عرض/ سيدي أحمد ولد أحمد سالم

كتاب المشروع الأميركي في العراق هو أول كتاب ينشره مركز الجزيرة للدراسات ضمن سلسلته المسماة "أوراق الجزيرة".

وقد بدأ المؤلف في الأسطر الأولى من مقدمته بعرض أطروحة كتابه القائمة على أن "المشروع الأميركي في العراق قد أخفق، وأن الاحتلال على وشك تلقي هزيمة بالغة"، مستعرضا دوافع غزو العراق وعوامل الفشل الأميركي ووضع القوى المختلفة في العراق ومنتهيا باستشراف مستقبل العراق.

دوافع الغزو

-الكتاب: المشروع الأميركي في العراق (أربع سنوات من الاحتلال)
-المؤلف: بشير موسى نافع
-الصفحات: 47
-الناشر: مركز الجزيرة للدراسات, الدوحة
-الطبعة الأولى/2007
ناقش المؤلف مختلف الأطروحات التي تعرضت لتحديد دوافع الحرب الأميركية البريطانية على العراق.

فقد كان مسوغ الحرب عند الرئيس جورج بوش وعند رئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير هو امتلاك نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين أسلحة دمار شامل.

لكن تطور الأحداث أثبت مؤخرا أنه لا وجود لهذه الأسلحة بل إن مصادر صنع القرار في واشنطن ولندن سربت بشكل منهجي فكرة امتلاك الرئيس صدام لهذه الأسلحة وبالتالي وظفتها ذريعة لإعلان الحرب على بغداد.

وفي مقابل ادعاء نظرية امتلاك العراق أسلحة دمار شامل التي أظهرت الوقائع زيفها توجد نظرية النفط.

وتقوم هذه النظرية على أن المخزون النفطي الإستراتيجي الأميركي سائر نحو النضوب في حين يرتفع الاستهلاك الأميركي لهذه المادة الحيوية فضلا عن بروز الصين كقوة اقتصادية هائلة.

فهذه العوامل دفعت بأميركا إلى السيطرة على العراق الذي تختزن أراضيه أكبر مخزون نفطي في العالم.

"
إذا استبعدنا النظريات الثلاث (امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل, والنفط, والموقع الإستراتيجي) كدوافع لغزو العراق, فإن الأمر يتعلق بالتدافع داخل إدارة الرئيس بوش حول رؤية الدور الأميركي في العالم وتأثير هجمات 11 سبتمبر
"
غير أن نظرية النفط لا تنهض كعامل مؤسس لقيام الحرب على العراق على اعتبار أن عراق الرئيس صدام كان مستعدا لإعطاء الشركات الأميركية مكانة أولى في استغلال النفط العراقي مقابل رفع الحصار عنه فضلا عن أن خسائر واشنطن في الحرب الراهنة فاقت فوائد تحكمها في النفط المحتملة.

وتوجد نظرية ثالثة وهي نظرية الموقع الإستراتيجي للعراق, فالعراق يطل على الفضاء الآسيوي ويجاور ثلاث دول من أهم دول المنطقة وهي تركيا وإيران والسعودية.

وهذا ما يجعل أي وجود عسكري لأميركا في بلاد الرافدين أمرا في غاية الأهمية.

غير أن هذه النظرية تضعف إذا لاحظنا أن أميركا كانت موجودة عسكريا وبشكل لافت في المنطقة.

فوجودها العسكري في تركيا وفي قطر والإمارات والبحرين وأفغانستان وفي جزيرة دييغو غارسيا غير البعيدة عن المنطقة، فضلا عن التسهيلات العسكرية التي تمنحها إياها كل من مصر وإثيوبيا وجيبوتي.

فهل على أميركا أن تتكلف حربا غالية الثمن في العراق حتى تؤمن وجودا عسكريا يحمي مصالحها وهي المنتشرة عسكريا في المنطقة أصلا.

وبعد استبعاد هذه النظريات الثلاث (امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل والنفط والموقع الإستراتيجي) يطرح الملف رأيه في دوافع الحرب على العراق مبينا أنه لا بد من ربطها بالتدافع داخل إدارة الرئيس بوش حول رؤية الدور الأميركي في العالم وتأثير هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

فقد عرف عن إدارة بوش منذ سنة 2001 تبنيها سياسات انفرادية (الانسحاب من اتفاقية الحد من التسلح، عدم التوقيع على اتفاقية كيوتو). متأثرة بمجموعة "المحافظون الجدد، ديك تشيني ورمسفيلد" التي تتبع سياسة نشطة في مناطق متوترة من العالم.

وترى هذه المجموعة أن السيطرة على العراق تعني السيطرة الأميركية شرق أوسطيا وعالميا, كما أن هذه المجموعة هي التي طورت مصطلحات مثل السيطرة الشاملة (Full-Spectrum Dominance) والحرب الاستباقية.

"
تقوم نظرية لويس على أن العرب والمسلمين مسكونون بدورهم التاريخي الرافض للغرب حضارة, ولا بد من إيقاع الهزيمة بهم حتى ينصاعوا للقيم الغربية طوعا أو كرها
"
وبلغ معها العداء الأميركي للعرب والمسلمين أشده معتمدين في ذلك على أطروحات المؤرخ اليهودي برنارد لويس ذي العلاقة القوية مع تشيني.

وتقوم نظرية لويس على أن العرب والمسلمين مسكونون بدورهم التاريخي الرافض للغرب حضارة ولا بد من إيقاع الهزيمة بهم حتى ينصاعوا للقيم الغربية طوعا أو كرها.

ويفرق المؤلف بين الحرب على أفغانستان التي أرادتها أميركا كرد فعل على هجمات 11 سبتمبر/أيلول والحرب على العراق التي كانت أولى لبنات بناء الشرق الأوسط الجديد وفرصة لإجبار إيران وسوريا للانصياع للتوجهات الأميركية.

عوامل الفشل
ويرى الكاتب أن السياسة الأميركية أخفقت في العراق بشهادة أميركا نفسها وأكبر دليل على ذلك تصريح رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد بأن أميركا خسرت الحرب في العراق.

ويوضح المؤلف مظاهر هذه الخسارة المتمثلة في:
• مواجهة القوات الأميركية لاستنزاف عسكري.
• وصول إصابات الجيش نهاية العام الرابع إلى 3200 قتيل و24 ألف جريح مع عدم ذكر خسائر المعدات الحربية.
• إنفاق ما يزيد على أربعمئة مليار دولار وتوقع أن تضاف إليها مئة مليار أخرى مع نهاية 2007.
• تعرض إدارة بوش للاستقالات والإقالات وفقدانها الكثير من مصداقيتها في الداخل، مما مهد الطريق أمام الديمقراطيين للفوز في تشريعيات 2007 النصفية.
• فشل الحكومات العراقية المتعاقبة.
• عدم قدرة الإنتاج النفطي العراقي على الوصول إلى النسبة المطلوبة.
• تعثر بناء الجيش والشرطة العراقيين.
• فشل الخطة الأمنية العراقية الأميركية.
• هجرة مليوني عراقي عن بلادهم في هذه الفترة (40% منهم تكنوقراط).
• الجهل الأميركي بالواقع العراقي.
• تشجيع أميركا السياسة الطائفية في العراق.

وضع القوى المختلفة في العراق
تماطل واشنطن في الإعلان عن جدول انسحابها من العراق حتى لا تكون منهزمة خاصة وأن الخبراء المؤيدين للغزو يعتقدون بإمكانية الانتصار على المقاومة العراقية خلال خمس إلى سبع سنوات خصوصا إذا ما تحسن الوضع في السعودية وسوريا وإيران لصالح أميركا.

وقد يكون الرئيس بوش ينوي ترك اتخاذ قرار الانسحاب لسلفه كما فعل الرئيس السبق جونسون في فيتنام.

أما الحكومة العراقية بمختلف مكوناتها فهي هشة لم تستطع بعد ترسيخ تقاليد دستورية وهي مرتبطة وجودا وتسييرا بقوات الاحتلال كما توجد تناقضات داخل الطائفة الشيعية وهي أهم مكون من مكونات الحكومة العراقية.

ولم تستطع القوى المقاومة للاحتلال من التجمع حول مركز ثقل واحد خصوصا وأن التيار الصدري انخرط في المشروع الطائفي وانضوى في كتلة التوافق.

"
لم تتمكن القوى المقاومة للاحتلال من التجمع حول مركز ثقل واحد خصوصا وأن التيار الصدري انخرط في المشروع الطائفي وانضوى في كتلة التوافق
"
وتبقى المقاومة متأسسة على القوى الرئيسية السبع وتتكتل في ثلاث قوى:

1- قوة سلفية معتدلة (الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين وأنصار السنة).
2- قوة إخوانية (حماس العراق وحركة المقاومة الإسلامية).
3- قوة إسلامية وطنية (كتائب ثورة العشرين وجيش الرافدين).

ويرى المؤلف أن هذه الجبهات الثلاث إن نجحت في التوصل إلى اتفاق جبهوي وتوصلت إلى برنامج سياسي وطني يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات العراق فيمكنها أن تكون بديلا سياسيا وطنيا ينضم إليه لاحقا هيئة علماء المسلمين والعلماء الشيعة المناهضين للاحتلال وعدد من شيوخ العشائر الشيعية والسنية والإسلاميون الأكراد وأغلب القوى السنية المطالبة بالانسحاب.

وفي حال دخول هذه الجبهة العريضة بمكوناتها المختلفة في حوار مع حزب الفضيلة وكتلة التوافق والتيار الصدري بعد انسحابها من العملية السياسية فإن الإدارة الأميركية لا يمكنها أن تتجاهل مطالبها.

غير أن بروز هذا الجبهة البديلة موجه بعوائق سياسية واجتماعية وإقليمية جمة.

مستقبل العراق
لو نجحت الخطة الأمنية التي انطلقت في فبراير/شباط 2007 –وهو احتمال ضعيف في نظر المؤلف- فسيطول أمد الاحتلال وستتمكن أميركا من إسكات صوت المقاومة.

واحتمال إعلان أميركا انسحابها من العراق غير منتصرة ولا مهزومة مستبعد مع إدارة الرئيس بوش.

فقد تلجأ أميركا تحت وطأة عجز الخطة الأمنية نحو تدويل جزئي للمسألة العراقية وذلك تحت غطاء الأمم المتحدة أو إشراك قوات عربية وإسلامية في حماية النظام العراقي.

"
الطريق الأمثل لمستقبل العراق هو إيجاد بديل سياسي وطني عراقي برعاية عربية وإسلامية وإشراف أممي يفاوض الأميركيين ويضع أسس نظام عراقي وطني جديد
"
ويبقى احتمال ولادة بديل جبهوي وطني ورقة غامضة، فاتساع الدائرة الوطنية لهذا البديل القائم على مكونات المقاومة الحالية ما زال بحاجة إلى دعم عربي وإسلامي واستعداد أطراف عراقية مؤثرة للدخول فيه.

وهل هذا التوافق الجبهوي المقاوم سيحد من احتمال ضعف ورقة تنظيم القاعدة في العراق أم لا؟

كما أن احتمال التفاهم الأميركي الإيراني حول الأزمة العراقية مستبعد لأكثر من سبب فالاختلاف بين الدولتين حول الملف النووي الإيراني وحول الوضع في فلسطين وفي لبنان يجعل تفاهمهما في العراق أمرا شبه مستبعد.

ومع احتمال الانسحاب الأميركي من العراق فإن تحالفا ضمنيا بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وعدد من القوى الشيعية وعلى رأسها المجلس الأعلى الإسلامي بهدف إيقاع هزيمة سياسية وجغرافية بالقوى السنية وبالعرب أمر وارد.

ويبقى الطريق الأمثل في نظر المؤلف هو إيجاد بديل سياسي وطني عراقي برعاية عربية وإسلامية وإشراف أممي يفاوض الأميركيين ويضع أسس نظام عراقي وطني جديد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك