عرض/زياد منى
يعد النفط من أكثر السلع "سياسية" أو ارتباطًا بالسياسة العالمية بكل ما للتعريف من أبعاد إستراتيجية، وهو ما يقر به مؤلف هذا الكتاب، الذي عمل نحو ربع قرن في مجال التنقيب النفطي في العالم، ويشغل حاليًا مدير شركة استشارة عالمية خاصة لها مكاتب في لندن وهولندا وجوهانسبرغ ونيقوسيا.

الكتاب والنظرية وأصحابها
المشكلة الرئيسية التي يتعامل معها المؤلف -وسنعود إلى هذا الأمر لاحقًا- هي نظرية "بلوغ ذروة الإنتاج النفطي العالمي"، بمعنى أن الإنتاج العالمي من النفط قد بلغ ذروته وأن علينا مواجهة حقيقة ذلك بكل ما يترتب عليها من استنتاجات تتعلق بنمط الحياة البشرية على وجه الأرض والحضارة في صورتها الحالية.

المؤلف يقول إن هدف كتابه هو مساءلة التصورات الأساسية لنظرية "ذروة الإنتاج النفطي" وما تطرحه من مواضيع ترى أنها حقائق.

-الكتاب: المعركة من أجل البراميل، خرافات ذروة الإنتاج النفطي ومستقبل نفط العالم
-المؤلف: دنكن كلارك
-الصفحات: 244
-
الناشر: بروفايل بُكس, لندن
-الطبعة: الأولى/2007
ومع أن تلك النظرية تحوي إحصاءات ورسوما بيانية تدعم آراء أصحابها، فإن مؤلف كتابنا هذا يقول إن هدفه ليس وضع إحصاءات مضادة ولا أطر جديدة لكيفية عمل الإحصاءات، بل مناقشة آداب تلك الرؤية والأطراف المشاركة فيها وإثبات أخطائها ومكامن الضعف فيها.

أما النظرية نفسها فقد طرحها للمرة الأولى عالم الجيولوجيا الأميركي إم كنغ هبرت عام 1974 حيث تنبأ وقتها بأن العالم سيصل في عام 1995 إلى ذروة الإنتاج النفطي (12 غيغا برميل/العام) في حال استمرار نمط الاستهلاك الذي كان سائدًا وقتها.

وقد تم تعديل التنبؤات تلك حيث انخفض الاستهلاك العالمي بسبب إجراءات علمية محددة منها تخفيض استهلاك محركات السيارات من البنزين والانتقال إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي للتدفئة مما استدعى وضع تاريخ جديد للوصول إلى هذه الذروة هو عام 2004 ثم 2010.. إلخ.

النظرية نفسها في تعديلها المستمر تضم أيضًا قراءة في الصناعة النفطية العسكرية وما يرتبط بها من تدخلات عسكرية لضمان استمرار تدفق النفط، ومن ذلك على سبيل المثال غزو أفغانستان والعراق والحملة على الصومال.. إلخ.

ولذا فإن النظرية تفسر هدف السياسية الخارجية الأميركية من منطلق الاستيلاء على منابع النفط، وهو تحديدًا ما جعل منتقدي النظرية يتهمونها بأنها يسارية.

النقاش
قسم المؤلف كتابه إلى خمسة أجزاء دالة يحوي كل منها مجموعة من الفصول القصيرة المرتبطة بعناوينها: التفكير في ما لا يمكن التفكير فيه، نهاية النفط ونهاية الحضارة "البشرية"، المعرفة والميول في لعبة النفط، التعقيد والظروف المحيطة، والشروق الكاذب في العقل.

"
نظرية "ذروة الإنتاج النفطي" تفسر هدف السياسة الخارجية الأميركية من منطلق الاستيلاء على منابع النفط، وهو تحديدًا ما جعل منتقدي النظرية يتهمونها بأنها يسارية
"
يبدأ الكاتب مؤلفه في صحراء كاليهاري حيث يتحدث عن كيفية تكيف الإنسان الأول مع الطبيعة رغم الظروف الصعبة المحيطة به.

هذا المنطلق يبدو مناسبًا لأنه يثبت للقراء من مختلف المشارب قدرة البشرية في الماضي على التغلب على الصعوبات التي تواجهها، ومن ثم قدرتها في المستقبل على مواجهة أزمة طاقة محتملة والتكيف مع الأوضاع المستجدة.

الكاتب الذي يلجأ مرات عديدة في كتابه إلى أسلوب التهكم -وهو ما يضعف في ظننا من وقار نقاشه- يتعامل مع نظرية "ذروة الإنتاج النفطي" وأسسها بجدية حيث يؤكد أنها تحوي معارف علمية حقيقية، لكنها مصحوبة بقلق "قيامي" في ما يتعلق بمستقبل البشرية.

ومن منطلقات التهكم تلك قول المؤلف إن السعودية تلجأ إلى تزوير الحقائق ذات العلاقة بإنتاجها النفطي وقدراتها. وبدلاً من التعامل مع تلك الاتهامات لجأ المؤلف إلى تشبيه ذلك القول برواية "شيفرة دافنشي" وهو أسلوب غير مستحب في النقاشات العلمية.

ويرى أن فهم منطلقات النظرية النقدية يقتضي التعامل مع ملاحظاتها التقنية وتقويم أبعادها السياسية والاجتماعية المائلة للتشاؤم.

ومن النقاط الرئيسة التي وضعها المؤلف في نقده لمنطلقات نظرية "ذروة الإنتاج النفطي": 
1- اعتمادها على الإحصاءات المنشورة عن الإنتاج العالمي والتقديرات.

2- تجاهلها حقيقة أن تخمين احتياطي النفط يعتمد أمورا عديدة منها الفرصة التاريخية والخبرة التقنية.

3- وضع الشركات ومصالحها.. إلخ.

مأزق المعلومات هذا في رأي الكاتب هو الذي يقود ما وصفه بـ"نظرية المؤامرة" التي تسيطر على توقعات أصحاب "نظرية الذروة"، حيث لا ينظرون إلى النفط على أنه سلعة.

وهنا يوضح المؤلف أن بنية شركات النفط العالمية ومجال نشاطها لا يشبه في أي حال من الأحوال المنظمات السرية مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أو الاستخبارات الروسية الاتحادية أو الموساد الإسرائيلي.

"
المؤلف يستعين بمجموعة من الخبراء الاقتصاديين لدحض نظرية "ذروة الإنتاج النفطي" حيث لا يقبلون باقتراب عهد نفاد مخزون النفط في العالم واضطراره للاعتماد على نفط الشرق الأوسط
"

منطلق رفض المؤلف لما أسماه "نظرية المؤامرة" أي: إخفاء المعلومات الحقيقية عن الإنتاج النفطي والاحتياطي العالمي، هو كثرة المشاركين ذوي الاتجاهات المختلفة -مثل الحكومات والشركات والخبراء.. إلخ- في تقديم الإحصاءات مما يجعل التزوير مستحيلا.

وهنا يوجه المؤلف انتقاده لمنظري "ذروة الإنتاج النفطي" لتشكيكهم في الإحصاءات المعلنة. غير أن كثيرا من الإحصاءات التي يوردها لا تهم القارئ غير المتخصص.

ويستعين المؤلف بمجموعة من الخبراء الاقتصاديين مثل موريس أدلمان وبيتر أوديل ومايكل لينش ودانيال برغين، لدحض نظرية "ذروة الإنتاج النفطي" حيث لا يقبلون باقتراب عهد نفاذ مخزون النفط في العالم واضطراره للاعتماد على نفط "الشرق الأوسط".

وقد خصص المؤلف الفصل الـ12 لمناقشة كتاب ماتيو سمنز "الفجر الكاذب في الصحراء" عن الإنتاج النفطي في المملكة السعودية وعلى نحو خاص حقل غوار وهو حقل النفط الأكبر في العالم، حيث يبدو أن المنتجين بدؤوا استعمال المياه لضخ النفط مما يشير إلى قرب نهاية الإنتاج فيه.

ومن الجدير بالذكر أن ذلك الكتاب المخصص لمناقشة "أسرار" الإنتاج النفطي في المملكة السعودية، قد أثار زوبعة عالمية عند صدوره عام 2005.

الفرضيات المضادة
مؤلف الكتاب يطرح مجموعة من الفرضيات التي يرى أن أصحاب نظرية "ذروة الإنتاج النفطي" قد تجاهلوها. ومنها على سبيل المثال توفر مصادر نفطية جديدة في ليبيا والسودان ونيجيريا وأنغولا وكولومبيا والبرازيل واليمن وروسيا وجنوب شرق آسيا وسوريا.. إلخ.

كما ينتقد الكاتب اعتبار أصحاب هذه النظرية ارتفاع أسعار النفط دليلاً على اقتراب "ذروة النفط"، بينما يرى هو -وربما عن حق- أن ذلك الارتفاع مرتبط بعوامل عديدة منها على سبيل المثال قلة الاستثمار في التنقيب عن حقول جديدة.

وعلى هذا فإن على أصحاب تلك النظرية الأخذ في الاعتبار مسألة الاستثمارات وإستراتيجيات الشركات وغيرها.

وما الفرق؟

"
المهم الخطير في هذا الكتاب هو تأكيد المؤلِّف ضرورة بحث الدول الصناعية الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية عن مصادر نفط جديدة، والاهتمام بترتيب أمور مناطق الإنتاج الحالية
"
المهم في هذا الكتاب ليس الاختيار بين منطق هذا الطرف أو ذاك لأن الانحياز إلى أي منهما لن يغير من الأمور شيئا.

لكن المهم الخطير فيه هو في ظننا تأكيد المؤلِّف ضرورة بحث الدول الصناعية الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية عن مصادر نفط جديدة، والاهتمام بترتيب أمور مناطق الإنتاج الحالية.

وفي هذا الصدد يذكر المؤلف من ضمن "الأهداف": المساعدة على إسقاط الرئيس الفنزويلي شافيز، و"ترتيب أمور البيت الإيراني"، وتهدئة العراق، و"إجبار" روسيا على فتح أسواقها لشركات التنقيب العالمية.. إلخ.

ولأن الاحتياطي العالمي من النفط معروف، فقد وجب البحث عن مصادر جديدة يرى المؤلف اعتمادًا على دراسات أهل الاختصاص أنها متوفرة على نحو كبير.

ويذكر المؤلف من المناطق غير المكتشفة: مياه الخليج العربي، العراق، ليبيا، أنغولا، نيجيريا، الكاميرون، تشاد، الصومال، اليمن، السودان، الكونغو، ساحل العاج، موزمبيق.. إلخ، إضافة إلى الجرف القاري الممتد من الصومال إلى موزمبيق.

هذا الدليل إلى مناطق مصادر النفط المستقبلية هو الأمر المهم لنا لأنه المؤشر على مستقبل المنطقة، وفق مخططات الإدارة الأميركية الحالية.

وعلينا تذكر أن الولايات المتحدة الأميركية، وبعد سنين من القسم بأغلظ الأيمان على أن هدف غزوها العراق واحتلاله هو الإطاحة "بالطاغية" وإحلال "الديمقراطية" فيه، اعترفت أخيرًا بأن النفط هو الدافع وراء ذلك الغزو.

"
علينا تذكر أن الولايات المتحدة الأميركية، وبعد سنين من القسم بأغلظ الأيمان على أن هدف غزوها العراق واحتلاله هو الإطاحة "بالطاغية" وإحلال "الديمقراطية" فيه، اعترفت أخيرًا بأن النفط هو الدافع وراء ذلك الغزو
"
والقراء جميعهم يعلمون أن معمر القذافي الذي وصفه رونالد ريغان بأقبح النعوت، صار الحبيب الذي لا يستغنى عنه بعد "انصياعه" لشروط الولايات المتحدة، ولم تعد "مسألة الديمقراطية" في ليبيا أمرا يستحق أي أهمية كانت، ولو إعلامية.

لذا فمن حق القارئ السؤال عن أهداف عودة الولايات المتحدة الأميركية، ومعها حلفاؤها الغربيون علنًا أو خفية، للحديث عن الدرع الصاروخي على تخوم روسيا الاتحادية حيث يبدو أن هدفه هو إشعال حرب باردة جديدة بهدف التهديد بتفكيكها إلى دويلات قومية وإجبارها بالتالي على فتح أبواب الصناعة النفطية فيها لاستثمار كبرى الشركات الأميركية. 

كما لا يمكن تجاهل حديث الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها عن أهداف إيران النووية وعن تحالف سوريا النووي المزعوم مع كوريا الشمالية والتعامل معه من المنطلق نفسه، ألا وهو سعي الولايات المتحدة للسيطرة على منابع النفط الحالية والمستقبلية، وكذلك القلق على الديمقراطية في فنزويلا وجنوب السودان.

أما مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من الشعارات البراقة فما هي إلا بالونات تستخدمها الولايات المتحدة للتهديد والوعيد ومحاولة كسب الرأي العام، سرعان ما تتبخر بتأثير أول طلقة تصيب رؤوس من تدعي أنها تسعى إلى تحررهم وعتقهم.

المصدر : الجزيرة