عرض/ زياد منى
عندما صدرت موسوعة العالم الكبير عبد الوهاب المسيري "موسوعة اليهود واليهودية" أذكر أني كنت جالسا إلى المعلم الراحل الكبير نقولا زيادة شيخ المؤرخين العرب الذي كان يقرأ عنها في الصحف اللبنانية مبديا إعجابا كبيرا بهذا الإنجاز العلمي الكبير والريادي.

- الكتاب: طريق العودة.. دليل المدن والقرى المهجرة والحالية والأماكن المقدسة في فلسطين
- المؤلف: سليمان أبو ستة
- الصفحات: 248
- الناشر: هيئة أرض فلسطين، لندن
- الطبعة: الأولى2007

تساءل وقتها عن رأيي فيما إن كان العرب غير قادرين على إنتاج عمل جماعي، ملاحظا في الوقت نفسه أنهم أبدعوا في مجال الشعر وهو فن فردي، ولم يتقنوا المسرح وهو عمل جماعي.

كان الأستاذ الكبير يعرب بكلماته تلك عن عميق احترامه لذلك العمل، معربا عن قناعته بأن صاحبه العالم المصري الكبير هو مؤسسة في فرد.

أقول هذا لأن الكتاب الذي سأستعرضه الآن "طريق العودة" ينتمي من منظور التأليف والإنتاج إلى عالم المؤسسات والموسوعات.

فالزميل الدكتور سليمان أبو ستة الذين تعرفنا عليه سابقا عبر عمل موسوعي أول ريادي بكل ما للكلمة من معنى، يعود إلينا هذه المرة بعمل تفخر به المؤسسات، ويحتاج لإنجازه على النحو الذي هو بين أيدينا إلى عمل جماعي لمجموعة من العلماء.

مع ذلك نتعلم من الدكتور سليمان أبو ستة أن قدرات الفرد إن جد وامتلك الأدوات العلمية وتوفرت له ظروف مواتية ولو بالحد الأدنى، يمكنها أن تتجاوز مؤسسات.

مدخل الكتاب
يذكر هذا الكتاب الموسوعة 1500 مدينة وقرية و5000 مكان مقدس و4700 معلم، كحدود أرض القرى والأرض "اليهودية"، والمستعمرات اليهودية قبل عام النكبة وبعده والطرق والتقاطعات وحائط الفصل العنصري والعوائق من حواجز دائمة ومؤقتة في "الضفة الغربية" والطرق الممنوعة (الخاصة باليهود) والمناطق المحظورة والمنتزهات وخرائط تسع مدن فلسطينية ومذكرات إيضاحية وخرائط وجداول.

يحوي هذا الكتاب إضافة إلى نحو مئتي خريطة بمقياس [1: 50000]، معلومات تفصيلية بالعربية والإنجليزية على النحو الآتي:
- مقدمة وحقائق وراء الخرائط.
- فهارس عربية وإنجليزية وعبرية (البلدات، أمكنة مقدسة، مقابر.. إلخ).

وهذه جميعها مطبوعة بالألوان على ورق فاخر يليق بأرض فلسطين.

"
الجديد في هذا العمل أنه ليس أطلسا بالمعنى التقليدي أو القياسي للمصطلح، بل عملا موسوعيا ودليل عودة لأصحاب الأرض والبلاد، وضع مفاتيح إضافية لا يمكن العثور عليها في خريطة أي بلد آخر في العالم
"
ما الجديد؟
الجديد في هذا العمل أنه ليس أطلسا بالمعنى التقليدي أو القياسي للمصطلح، بل عملا موسوعيا ودليل عودة لأصحاب الأرض والبلاد.

فإضافة إلى المفاتيح التي يعثر عليها في أي خريطة قياسية، وضع سلمان أبو ستة مفاتيح إضافية لا يمكن العثور عليها في خريطة أي بلد آخر في العالم (منطقة مبنية، حدود البلدية، حدود أرض القرية، أرض "يهودية" الصندوق القومي اليهودي، أرض "يهودية" آخرون، أرض "يهودية" مختلطة، أراض استولى عليها الصندوق القومي اليهودي بعد عام النكبة).. إلخ.

وثمة مفاتيح أخرى تعرف المتصفح على الفور بأن ما يراه لا يمكن أن يعثر عليه إلا في فلسطين (هُجِّر أهلها، باقية منذ عام 48، جديدة معترف بها، جديدة غير معترف بها، مستعمرات يهودية قبل عام 48.. إلخ).

كما يميز هذا الكتاب الأمكنة المقدسة تفصيليا (مسجد، كنيسة، كنيس، ضريح، مقبرة، دير، آثار.. إلخ).

هذا ما يخص فلسطين قبل النكبة، أما مفاتيح الخرائط في عام 2005 فتحوي معلومات إضافية لا نعثر عليها في أي خريطة في أي بلد في العالم، مثلا: طرق لليهود فقط، نقاط تفتيش دائمة، قواطع طرق، طرق فرعية ممنوع المرور فيها.

وإضافة إلى ما سبق ثمة "جدار الفصل العنصري" بالتفصيل: تم بناؤه، قيد الإنشاء، مخطط، حائط ثانوي.

أليس من الصحيح قولنا إنه من غير الممكن أن تحوي أي خريطة لدولة من دول العالم "طريقا خاصة باليهود". هل بإمكان المرء تصور وجود "طريق خاصة باليهود" في نيويورك التي تحوي أعدادا من اليهود تفوق عدد سكان الدولة اليهودية.

هذه التفاصيل الدقيقة التي انتبه إليها مؤلف الكتاب بفضل انغماسه في العمل وتحول حياته بتفاصيلها إلى وقف مخصص لرسم خريطة فلسطين.

حقائق وراء الخرائط
تحت هذا العنوان حوى هذا الكتاب الموسوعة شرحا وافيا للخرائط ومعلومات مهمة: النكبة، الأرض، المدن، الأمكنة المقدسة، حق العودة..

ويحدث المؤلف القارئ الفلسطيني مباشرة ويشجعه على زيارة فلسطين المحتلة بالقول "نأمل أن لا تثنيك كل هذه التحذيرات (احتمال القتل على أيدي المستوطنين، الاعتقال، الإصابة) عن زيارة الوطن، فهذا ثمن بسيط لا يقارن بروعة التجول على أرض الوطن وتنسم هوائه والإحساس بالانتماء إليه أبا عن جد على مدى قرون".

"
إحدى رسائل هذا العمل اللازماني هي أنه لا يمكن أن يقوم صلح بين الضحية والجزار، بين العين والمخرز، بين السيف والدم، ما دام المعتدي لم يعترف بما ارتكبه، وما دام يحاول إخفاء جريمته
"
لذا فإنه يقترح 12 مسارا لرحلة العودة في فلسطين:
- "يافا-حيفا": عبر 14 موقعا منها الشيخ مؤنس (جامعة تل أبيب)، إجليل (معسكر عمل واعتقال).. الطنطورة (مذبحة).

- ويرد في مسار آخر "حيفا–طبرية" مرورا ببلد الشيخ (مذبحة).. خربة ناصر الدين (مذبحة)..

- مسار ثالث "بيسان–الرملة" مرورا باللجون (حرق أحياء).. أبو زريق (مذبحة).. قولة (فظائع)..

- مسار رابع "الرملة–القدس" مرورا بأبو شوشة (مذبحة).. القسطل (استشهاد عبد القادر الحسيني)..

المسارات كلها هكذا مغطاة بدماء الفلسطينيين ودموعهم، ممن سقطوا على أرض وطنهم لأنهم رفضوا إخلاء بيوتهم وبلداتهم ووطنهم للمغتصب. كل الطرق في فلسطين تؤدي إلى مذابح ومعتقلات وتهجير وعقاب جماعي.

وللمرء أن يذكر ما خطر على باله من وحشية، فسيعثر عليها في فلسطين المحتلة. صاحب الأرض والوطن هو الضحية، والمغتصب هو مرتكب الجريمة.

لذا فإن إحدى رسائل هذا العمل اللازماني والمهم على نحو مطلق، هي أنه لا يمكن أن يكون صلح بين الضحية والجزار، بين العين والمخرز، بين السيف والدم، ما دام المعتدي لم يعترف بما ارتكبه، بل ويحاول دوما إخفاء جريمته.

كما يتعلم المرء من هذا الأطلس الجغرافي التاريخي الحقوقي أنه ما ضاع حق وراءه طالب.. هذا العمل يقول إن ذلك ليس بشعار ممل، بل حقيقة واقعة.

تمسك بالأرض
والكتاب الموسوعي هذا قطعة أدبية وملحمة لا تضاهيها أي ملحمة، إنه رواية وقصص عن شعب متمسك بوطنه عبر قرون، وذاكرته لا تنمحي مع مرور الأيام والقرون.

ماذا قالت بعثة "صندوق استكشاف فلسطين" التي أرسلتها الحكومة البريطانية عام 1871 ليمسح أرض فلسطين، أرض الأنبياء، طولا وعرضا، تمهيدا لاحتلالها وتحويلها من وطن العرب الفلسطينيين إلى "أرض موعودة" بلا شعب ولا تاريخ عشرين قرنا مضت؟

"
هذا الكتاب رواية وقصص عن شعب متمسك بوطنه عبر قرون، وذاكرته لا تنمحي مع مرور الأيام والقرون
"
قالت البعثة كما يرد في كتابنا هذا (ص 9) "إن في مزاولة الفلسطينيين لشعائرهم الدينية وإجلالهم للأمكنة المقدسة كما هو في لغتهم نفسها، يكمن تاريخ فلسطين كله".

وقالت أيضا "إذا أخذنا الفلسطينيين في مجموعهم، فإنهم اليوم أحفاد القبائل القديمة في فلسطين.. إن الطريقة المدهشة التي حافظ بها الفلاحون على أسماء الأمكنة دليل على أنهم هم أنفسهم لم يتغيروا على مدى الزمن".

ويعلق د. سلمان أبو ستة على ذلك بالقول "في الواقع فإن كتاب أسماء بلدات فلسطين الذي ألفه أسقف قيسارية عام 420 بعد الميلاد وأعيد طبعه أخيرا، يرصد أسماء 400 بلدة فلسطينية لا تختلف أسماؤها عما هي عليه اليوم".

هذا الكتاب مأثرة جديدة تضاف إلى مأثرة المؤلف السابقة وهي "أطلس فلسطين 1948" الذي صدر قبل فترة وجيزة، ويأخذ مكانه جنبا إلى جنب مع مراجع مماثلة تقرب كل من يحب فلسطين منها، ونخص بالذكر هنا كتاب وليد الخالدي "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها"، وكذلك مؤلف شكري عرّاف الموسوعي "المواقع الجغرافية في فلسطين".

والأمر الجيد والمفيد هو أن المؤلف أسس لكتابه هذا موقعا خاصا بهيئة "أرض فلسطين" على الإنترنت (www.plands.org) يضم خرائط ورسومات مهمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات