عرض/حسين عبد العزيز
يبحث هذا الكتاب في آلية صنع القرار في سوريا من زاوية تطور المؤسسات التشريعية والتنفيذية واستقرارها على صيغة معينة أصبحت فاعلة في آلية اتخاذ القرار، ومن ثم تداخل المؤسسات التنفيذية مع المؤسسات التشريعية والقضائية ونشوء أجهزة متعددة من داخل السلطة العسكرية أصبح لها دور فاعل في السياسة الداخلية والخارجية.

إن دراسة عملية صنع القرار داخل نظام سياسي ما، تكشف بحسب المؤلف عن حدود ودور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في الحياة السياسية والاقتصادية للمجتمع، ومدى فاعلية هذه المؤسسات بالرغم من وجودها دستوريا وقانونيا، وهو ما لا تكشفه الدراسات السياسية المقارنة أو الأمبريقية.

ولادة الجمهورية الثالثة

-الكتاب: صنع القرار والسياسة الخارجية في سوريا
-المؤلف: د. رضوان زيادة
-عدد الصفحات: 60
-الناشر: كراسات إستراتيجية ـ مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2007
مرت سوريا خلال تطورها التاريخي منذ الاستقلال عام 1946 بثلاث مراحل أو ثلاث جمهوريات حسب المؤلف:

الجمهورية الأولى، وهي المرحلة التي أعقبت الاستقلال وحتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958، وتتميز هذه المرحلة بالسمة الليبرالية التي وسمت النخب السياسية الراغبة في محاكاة النموذج الفرنسي في بناء الدولة والمؤسسات الدستورية.

لكن قوة النخب الليبرالية هذه سرعان ما ضعفت بسبب كثرة الانقلابات في سوريا من جهة، وبسبب انبهار هذه النخب بالتجربة الناصرية في مصر وقدرتها على تحمل الضغوط الغربية من جهة ثانية.

ومع حلول عقد الخمسينيات بدأ الوعي السياسي السوري يهجر الرؤية الليبرالية نحو الأيديولوجية القومية والشيوعية، وشمل هذا الانعطاف الأيديولوجي معظم الشرائح السياسية بما فيها الإخوان المسلمون والبورجوازية الإقطاعية اللذان بدآ يتقبلان في خطابهما بعض اللوثات اليسارية.

وما إن حل عام 1955 حتى سقطت حكومة فارس الخوري، في إشارة واضحة إلى انهيار الجمهورية الأولى وأيديولوجيتها الليبرالية لصالح الأيديولوجية القومية والشيوعية التي ظهرت بشكل سياسي مع الجمهورية الثانية (الجمهورية العربية المتحدة).

ومع دخول سوريا الجمهورية الثانية، بدا نموذج الضباط الأحرار في مصر جذابا للعسكريين الوطنين في سوريا، وذلك من خلال تحقيق المطالب الاجتماعية للمجتمع عبر البناء الفوقي (السلطة) دون الضياع في زواريب السياسة وألاعيبها الديمقراطية.

لكن الجمهورية الثانية تركت آثارا نفسية وفكرية على النخبة السورية التي وقعت فيما بعد في تناقض عميق مهد لدخول سوريا الجمهورية الثالثة (ثورة الثامن من مارس/آذار عام 1963) تلك الجمهورية التي حملت في طياتها كل تناقضات النخب السورية المختلفة.

فبعد حادثة الانفصال عام 1961 انقسمت النخبة السياسية السورية بين مؤيد ومعارض، لكن صعود النخبة العسكرية ذات التوجهات الأيديولوجية كان لها خيار الحسم باتجاه الانتقال نحو نمط الشرعية الثورية، وكانت ثورة آذار عام 1963 عنوانا صريحا لذلك التحالف القائم بين البعثيين والناصريين.

الجمهورية الثالثة ونظرية بناء الهرم
إن معرفة صنع القرار في سوريا من أعقد الأمور بسبب سريتها من جهة، وتخبطها وعدم استقرارها على صيغة قانونية محددة من جهة ثانية.

"
معرفة صنع القرار في سوريا من أعقد الأمور بسبب سريتها من جهة وتخبطها وعدم استقرارها على صيغة قانونية محددة من جهة ثانية
"
يعطي الدستور السوري الذي صدر عام 1973 صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، فهو فضلا عن ذلك الأمين العام لحزب البعث الذي يعطيه الدستور في مادته الثامنة حق قيادة الدولة والمجتمع، كما أنه القائد العام للجيش والقوات المسلحة (المادة 103 من الدستور) وهو رئيس القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

وبحسب المهام الملقاة على عاتقه بحسب الدستور يستطيع رئيس الجمهورية تجاوز الصلاحيات التنفيذية إلى التشريعية، فهو قادر على حل البرلمان وفق المادة (107) من الدستور وله الحق في تعيين نائب له أو أكثر، كما له الحق في تعيين رئيس الحكومة ونوابه ووزرائه، وإعلان حالة الحرب (المادة 100) وحالة الطوارئ (المادة 101).

وقد لعب حافظ الأسد خلال سنوات حكمه في تركيز هذه السلطة بشكل هرمي تلعب فيه البيروقراطية دورا حاسما في إلغاء الدور التنافسي التعددي لمؤسسات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية.

إن التفسير الاجتماعي السياسي للأصول الطبقية للنخبة السياسية يعود بجذوره إلى خمسينيات القرن الماضي مع ارتفاع معدلات النمو السكاني، حيث شهدت المدن السورية اتساعا كبيرا على حساب ريفها، ولم تنجح في دمج الوافدين إليها، وكان من نتيجة ذلك انكسار التقاليد المدينية دون أن تتمدن الثقافة الريفية في عمقها.

ومع ازدياد نسبة المتعلمين في الأرياف وما يرتبط بذلك من حاجة إلى توسيع موقعهم الاجتماعي عبر هجرتهم إلى المدينة التي لم تتطور فيها مشاريع إنتاجية أو صناعية قادرة على استيعابهم، بدؤوا يتوجهون إلى مؤسسات الدولة المختلفة وخاصة الجيش الذي يتطلب مؤهلات تعليمية أقل، ويعتبر مدخلا لإعادة توزيع الثروة والسلطة.

وتمت إعادة بناء النظام السياسي الاجتماعي السوري على أسس جديدة مع الجمهورية الثالثة، فترييف المدينة أدى تدريجيا إلى ترييف السلطة، وهو ما قاد إلى تحطيم التقاليد القانونية التي أرستها النخب المدينية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال.

"
لم يكن من الممكن فصل الصعوبات التي واجهها الرئيس بشار الأسد في اتخاذ أي إصلاحات حقيقية عن البيروقراطية الضخمة التي تراكمت داخل المؤسسات السورية, إلا أنه استطاع بحكم موقعه وسلطاته تخطي هذه العقبات بالتغييرات التي أحدثها في المؤتمر القـُطري العاشر عام 2005 
"
لقد اعتمد حافظ الأسد على رفاق دربه في النضال العسكري، ولذلك شكل الولاء والخلفية العسكرية الجزء غير الظاهر في نمط الدولة المدنية، أما المؤسسات السياسية العلنية كالبرلمان والجبهة الوطنية التقدمية فكانت شكلا وواجهة سياسية خالية من المضمون، بحسب المؤلف، حيث اقتصر عمل البرلمان على مصادقة القوانين المطروحة، واقتصر عمل الجبهة على ممارسة النشاط التثقيفي الحزبي.

وقد ترافق مع عملية بناء المؤسسات السياسية، إعادة بناء المنظمات الشعبية كاتحاد العمال والفلاحين والنقابات وغيرها على أسس تضمن الولاء الكامل عبر توسيع الإدارة الحكومية والجيش والأجهزة الأمنية، الأمر الذي ساعد على بناء الكوادر البيروقراطية التي ملأت المؤسسات المختلفة.

لقد جرى اعتماد سياسة التبعيث القائمة على مضاعفة الأعضاء المنتسبين إلى الحزب وإعطائهم الأولوية في التوظيف داخل الإدارات الحكومية، ووفق تحليلات البنية الاجتماعية فإن الغالبية العظمى من المنتسبين إلى الحزب تعود إلى الريف حيث ظل أبناء وعائلات المدن التقليدية حذرين من الانتساب إلى البعث، وقد جرى إعادة تنظيم الحزب وفق أسس هرمية شبه عسكرية.

ومع قدوم الرئيس بشار الأسد نشأ وضع جديد قديم في نفس الوقت، فمعظم أعضاء القيادة القـُطرية السابقين الذين حافظوا على مواقعهم داخل القيادة الجديدة، بدؤوا بمزاولة عمل غيب عنهم على مدار السنوات السابقة، غير أن عملهم (الجديد) اتصف بالركود والرجعية لعدم استجابتهم لأفكار الانفتاح السياسي والاقتصادي التي نادى بها الرئيس بشار الأسد.

ولذلك لم يكن من الممكن فصل الصعوبات التي واجهها الرئيس بشار الأسد في اتخاذ أي إصلاحات حقيقية عن البيروقراطية الضخمة التي تراكمت داخل المؤسسات السورية الثلاث: الإدارة الحكومية، الجيش والمؤسسات الأمنية، الحزب.

غير أن الرئيس الأسد استطاع بحكم موقعه وسلطاته تخطي هذه العقبات بشكل روتيني، وهذا ما حدث عند تغييره غالبية أعضاء القيادة القـُطرية في المؤتمر القـُطري العاشر عام2005.

السياسة الخارجية السورية في عهد بشار
بعد تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم حدثت تغيرات كبيرة في المنطقة والعالم، أول هذه التغيرات كانت انتفاضة الأقصى الفلسطينية التي لقيت دعما سوريا كبيرا، ثم أحداث سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة التي كان لها انعكاس مباشر على العلاقات السورية الأميركية، إذ سرعان ما وضعت سوريا في موضع المساءلة بسبب دعمها لحزب الله اللبناني والمنظمات الفلسطينية التي تعتبر حركات إرهابية بحسب واشنطن.

وفي محاولة لتخفيف الضغوط عليها قامت دمشق بتقديم المساعدات الاستخباراتية للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، غير أن سقوط بغداد أدخل العلاقات بين البلدين في نفق مظلم بحيث أصبحت سوريا على قائمة الدول الأكثر حضورا في خطابات الرئيس الأميركي.

"
في محاولة لتخفيف الضغوط عليها قامت دمشق بتقديم المساعدات الاستخباراتية للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، غير أن سقوط بغداد أدخل العلاقات بين البلدين في نفق مظلم
"
خشيت سوريا من قيام واشنطن بتكرار تجربتها في العراق وفق نظرية الدومينو، فعمدت إلى اتباع إستراتيجية ذات شقين للدفاع عن مصالحها: الأولى بغض الطرف عن عبور المقاومين إلى العراق عبر أراضيها، والثانية الإبقاء على باب الحوار مفتوحا مع واشنطن من خلال الإيعاز للفصائل الفلسطينية الموجودة على أراضيها بالمغادرة طوعا، ومن ثم إطلاق مبادرات سلام مع إسرائيل من أجل دفعها للجلوس على طاولة المفاوضات.

وقوبلت المحاولات السورية برفض الإدارة الأميركية التي عملت جاهدة على تضييق الخناق على دمشق، التي لم تجد مفرا من إعادة تحصين نفسها سياسيا.

وكان التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود هو أحد العناوين الرئيسية لإعادة تحصين السياسة السورية هذه، لكن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري أدخل سوريا في حقبة جديدة على مستوى علاقاتها في لبنان والمنطقة والعالم.

استغلت المعارضة اللبنانية اغتيال الحريري لإعادة صياغة العلاقة مع دمشق خارج المسار الواحد، وكان القرار الدولي 1559 بما يحمله من توافق أوروبي أميركي نادر تعبيرا عن رغبة المجتمع الدولي في إقامة علاقات سياسية بين لبنان وسوريا نابعة من احترام كل بلد لسيادة البلد الآخر.

وكان الانسحاب العسكري السوري من لبنان ترجمة لرغبة دمشق في تنفيذ الشق السوري المتعلق بالقرار 1559، لكن واشنطن التي حاولت الضغط على دمشق أكثر دفعت الأمم المتحدة إلى استصدار القرار 1636 الذي ينص على عدم تعاون سوريا الكامل مع مجلس الأمن، ثم القرار الدولي 1680 الذي يدعو إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وإقامة تمثيل سياسي بين البلدين.

في هذه الأثناء جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان لتغير من قواعد اللعبة في المنطقة لغير صالح دمشق بحسب الإسرائيليين والأميركيين، غير أن هزيمة إسرائيل في الحرب أعطت قوة سياسية كبيرة لدمشق التي لوحت بتكرار تجربة حزب الله في الجولان المحتل.

وقد ساعد سوريا على إعادة دورها الإقليمي والدولي حاجة الدول الأوروبية للتفاهم معها حول أي ترتيب في لبنان في ظل انتشار عدد من القوات الأوروبية في الجنوب اللبناني تحت إطار اليونيفيل.

تحديات السياسة الخارجية السورية
تواجه السياسة الخارجية السورية اليوم بحسب المؤلف تحديات أربعة:

الأول: كيف ستتعامل السياسة الخارجية السورية مع نتائج التحقيق الدولي ومع المحكمة الدولية في حال شكلت، فمن المرجح أن تزداد الضغوط الدولية على سوريا.

والتحدي الثاني هو موازنة علاقتها بين محوري المنطقة الفاعلين، أي بين علاقتها مع إيران وبين دورها التاريخي داخل المحور السعودي المصري السوري، فهذا المحور الذي رسم سياسة الشرق الأوسط على مدى عقود تعرض للاهتزاز.

"
لا بد أن يترافق مع عملية الانكفاء الإستراتيجي خطوات في السياسة الداخلية تتسم بالتقدم، فبناء حياة سياسية قوية قائمة على قوة الأحزاب وتوافقها على السياسة الخارجية من شأنه أن يعطي قوة لهذه السياسة
"
أما التحدي الثالث فيكمن في كيفية صوغ سياسة خارجية لا تعترف بالاحتلال الأميركي في العراق لكنها تتعامل مع الحكومة العراقية الموجودة في ظل الاحتلال، هنا دخلت السياسة السورية فيما يصفه المؤلف بالبراغماتية الذرائعية دون أن تحاول إعادة الأشياء إلى أصولها الشرعية أو القانونية.

وينبع التحدي الرابع من ضرورة إعادة صوغ السياسة الخارجية السورية وفق خيارات الداخل واحترام رغباته، ويرى المؤلف في هذا الصدد ضرورة بناء السياسة الخارجية السورية وفقا لنظرية الانكفاء الإستراتيجي التي تدفع باتجاه تراجع بطيء لسوريا عن المحاور الإقليمية والدولية بغية احتلال منصات جديدة في الداخل، من شأنه أن يوفر فرصة للتأمل في انعكاسات السياسة الإقليمية على الداخل.

ولا بد أن يترافق مع عملية الانكفاء الإستراتيجي خطوات في السياسة الداخلية تتسم بالتقدم، فبناء حياة سياسية قوية قائمة على قوة الأحزاب السياسية وتوافقها على السياسة الخارجية من شأنه أن يعطي قوة لهذه السياسة.

المصدر : الجزيرة