عرض/ إبراهيم غرايبة

يقدم الكتاب محتوى منهجيا تأسيسيا للمهتمين بقضية التغيير بعيدا عن العنف أو الاستسلام للتحرر من الاستبداد والهيمنة، وحرب اللاعنف تمثل منهجا في الفعل السياسي والاجتماعي، لها فلسفتها وإستراتيجياتها وتكتيكاتها.

ويعرض الكتاب في هذا السياق لطبيعة الصراع وأنواعه، وطبيعة القوة السياسية وأهم ما طرح عنها، وطبيعة أدوات اللاعنف وتصنيفها، وأنها أساسيات العمل اللاعنفي، ويستعرض 15 تجربة تغييرية على امتداد قارات العالم قامت على أساس اللاعنف.

مفهوم اللاعنف وأدواته

-الكتاب: حرب اللاعنف.. الخيار الثالث
-المؤلف: أحمد عبد الحكيم، وهشام مرسي، ووائل عادل
-الصفحات: 271
-الناشر: الدار العربية للعلوم، وأكاديمية التغيير, بيروت
-
الطبعة: الأولى/2007
يعرض المؤلفون كما العادة تعريفات عدة لحرب اللاعنف، ذلك أنه لا يكاد يكون ثمة تعريف محدد متفق عليه لأي مفهوم أو مصطلح.

ويعتبر الفيلسوف البريطاني بيرتراند رسل اللاعنف بأنه "سلوك عقلاني يهدف إلى تفادي الصراع مع طرف معين أو أطراف محددة بغية إحلال السلام والوئام والانسجام مع الجهات التي قد تكون سببا من أسباب التوتر والقلق، وإقناع الآخرين بأن النزاع والحروب تؤدي إلى الكثير من الخسائر المادية والبشرية.

وأما تعريف أكاديمية التغيير لحرب اللاعنف فهو "شن الصراع الحاسم على الخصوم المعاندين من خلال التحكم المقصود والمخطط في أدوات القوة السياسية لتحطيم إرادة الخصم باستخدام أسلحة لا عنيفة قوية التأثير".

وهو كما يبدو واضحا تعريف يتضمن مجموعة من المفاهيم والمفردات، مثل: الصراع وطبيعته، وأطراف الصراع، وطبيعة القوة السياسية، وأسلحة حرب اللاعنف.

فالصراع يكاد يكون حتميا أو لنقل إنه لم يتوقف منذ وجدت البشرية، فهو يمثل جزءا من الظواهر الناتجة عن الاجتماع البشري، فمنذ وجد الإنسان على الأرض تلازمه ثلاث ظواهر: التنوع في الاحتياجات والطموحات والأفكار والأهداف والتقاليد والثقافة، والاختلاف في التفكير والنظرة إلى الحياة وتوزيع الموارد وتحديد الحقوق والواجبات، والندرة.

ويقصد بذلك الشعور الإنساني العام الفردي أو الجماعي بقلة الموارد الطبيعة والبشرية وندرتها، وهي ظواهر تؤكد أن الصراع ميزة حتمية للحالة البشرية، وإلى هذا يشير القرآن الكريم "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين".

وأما الصراع فيمكن تعريفه بأنه "التنافس بين القوى المتضادة والمتعارضة بما يعكس مدى التنوع والاختلاف والشعور بالندرة" وهنا تقوم ديناميكية الصراع على مدى حدة الظواهر الثلاث (الاختلاف والتنوع والندرة) وطبيعة الخصوم، مثل الدوافع والأيديولوجيا والظروف السياسية والاقتصادية، وهذه الطبيعة هي التي تحدد أسلوب التعامل مع الصراع.

والصراع يمكن أن يكون منخفض الحدة حول قضايا خلافية يمكن تسويتها والتفاوض حولها، أو صراعا صفريا حول القضايا التي تهدد وجود أو استقرار أحد طرفي الصراع، أو صراعا صفريا كارثيا يجب أن ينتهي بالقضاء على أحد طرفي الصراع.

وهنا يجب في إدارة الصراع تحديد مستوى القضايا المختلف عليها ومدى الاختلاف بين أطراف الصراع، وتحديد طبيعة الصراع المفترضة.

"
الصراع الصفري يمثل محور الصراع في العالم العربي والإسلامي، ولذلك يقترح المؤلفون لإدارة هذه الصراعات تحديد دوافع الأطراف لشن الصراع، ومستويات تفاعل الأطراف مع فكرة الصراع
"
ويرى المؤلفون أن الصراع الصفري يمثل محور الصراع في العالم العربي والإسلامي، ولذلك فإنهم يقترحون لإدارة هذه الصراعات تحديد دوافع الأطراف لشن الصراع، ومستويات تفاعل الأطراف مع فكرة الصراع.

وبالعودة إلى دوافع الصراع من تغييرية أو أيديولوجية أو شخصية أو نقابية، ودرجة الخاطرة التي لا بد أن يستعد لها أطراف الصراع.

فإنه يمكن تقسيم أنواع الصراعات الصفرية إلى أربعة أقسام: صراع الحافة (الضربة القاضية) وفي هذه الحالة فإن المهزوم سينتهي إلى الأبد، وصراع النقاط وهو صراع يقوم على الدوافع النقابية من حيث تحديد المكاسب والمخاسر والمطالب الممكنة، وصراع الدفاع لمواجهة الأطراف التي ترغب في إجهاض مشروع الطرف الآخر، وصراع التردد القائم على دافع الطموح والمصالح الشخصية.

وهنا يقترح المؤلفون على حركات المقاومة والتغيير ضرورة تحديد دوافع الصراع وأن تقدمها للأعضاء بدقة ووضوح، وأن تحدد نوع الصراع الصفري الذي تخوضه مع خصومها.

إن حركات الإصلاح في عملها في مقاومة الاستبداد تتطلع للمصادر الحقيقية للقوة والتأثير لأجل التحكم بها واستخدامها، وهي: السلطة أو الشرعية، والموارد البشرية، والمهارات والمعرفة، والموارد المادية، وعليها في إطار عملها وتقديرها لمصادر القوة أن تدرك أن طبيعة القوة متغيرة وغير ثابتة.

 وعليها أن تسعى إلى إدراك طبيعة القوة السياسية في العصر الذي تعيشه، وتشكيل بنى الحركة بناء على الإدراك الكامل لطبيعة القوة السياسية، وتدريب الجماهير على العصيان والتمرد في مواجهة الاستبداد والاحتلال، وإيجاد إستراتيجيات لا عنيفة للتعامل مع القمع الذي يحول دون مشاركة الجماهير، وتقوية المجتمع بأفراده وهيئاته ومؤسساته، وتحرير العقل من قيود وأسر النظرة القديمة وإعادة تعريف طبيعة القوة، والدراسة المتأنية الجادة لحرب اللاعنف، والاستخدام الفعال والمؤثر لأدوات القوة المتوافرة.

أدوات اللاعنف
يميز المؤلفون بين حرب اللاعنف والاستجابات السلمية الهادئة للصراعات، فحرب اللاعنف هي مقاومة ولكن بأسلحة أخرى، ولذلك فهي تتشابه مع الحرب العسكرية من حيث أنها توحد القوى وتشعل المعارك وتتطلب إستراتيجية حكيمة وخطة محددة وجنودا يتميزون بالشجاعة والتضحية وكذلك تدريبا متواصلا على تكتيكاتها.

وأسلحة العنف كما يقول المؤلفون ليست حيلة العاجز، بل إنها نتاج حضاري لتفكير العقل السياسي الذكي، وفيها من القوة ما يجعلها قادرة على إحداث التحولات المطلوبة، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات أساسية: الاحتجاج والإقناع اللاعنيف، وعدم التعاون، والتدخل المباشر.

"
من وسائل الاحتجاج والإقناع: التصريحات بالخطب ورسائل التأييد والمعارضة والتصريحات الموقع عليها علنا وبيانات عن المظالم والمطالب والعرائض والمطالب الجماهيرية، ومخاطبة الجماهير العريضة بالشعارات والرسوم والرموز واللافتات
"
ومن وسائل الاحتجاج والإقناع: التصريحات بالخطب ورسائل التأييد والمعارضة والتصريحات الموقع عليها علنا وبيانات عن المظالم والمطالب والعرائض والمطالب الجماهيرية، ومخاطبة الجماهير العريضة بالشعارات والرسوم والرموز واللافتات والملصقات والإعلانات التظاهرية والنشرات والكتب والدوريات والصحف والتسجيلات الإذاعية.

وكذلك الاحتجاجات الجماعية بالوفود والاعتصامات وجماعات الضغط، والأعمال الرمزية العامة مثل رفع الأعلام وعرض الألوان الرمزية وارتداء الرموز الخاصة والصلاة والعبادة وتوزيع مواد تحتوي على رموز خاصة وإتلاف الأشخاص لممتلكاتهم الخاصة وعرض اللوحات الفنية المعبرة واستخدام الطلاء كنوع من الاحتجاج واستخدام شارات وأسماء جديدة واستخدام الأصوات كرموز واستصلاح رمزي للأرض.

بالإضافة إلى ممارسة الضغط على الأفراد بمقابلة المسؤولين وملازمتهم وانتقادهم وتوبيخهم والمؤاخاة والاعتكاف، والمسرح والموسيقى كالمشاهد المسرحية التهكمية والأغاني، والمواكب كالمسيرات والاستعراضات والمواكب الدينية وقوافل السيارات.

 وكذلك تكريم الموتى بالحداد السياسي والجنازات الرمزية والجنازات التظاهرية وحفلات المبايعة وإعلان الولاء عند المقابر، والتجمعات الشعبية مثل التجمع من أجل الاحتجاج والتأييد واللقاءات الاحتجاجية واللقاءات الاحتجاجية المموهة والندوات، والانسحاب والتنصل بالخروج من مكان معين والصمت ورفض التشريفات وإدارة الظهر.

ومن أساليب عدم التعاون: عدم التعاون الاجتماعي بنبذ الأشخاص والمقاطعة الاجتماعية والحرمان والتحريم، وعدم التعاون مع الأحداث الاجتماعية والمؤسسات مثل تعليق الأنشطة الاجتماعية والرياضية ومقاطعة الشؤون الاجتماعية وإضرابات الطلاب والعصيان الاجتماعي والانسحاب من المؤسسات الاجتماعية.

وكذلك الانسحاب من النظام الاجتماعي بالبقاء في المنزل وعدم التعاون الشخصي الشامل وهروب العمال والخلوة والاختفاء الجماعي والهجرات الاحتجاجية، وعدم التعاون الاقتصادي بالمقاطعة للسلع والتقشف والامتناع عن دفع الأجور ورفض الاستئجار ومقاطعة المنتجين والمزودين والوكلاء.

"
من أساليب عدم التعاون: الانسحاب من النظام الاجتماعي بالبقاء في المنزل وعدم التعاون الشخصي الشامل وهروب العمال والخلوة والاختفاء الجماعي والهجرات الاحتجاجية
"
ويمكن لأصحاب الأعمال أن يقاطعوا التجار ويمتنعوا عن تأجير أو بيع ممتلكات ويمنعوا التوظيف ويرفضوا المساعدة الصناعية وتنظيم إضرابات عامة للتجار.

ويمكن لأصحاب المصادر المالية أن يسحبوا ودائعهم من البنوك ويمتنعوا عن دفع الرسوم والضرائب والديون والمخصصات والقروض، ويمكن للحكومات أن تقوم بالحصار الاقتصادي ووضع بعض التجار على القائمة السوداء وحظر البيع دوليا وحظر الشراء دوليا، والإضرابات الرمزية والاحتجاجية والزراعية وإضرابات المجموعات والإضرابات الصناعية والجزئية.

وتتواصل الاقتراحات في قائمة طويلة من الأفكار والأعمال في عدم التعاون السياسي والأعمال الجماهيرية والمجتمعية وأعمال يمكن أن تقوم بها فئات محددة مثل موظفي الحكومة والحكومات المحلية والبرامج الدولية للحكومات.

قواعد اللاعنف
يعرض المؤلفون في هذا الجزء من الكتاب الأساسيات والركائز التي تقوم عليها حرب اللاعنف والتي لا بد من الإحاطة بها، كما يعرضون بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة حول اللاعنف لأجل تصويب النظر وترشيد الحركات وتوعيتها باستخدام حرب اللاعنف.

تقوم قواعد اللاعنف على مجموعة من المبادئ، أهمها: المقاومة لا الاحتجاج، والفوز بالطرف الثالث، والعلنية، والعمل المباشر، والاقتراب غير المباشر، والالتزام بمبدأ اللاعنف، والنظرة للممكن والصواب.

وهنا تحتاج الحركات التغييرية إلى أن تدرك الفرق بين المقاومة والاحتجاج وأن تستخدم الأساليب المناسبة للخيار الذي اتخذته سواء كان قرارا بالمقاومة أو الاحتجاج، فالمقاومة عمل يهدف إلى التغيير وتقوم على العصيان والتمرد ولكن الاحتجاج قد يكون مجرد تعبير عن موقف ثم العودة والإذعان.

ومطلوب من الحركات التغييرية أن تصوغ فكرتها ورؤيتها للمستقبل بما يلهب عواطف الجماهير ويقنعها بالعوائد والفوائد المتوقعة لعملها ومواقفها، وإقناعها بقدراتها وإمكانياتها، وأن تهتم بتوجيه رسائل للجماهير، باعتبارها أداة الحسم الرئيسة في حرب اللاعنف.

ويجب أن تبتعد عن العمل السري حتى على مستوى الأنشطة، فالأعمال التي تتم في السر وفي جنح الظلام هي احتجاج وليست مقاومة حتى لو جاءت بنتائج سياسية مرضية، ولكن المواطنين في حاجة ماسة لأن يروا نماذج علنية تحركهم وتدفعهم للعمل واتخاذ المواقف المناسبة.

وفي جميع الأحوال والمواقف تلتزم الحركات الإصلاحية والتغييرية بمبدأ اللاعنف لتحمي نفسها أولا ولتضمن استمرارية برامجها وديمومتها وقدرتها على الانتشار والنفاذ بين المجتمعات والجماهير ولئلا تعطي مبررا قانونيا وأخلاقيا للقضاء عليها.

فيجب أن تبقى الحركات والمنظمات في وضع أخلاقي وقانوني سليم لا يمكن الاعتراض عليه قانونيا ودستوريا، وفي حالة منعها والتضييق عليها فإن الخصم يكون في حالة ضعف أو انتهاك للقوانين والأنظمة ويصبح في وضع أخلاقي حرج أمام المواطنين ووسائل الإعلام والرأي العام.

فالمنتج النهائي لحرب اللاعنف يصعب تحقيقه من خلال العنف لأنه قائم على فكرة مجتمع حر صاحب رسالة عميقة، وهذا المنتج هو إعادة توزيع القوة في المجتمع، والعنف لا يؤدي إلى الديمقراطية ولكنه إذا نجح يحل استبدادا بدل استبداد آخر.

"
الحركات والمنظمات يجب أن تبقى في وضع أخلاقي وقانوني سليم لا يمكن الاعتراض عليه قانونيا ودستوريا، وفي حالة منعها والتضييق عليها فإن الخصم يكون في حالة ضعف أو انتهاك للقوانين والأنظمة ويصبح في وضع أخلاقي حرج
"
والعمل السلمي يحظي باحترام الجماهير المثقفة والطبقات الوسطى والمهنية والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية من المشتغلة بالإعلام وحقوق الإنسان والحريات.

ويمثل العنف الفرصة الأفضل للخصم لاستخدام القمع وتبرير مواقفه وسياساته والحصول على تأييد الجماهير والمجتمعات، كما أن اللعبة تدخل إلى ملعبه الذي يتقنه ويتفوق فيه (العنف) وتريحه من المتاهات والمسارات التي لا يعرف كيف يديرها بل ويضيع فيها (شبكة العمل السلمي بالنقاط والمجالات المتعددة والوسائل والأفكار الصغيرة والمعقدة).

ويحيط باللاعنف سلسلة من المفاهيم الخاطئة والمنتشرية، فهناك اعتقاد بأن العنف هو الطريق الأسرع لتحقيق النجاح، ولكن التجارب الواقعية تثبت العكس.

ويغلب الاعتقاد بأن اللاعنف يعبر عن الضعف وأنه حيلة العاجز، ويعني الخضوع، الحقيقة أن حرب اللاعنف ليست سلبية ومليئة بالقوة والتضحيات، ويربط البعض بين اللاعنف أو العنف وبين المعتقدات الدينية، وهو رأي مختلف تماما عن مبادئ اللاعنف الديني أو الأخلاقي فهو لا يعني التسامح، ولكنه إستراتيجية صراع تتعامل مع الخصم الأقوى وتسعى للإطاحة به وعزل مصادر القوة عنه.

وقد يستخدم في الصراع بين الدول كما يستخدم في الصراع بين الحكومات والمجتمعات، ويمكن أن ينجح في مواجهة الأنظمة الديمقراطية وفي مواجهة الأنظمة الاستبدادية وليس مقتصرا كما يعتقد البعض على المجتمعات والدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية تسمح بالعمل والتجمع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك