاتحاد الأوروبي فإن الإسلاميين الجدد يتمسكون به من أجل المضي قدما في وضع خططهم الإصلاحية موضع التنفيذ
"
وفي الواقع فإن لعبة التجاذب بين العسكر والإسلاميين في عصر "العدالة والتنمية" أصبحت ذات طابع مختلف حيث يمثل حلم تركيا بالانضمام إلى الاتحاد أحد وسائل تحجيم نفوذ العسكر الذين يصرون علي التشبث بامتيازاتهم. وقد كانت ورقة الاتحاد إحدى الأدوات التي دعمت الحزب في معركته الأخيرة مع حزب الشعب والقوى العلمانية والعسكر بشأن ترشيح عبد الله غل لانتخابات الرئاسة التركية.

فكما هو معلوم فإن الاتحاد يرفض تدخل الجيش في السياسة وأصدر بيانا بهذا الشأن، ومع أن أردوغان لم يستعن به في تلك الأزمة -وهو ما حُسب له- فإنه كان يضع تلك الورقة في اعتباره.

ورغم الصعوبات والشكوك التي تعترض حلم اللحاق بالاتحاد الأوروبي فإن الإسلاميين الجدد يتمسكون به من أجل المضي قدما في وضع خططهم الإصلاحية موضع التنفيذ.

الاقتصاد وتجربة لم تنضج
ينهي المؤلف كتابه بالحديث عن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم لخمس سنوات، وكيف أن الأداء الاقتصادي الجيد لحكومة العدالة والتنمية مثل أولويتها الكبرى.

فقد وصل معدل النمو الاقتصادي 9% وانخفض معدل التضخم إلى 8% وبلغ حجم الصادرات 70 مليار دولار وحجم الاستثمارات الأجنبية أكثر من 15 مليارا، ودخل تركيا من السياحة 20 مليارا. كما ألغيت الأصفار الستة من أوراق العملة وعادت الليرة إلى الرقم الأحادي، وأصبح الاقتصادي التركي يقف على أرض صلبة يمكنها امتصاص الأزمات.

وقاد الإنجاز الاقتصادي أكبر مجمع لرجال الأعمال العلمانيين "التوسياد" للوقوف مع حزب العدالة والتنمية في معاركه المختلفة مع العسكر والبيرقراطية الكمالية.

ولا يتعجل المؤلف الحكم على هذه التجربة بالنجاح الكامل أو الفشل، فهي لا تزال تواجه الكثير من العواصف الداخلية والخارجية. ولكن ما لم يذكره الكتاب -لأنه لم يدركه- هو أن حزب العدالة والتنمية فاز للمرة الثانية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت يوم 22 يوليو/ تموز الماضي وحصل على 47% من الأصوات، كما فاز مرشحه عبد الله غل لمنصب رئاسة الجمهورية قلب القلعة العلمانية، ما يعني أن ظاهرة الإسلاميين الجدد -كما عبر عنها الكتاب- في سبيلها إلى الاكتمال والترسخ.

صك المؤلف مصطلحا جديدا هو "الإسلاميون الجدد" ليصف به ظاهرة التيار الإصلاحي من جيل الوسط الإسلامي في تركيا, ولكنه لم يحرر المصطلح ولم يوضح معناه وحدوده التي تحقق له الضبط والشرعية.

كما غاب عن الكتاب أية إشارة إلى أيديولوجية حزب العدالة والتنمية وهي "الديمقراطية المحافظة" التي تضمنتها وثائق الحزب ويعرف أعضاؤه أنفسهم بها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك