إبراهيم غرايبة
يحتوي هذا الكتاب على مجموعة نصوص أحدها لمالكوم إكس بعنوان "النصوص المحرمة"، ولكن الكتاب يضم أيضا نصوصا أخرى، مثل حوار مع نعوم تشومسكي، وسيرة ذاتية لرالف نادر مؤسس حركة حماية المستهلك، والرئيس التشيكي فاتسلاف هافيل، بالإضافة إلى مقالات للمترجم نفسه.

وهذه النصوص كما يصفها المترجم عبارة عن مواد ثقافية متنوعة في السياسة والتاريخ والاجتماع والعلم والفن، اختارها تقديرا منه لأهميتها وإعجابا بأصحابها.

- الكتاب: النصوص المحرمة
- المترجم: حمد العيسى
- الصفحات: 323
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

مالكوم إكس والنصوص المحرمة
يعد مالكوم إكس الزعيم الأسود الأهم والأكثر تأثيرا في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وقد حاولت وسائل الإعلام تجاهله والتركيز على منافسه مارتن لوثر كنغ، وهو أيضا زعيم أسود عظيم، ولكن مالكوم هو الأكثر شعبية اليوم بين الأميركيين الأفارقة.

وقد كتب الروائي الأسود الشهير إيليكس هيلي سيرة ذاتية لمالكوم إكس، وصدرت في عام 1964 وما زالت طباعتها تعاد وتوزع حتى اليوم بكميات كبيرة، وقد اعتبرت مجلة تايم الأميركية هذه السيرة واحدة من أهم عشرة كتب في الآداب اللاخيالية في القرن العشرين، ولا يزال مالكوم إكس مصدر إلهام وقدوة للجيل الأسود.

ولد مالكوم ليتيل عام 1925 لعائلة مسيحية فقيرة، وتوفي والده عام 1931 في حادث غامض يعتقد أن لجماعات الكوكلوكس كلان المعادية للسود يدا فيه، وشاهد بنفسه إحراق منزل عائلته كاملا.

وقد دخل السجن عام 1946 بتهمة السرقة، وفي السجن اعتنق الإسلام، وغير اسمه إلى مالكوم إكس في إشارة إلى عدم معرفته باسم عائلته الأفريقية الأصلي، وأصبح هذا الاسم الاحتجاجي الغاضب والغامض أشهر من نار على علم في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية.

وسافر مالكوم إكس لأداء الحج عام 1964 وقابل الملك فيصل، وتأثر كثيرا بالحفاوة والتكريم اللتين قوبل بها، وبنظرة المساواة العامة والتلقائية بين المسلمين دون اعتبار للون.

أنشأ بعد عودته منظمة الوحدة الأفروأميركية، وهي منظمة غير دينية ولا طائفية تعنى بالحقوق المدنية، ثم اغتيل عام 1965 على يد ثلاثة شبان سود من أتباع جماعة إلايجا محمد.

تعبر النصوص المترجمة والمستمدة من مقابلات إعلامية ومن خطب لمالكوم إكس عن جرأة قوية في انتقاد السياسات الأميركية العنصرية ومهاجمتها، وعن روح ثورية متمردة ورافضة للظلم.

يقول للجماهير التي يخطب فيها: "من أنتم؟ إنكم لا تعرفون من أنتم، ماذا كنتم قبل أن يسميكم الرجل الأبيض، وما اللغة التي كنتم تتكلمون بها، وماذا كانت أسماؤكم، كيف سرق الرجل الأبيض أسماءكم ولغتكم، نريد شيئا واحدا: أن نعامل كبشر وأن نعيش كبشر وأن نعطى حقوق البشر في هذا المجتمع وفي هذه الدولة، وهذا ما سوف نحققه بأي وسيلة ضرورية".

وتعتبر خطبته التي ألقاها في الثالث من أبريل/نيسان عام 1964 في المرتبة السابعة ضمن أهم مائة خطبة في التاريخ الأميركي الحديث، وهي خطبة طويلة يعبر فيها بروح جديدة عن معاناة الأفارقة الأميركان ومطالبهم.

"
تشومسكي: الولايات المتحدة هاجمت على نحو عدائي دولا هجوما أشد وأسوأ مما فعلته القاعدة، ولم يقل أحد إنه يحق لنيكاراغوا أو فيتنام أن تهاجم الولايات المتحدة كما هاجمت هي أفغانستان التي لم يتبين بعد مدى مسؤوليتها عن الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك
"
فهو يعتقد أن شعبه ضحية سياسات ومواقف الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، ولم تكن الأصوات التي منحها الأفارقة للديمقراطيين سببا في تخفيف معاناتهم أو التقدم نحو حقوقهم المدنية كما يقول.

"نحن لم نر الحلم الأميركي الجميل، لم نجرب سوى الكابوس الأميركي الشرير، نحن لم نستفد من ديمقراطية أميركا، بل عانينا من نفاقها، والجيل الحالي يرى هذه الحقيقة بوضوح".

ويقول إنه يعيش في الولايات المتحد 22 مليون أفريقي هم ضحايا المبادئ الأميركية، وهم يستطيعون إذا أرادوا أن يلعبوا دورا إستراتيجيا في السياسة الأميركية وأن يحددوا من هو الفائز، ومن يذهب إلى البيت الأبيض، ولكن السياسة الأميركية تدار دون اعتبار لآراء السود رغم أنهم يشاركون في التصويت".

ويطالب شعبه بأن ينقل قضيته إلى العالم والأمم المتحدة وجميع الدول في العالم، لتكون قضيتهم دولية وليست داخلية بيد النخبة البيضاء.

تشومسكي وضمير أميركا
يعد نعوم تشومسكي أعظم من كتب في اللسانيات الحديثة، وقد أحدثت نظرياته في اللغة ثورة ضخمة في علوم النفس والفلسفة والإدراك العقلي والإنثروبولوجيا والتعليم والذكاء الصناعي والاتصالات.

ولكن شهرته العالمية مستمدة من نشاطه السياسي المعارض لكثير من مواقف وسياسات الولايات المتحدة الرسمية، وهو مناصر للقضايا العربية والقضية الفلسطينية، وتصفه بعض المنظمات الصهيونية بأنه يهودي معادٍ للسامية.

ويعرض الكتاب هنا ترجمة للحوار الذي أجرته بي بي سي مع تشومسكي في البرنامج الشهير "hard talk" عام 2002، وفي هذا الحوار ينتقد تشومسكي بشدة الحرب الأميركية على أفغانستان، ويعتبرها حربا مخالفة للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة.

ويقول إن الولايات المتحدة هاجمت على نحو عدائي دولا أخرى هجوما أشد وأسوأ مما فعلته القاعدة، ولم يقل أحد إنه يحق لنيكاراغوا أو فيتنام أن تهاجم الولايات المتحدة كما هاجمت هي أفغانستان التي لم يتبين بعد مدى مسؤوليتها عن الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

وكان تشومسكي قد أصدر كتابا بعنوان 11/9 بعد حوالي شهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول يحذر فيه من غزو أفغانستان، ويقول إنه يعني فتح المجال للفوضى وهيمنة الأقوى وتغييب القوانين الدولية والأخلاق.

رالف نادر
أسس المحامي رالف نادر في الستينيات لحركة حماية المستهلك عندما أصدر كتابه "غير آمنة على أية سرعة، الأخطار المصممة في السيارة الأميركية"، وقد اعتبرته مجلة تايم "ثورة المستهلكين".

ولد نادر عام 1934 لأسرة مهاجرة من لبنان، وتخرج من كلية القانون في جامعة هارفارد، وأبدى اهتماما مبكرا بقضية تصميم السيارات ومدى ملاءمتها للسياسة العامة.

وهذه القضية شغلت الأمة الأميركية كلها، وأثرت على صناعة السيارات في العالم، إذ كشف أن حوادث السيارات التي تقع لا تحدث فقط بسبب أخطاء السائق ولكن أيضا بسبب التصميم الرديء لهذه السيارات.

"
بوش استخدم إلهامه الديني لشن حرب صليبية كما أسماها، وقد أثبت ذلك بالفعل وهو يدمر مساجد الفلوجة
"
وقد طالب بإضافة حزام الأمان الذي لم يكن معمولا به في ذلك الوقت، وبخبرته في العمل في حركة الحقوق المدنية وثقافته الواسعة شغل كثيرا بمواجهة شركات صناعة السيارات.

أصدر الكونغرس على أثر هذه الحملة قوانين السلامة العامة على الطرق، وعلقت صحيفة واشنطن بوست على ذلك بأن جماعة ضغط مكونة من شخص واحد هو رالف نادر يعمل من أجل مصلحة الشعب الأميركي استطاع أن يهزم أعظم الشركات، فقد كانت جنرال موتورز تحقق في تلك الفترة أرباحا سنوية تناهز ملياري دولار.

واستطاع نادر أن يجند عشرات آلاف الشباب في العمل في مجالات عدة، مثل الإصلاح الضريبي، وحرية المعلومات، وإصلاح قوانين التأمين والطاقة النووية ومراقبة الكونغرس، وسلامة الطرق والسيارات، وحقوق المعوقين.

وأصبح مصطلح "نادرزم" يستخدم في التعبير عن سخط المستهلكين من رداءة المنتجات والخدمات. وتضم اليوم منظمة "المواطن العام" التي أسسها، حوالي 150 ألف ناشط يعملون في مجالات حماية المستهلك.

ومنذ الثمانينيات بدأ نادر يوجه نشاطه إلى الشركات المتعددة الجنسيات وتحالفاتها مع الحكومات، وعارض منظمة التجارة العالمية، لأن قانونها يقوم على سيادة أمور التجارة على مصالح المستهلكين والعمال وحقوق البيئة، وألف كتاب "الأولاد الكبار: القوة والتنظيم في الشركات الأميركية"، وكتاب "محامو الشركات وإفساد العدالة في أميركا".

وهو يقود أيضا حملة من أجل العدالة الاجتماعية، ودعا في الانتخابات الرئاسية عام 1992 إلى تنظيم حملة رمزية من أجل إقناع الناس بالاقتراع بكلمة "لا أحد" في ورقة التصويت، وفي عام 1996 رشح نفسه عن حزب الخضر ولكنه لم يحصل إلا على نسبة ضئيلة لا تتجاوز 1% من الأصوات، ثم رشح نفسه عام 2000، وقد اعتبر كثير من اليساريين والتقدميين والديمقراطيين أن ترشحه للانتخابات يصب في مصلحة الجمهوريين، وحصل على 2.7% من الأصوات.

وبالفعل كانت مشاركته سببا في خسارة آل غور وفوز جورج بوش الابن، ثم رشح نفسه عام 2004 ولم يحصل على أكثر من 1% من الأصوات.

ويقيم رالف نادر في شقة متواضعة في واشنطن ولا يملك سيارة وما زال يستخدم جهاز تلفزيون بالأبيض والأسود رغم أن ثروته تتجاوز أربعة ملايين دولار، ولكنه ينفق نصف دخله على الجمعيات الخيرية والعامة بانتظام منذ عام 1967.

ومن بين النصوص التي اختارها المترجم لرالف نادر مقال عن ضرورة إقالة جورج بوش، ورسالة لمناهضة الخصخصة، وبيان عن خطورة الإعلانات التلفزيونية، ورسالة احتجاج على تدمير مساجد الفلوجة يقول فيها إن بوش استخدم إلهامه الديني لشن حرب صليبية كما أسماها، وقد أثبت ذلك بالفعل وهو يدمر مساجد الفلوجة.

"
فاتسلاف هافيل: لكي نسير في طريق العقل والسلام والعدل نحتاج إلى كثير من التأمل والمعرفة، وأن نسمع أصوات الشعراء التحذيرية بعناية وجدية أكبر من أصحاب البنوك وسماسرة الأسهم، وأن لا نتوقع أن العالم عندما يحكمه الشعراء سوف يتحول إلى قصيدة
"
فاتسلاف هافيل يودع السياسة
ولد الكاتب المسرحي فاتسلاف هافيل في براغ بتشيكيا عام 1936، وعرضت مسرحيته الأولى "حفل الحديقة" عام 1963، وهو يسخر فيها من النظام الشيوعي الشمولي، لذلك منع من ممارسة عمله في الكتابة، فاضطر للعمل عاملا يدويا في أحد المصانع.

وقد انتخب رئيسا لجمهورية تشيكوسلوفاكيا عام 1989 بعد انهيار الشيوعية، وبعد تقسيم تشيكوسلوفاكيا انتخب رئيسا لجمهورية التشيك عام 1993 ثم أعيد انتخابه عام 1998 وفي عام 2003 تقاعد عن العمل السياسي، وقد منح تسع شهادات دكتوراه فخرية.

وقد وصفت مجلة نيويورك تايمز للكتب خطبته التي ألقاها عام 2002 بأنها وداع للسياسة وعودة إلى الثقافة. ويقول فيها إنه بعد هذه السنوات التي أمضاها رئيسا بعد مرحلة من النضال ضد الاستبداد "لم تعطني تجربة الرئاسة ثقة بالنفس، بل أصبحت أقل ثقة بنفسي، وأعاني من رهبة الجماهير وأخاف أن لا أكون جديرا بموقعي هذا، أو أن أقع في أخطاء جسيمة".

ويفسر ذلك بأنه مع تقدمه في السن أصبح أكثر نضجا واكتسب خبرة وفكرا أعمق، وبدأ يفهم تدريجيا مقدار مسؤوليته والالتزامات الغريبة المصاحبة للعمل الذي قبل به، فيقول "مع اقتراب الوقت بلا رحمة من اللحظة التي لا يقوم فيها العالم والناس وضميري بسؤالي عن أهدافي ومبادئي وماذا أريد أن أحقق ولكنهم يسألون ماذا حققت بالفعل، وماذا أريد أن يكون ميراثي السياسي، وما طبيعة العالم الذي سأتركه خلفي، وهكذا أجد الاضطراب الروحي والفكري نفسه الذي أجبرني على تحدي النظام الشمولي ودخول السجن يتسبب في أن تكون عندي شكوك قوية في قيمة عملي الذاتي أو إنجازات الأشخاص الذين عينتهم وجعلت لهم نفوذا".

وينتهي هافيل في خطبته الجميلة التي هي عبارة عن مقطوعة فنية رائعة إلى القول: "لكي نسير في طريق العقل والسلام والعدل نحتاج إلى كثير من التأمل والمعرفة، وأن نسمع أصوات الشعراء التحذيرية بعناية وجدية، ربما بجدية أكبر من أصحاب البنوك وسماسرة الأسهم، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا نتوقع أن العالم عندما يحكمه الشعراء سوف يتحول إلى قصيدة".

المصدر : الجزيرة