إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب تفاصيل العلاقات بين المخابرات الباكستانية والحركات الجهادية منذ السبعينيات، والتي تطورت في الثمانينيات بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، وأدت إلى نشوء عشرات الجماعات المسلحة التي تقاتل في أفغانستان وكشمير، ثم امتدت أعمالها وصلاتها إلى أنحاء واسعة في العالم.

وكانت ذروة أعمال هذه الجماعات في مهاجمة برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك وما نجم عن ذلك من حرب غيرت فيها باكستان موقفها لتتحالف مع الولايات المتحدة ضد دولة طالبان في أفغانستان والجماعات المسلحة في أفغانستان وباكستان.

التحول السياسي لباكستان

-الكتاب: جبهة باكستان، الصراع مع الإسلام المسلح
-المؤلف: زاهد حسين
-ترجمة: مروان سعد الدين
-الصفحات: 269
الناشر: الدار العربية للعلوم, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2007
يعرض المؤلف في الجزء الأول من الكتاب مسار التحالف بين الاستخبارات الباكستانية والجماعات الأفغانية والباكستانية المسلحة ثم التحولات التي طرأت على السياسة الباكستانية وجعلتها بعد أكثر من عشرين سنة تغير سياستها ومواقفها إلى العكس تماما، فتدخل في مواجهة شاملة مع هذه الجماعات.

ويقول المؤلف إن إدارة الاستخبارات العسكرية الباكستانية تعتبر الأكثر فاعلية ونفوذا في باكستان، فهي التي تقرر السياسات الباكستانية وتنفذها أيضا.

وقد زاد نفوذها منذ منتصف السبعينيات بعد انفصال بنغلاديش والشعور الباكستاني بالتهديد، ومع مجيء ضياء الحق إلى السلطة أسند إليها مهمة التنسيق مع الجماعات الأفغانية المعارضة لنظام الحكم الشيوعي (والواقع أنها مهمة بدأت في عهد بوتو، وبخاصة بعد انقلاب محمد داود خان على الملك ظاهر شاه)، وتوافق ذلك مع حالة الصعود الإسلامي التي امتدت إلى المجتمعات والتعليم والسياسة العامة.

وكانت تنشط في باكستان عدة جماعات ومؤسسات إسلامية تراوح بين الدعوة والتعليم الديني والعمل السياسي المنظم.

ويقول المؤلف إن الاستخبارات العسكرية الباكستانية تجاوزت في رعايتها وعلاقاتها مع الجماعات المسلحة أفغانستان إلى كشمير والهند والبوسنة والهرسك، وفي عام 1994 قررت الوكالة رعاية حركة طالبان التي بدأت الصعود والتأثير لتحل محل الحزبين الرئيسيين للمجاهدين الأفغان، الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، والجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني.

"
الاستخبارات العسكرية الباكستانية تعتبر الأكثر فاعلية ونفوذا في باكستان، فهي التي تقرر السياسات الباكستانية وتنفذها أيضا, وقد تجاوزت في رعايتها وعلاقاتها مع الجماعات المسلحة أفغانستان إلى كشمير والهند والبوسنة والهرسك
"
وكان ذلك بناء على رؤية ونصيحة الجنرال نصر الله باربار وزير الداخلية في حكومة بوتو، الذي كان يعتقد أن طالبان تشكل بديلا مناسبا للحليف التاريخي حكمتيار، وأنه يمكنها جلب السلام إلى بلاد أنهكتها الحرب، وأنها ستساعد في ضمان مصالح باكستان الاقتصادية والإستراتيجية على المدى الطويل.

وكانت بداية العلاقة مع طالبان عندما استعانت باكستان بها لتأمين مرور قافلة من الشاحنات من قندهار إلى تركمانستان، وربما كانت هذه القافلة بمثابة تجربة لترتيب بناء خط لأنابيب الغاز والنفط يمر من آسيا الوسطى عبر أفغانستان حتى شواطئ بحر العرب في باكستان.

وكان الدبلوماسيون الأميركيون في إسلام آباد يراهنون أيضا على هذه الحركة الناشئة لقيام حكومة مركزية قوية يمكنها أن ترعى عمليات الإمداد بالنفط والغاز عبر أفغانستان، وبدأت الأمم المتحدة أيضا تشارك باكستان والولايات المتحدة الرأي لأجل الوصول إلى حكومة تساعد في عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار.

وبدأت حركة طالبان في الصعود السريع فاستولت على مدينة قندهار، وأصبح الملا محمد عمر أسطورة أفغانية بعد أن أعدم قائدا اغتصب فتاتين قاصرتين وترك جثته معلقة على مدفع دبابة عدة أيام.

ويقول المؤلف إن العشرات من ضباط الاستخبارات الباكستانية عملوا إلى جانب طالبان في التخطيط والمشورة لعملياتها وسياساتها، وكان ينسق ويدير هذه العمليات العقيد سلطان إمام الذي أسند إليه منصب قنصل باكستان في قندهار.

واستطاع سلطان بخبرته الطويلة مع المجاهدين وبسبب تدينه ومظهره العام المنطبق مع الحالة الأفغانية أن ينجح في عمليات التنسيق والمشورة ونقل السلاح والتدريب، وصار بسرعة هو المستشار الرئيسي لحركة طالبان، وقد واصل سلطان دوره لفترة طويلة بعد أن انتقلت طالبان إلى كابل، وساعدها في عمليات توسعة نفوذها وسيادتها على أجزاء واسعة من أفغانستان.

ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول غيرت فجأة كل شيء وقلبته رأسا على عقب، فقد تلقى الرئيس الباكستاني مشرف رسالة بعد يومين من الأحداث سلمها له ويندي تشامبرلان، السفير الأميركي في إسلام آباد تتضمن مجموعة من المطالب السريعة الحاسمة.

منها: إيقاف عمليات القاعدة على الحدود الباكستانية، ومنع مرور السلاح والدعم اللوجستي عبر باكستان، ومنح الطائرات الأميركية حق التحليق في المجال الجوي الباكستاني وحق الهبوط، واستعمال القواعد البحرية والجوية والحدودية الباكستانية، والحصول على معلومات فورية من الاستخبارات وسلطات الهجرة، ومنع كل مظاهر الدعم المحلي للإرهاب ضد الولايات المتحدة وأصدقائها وحلفائها، وقطع إمدادات الوقود عن طالبان، ومنع المتطوعين الباكستانيين من الذهاب إلى أفغانستان، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع طالبان، ومساعدة الولايات المتحدة في تدمير شبكة القاعدة. وقد أكد مشرف في حديثة مع بوش استعداده لتلبية جميع هذه المطالب.

"
التحول الباكستاني إزاء طالبان أصاب الجيش الباكستاني نفسه بالذهول، وحتى السلطات الأميركية شعرت بذهول من حجم تلك التغييرات, فقد كانت باكستان قبل ذلك تعارض بشدة السياسات الأميركية تجاه أفغانستان، بل وكان مشرف يمدح طالبان علنا
"
كان التعاون الباكستاني مهما جدا للولايات المتحدة، وربما لولا ذلك لما أمكن تنفيذ العمليات الأميركية بهذه الفاعلية التي تمت بها، وقد واصلت الولايات المتحدة طلباتها الاستخبارية واللوجستية من باكستان.

ويقول المؤلف إن هذا التحول الباكستاني أصاب الجيش بالذهول، وحتى السلطات الأميركية شعرت بذهول من حجم التغييرات الباكستانية، فقد كانت باكستان قبل ذلك تعارض بشدة السياسات الأميركية تجاه أفغانستان وطالبان، بل كان مشرف يمدح طالبان علنا.

وبدأن نظام طالبان ينهار بسرعة فاجأت حتى الأميركان أنفسهم، لدرجة أن بوش طلب من تحالف الشمال بناء على طلب مشرف تأخير دخول قواته بضعة أيام إلى كابل ليتسنى مغادرة كابل لمن يرغب فيها تلافيا لعمليات انتقامية متوقعة.

ويقول المؤلف إن باكستان لم تكن سعيدة باستيلاء تحالف الشمال على السلطة في أفغانستان.

الجماعات الباكستانية المسلحة
أصدر برويز مشرف في 12 يناير/كانون الثاني من عام 2002 أي بعد أربعة أشهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول قرارا بحظر خمس جماعات إسلامية باكستانية متشددة هي عسكر طيبة، وجيش محمد، وحركة الجهاد الإسلامي، وجماعة الأنصار.

وهي جماعات كانت تستهدف أساسا تحرير كشمير مما تعتبره احتلالا هنديا، وإقامة حكم إسلامي بشتوني في أفغانستان، وبعضها نفذ عمليات عسكرية في الهند.

ولكن هذه الحركات التي كانت مرتبطة بجهاز الاستخبارات الباكستاني ظلت قوية وتعمل في السر، ولكنها غيرت من وسائل عملها، ونقلت معسكراتها التدريبية من أفغانستان إلى الأجزاء الباكستانية من كشمير.

وقد تداخل عمل هذه الجماعات مع المدارس الدينية والحركات الأفغانية والمجموعات العربية التي جاءت إلى أفغانستان، وامتد أيضا إلى الصراع الداخلي في باكستان بين السنة والشيعة، بل إلى محاولات وطموحات بعض ضباط الجيش الباكستاني تنفيذ انقلاب عسكري وثورات مسلحة تستهدف السلطة السياسية في باكستان.

وفجأة بدأت هذه الجماعات تواجه تحولات وانشقاقات كبرى، فقد أصبح مطلوبا منها أن تكيف نفسها مع أوضاع جديدة مختلفة تماما بل مناقضة لأهدافها وسياساتها التي أنشئت حولها، مثل وقف استهداف الهند ووقف العمليات العسكرية في كشمير، ووقف التعاون مع طالبان والعمل في أفغانستان.

وقد أدخل ذلك نظام مشرف في أزمة جديدة معقدة، إذ أصبحت باكستان مسرحا لعمليات عنف مسلحة جديدة، وتعرض مشرف نفسه لمحاولة اغتيال.

القاعدة في باكستان
يقول المؤلف إن الحرب انتقلت من أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان إلى باكستان، فقد لجأ المقاتلون الطالبانيون وحلفاؤهم إلى الحدود الأفغانية الباكستانية والقبائل البشتونية التي تقيم في منطقة الحدود.

ويذهب المؤلف إلى القول إن المخابرات الباكستانية رتبت ممرا آمنا لمقاتلي القاعدة للعبور من أفغانستان إلى المناطق القبلية والحدودية في باكستان.

"
الحرب انتقلت من أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان إلى باكستان، فقد لجأ المقاتلون الطالبانيون وحلفاؤهم إلى الحدود الأفغانية الباكستانية والقبائل البشتونية التي تقيم في منطقة الحدود
"
وربما كانت الممرات الوعرة وشبه المهجورة في الجبال الوعرة أكبر من قدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية الباكستانية على مراقبتها.

وكان مشرف الخائف من ردود أفعال سياسية حادة مترددا أيضا في ملاحقة المسلحين حتى النهاية، فلم يكن يرغب في شن عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد القاعدة في حين كان معظم قواته منتشرا على طول الحدود الهندية بسبب التوتر الناجم عن قضية كشمير.

ويلاحظ المؤلف أن تحالفا جديدا بدأ ينشأ بين الجماعات الباكستانية المتشددة التي بدأت تتعرض لمضايقات وملاحقات وحظر وبين فلول القاعد ة وطالبان التي لجأت إلى باكستان.

وقد قدمت الجماعات الباكستانية للقاعدة الدعم اللوجستي والمنازل الآمنة والوثائق المزورة والقوة البشرية أحيانا، وقد أظهر اختطاف الصحفي الأميركي دانييل بيرل مراسل صحيفة وول ستريت حجم العلاقة والتنسيق بين القاعدة وبين الجماعات الباكستانية.

لم تكن وكالات الاستخبارات الباكستانية مؤهلة للتعامل مع الموقف الجديد الذي نشأ بعد سقوط نظام طالبان، فالتغيرات الجذرية في السياسات الباكستانية والتطورات الناشئة بعد الحرب على القاعدة وطالبان أنشأت حالة جديدة تحتاج الوكالات الاستخبارية إلى وقت ليس قصيرا لتعقب الشبكات الجديدة الناشئة عنها وإنشاء بنية تحتية جديدة مختلفة عما درج عليه العمل في السنوات الخمس والعشرين الماضية.

وقد أنشأت السلطات الباكستانية خلية لمكافحة الإرهاب ضمن وكالة الاستخبارات لملاحقة مقاتلي القاعدة، وكانت هذه الخلية تعمل بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية، وأنشأت خلية أمنية لمواجهة الإرهاب تعمل مع وكالة التحقيقات الأميركية الفيدرالية، ووضعت تحت تصرفهما مبالغ طائلة لشراء المعلومات والتقنيات المتقدمة ومنحتهما سلطات وصلاحيات مطلقة.

واستطاعت بذلك اعتقال عدد من قادة القاعدة في باكستان بعد تعقب المكالمات الهاتفية عبر الأقمار الصناعية، ولكن شبكة القاعدة استمرت في العمل في باكستان رغم الضربات القوية التي تعرضت لها.

فقد اختفى المقاتلون واندمجوا في المدن الباكستانية، وأصبحت عمليات القاعدة لا مركزية، ولكن الاستخبارات الباكستانية استطاعت اعتقال أبوزبيدة، وخالد شيخ محمد، ورمزي بن الشيبة، الذين يعدون من أهم قادة القاعدة.

وسلمت باكستان مئات من مقاتلي القاعدة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولكن ذلك لم يخفف من شكوك الأميركان ولا مطالبهم المتوالية والمعقدة.

"
أصبح على مشرف أن يواجه بالإضافة إلى الجماعات المتشددة الباكستانية والجماعات الوافدة إلى باكستان من أفغانستان القبائل البشتونية, وهي بالطبع حرب معقدة ومكلفة، وليس من السهل بل يكاد يكون مستحيلا على مشرف الانتصار فيها
"
فقد بدأت الأجهزة الاستخبارية الأميركية تعتقد وجود بن لادن في باكستان، وكانت الإدارة الأميركية ترى أن برويز مشرف غير مستعد للمخاطرة بحياته وبمستقبله في التعاون التام المفضي إلى اعتقال بن لادن الذي يعتبره أغلب الشعب الباكستاني بطلا إسلاميا.

وقد كان احتمال اعتقال بن لادن حتى خارج باكستان في رأي المؤلف يشكل معضلة خطيرة لمشرف، فرغم أن اعتقاله سيزيد الدعم الأميركي للرئيس الباكستاني فإنه قد يؤدي إلى سخط شعبي واسع.

وكان مشرف يكتفي بالإصرار على أن بن لادن غير موجود في الأراضي الباكستانية، بل إن مشرف قال في مقابلة صحفية مع مجلة تايم في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2005 إنه يفضل إلقاء القبض على بن لادن في مكان ما خارج باكستان، من قبل أشخاص آخرين.

ولكن برويز مشرف اتخذ تحت الضغط الأميركي المتزايد قرارا بهجوم واسع للجيش الباكستاني هو الأكبر على الإطلاق في فبراير/شباط 2004 على المناطق القبلية في وزيرستان الحدودية بعدما هددت الولايات المتحدة بأن قواتها ستقوم بالهجوم منفردة إذا لم تتعاون السلطات الباكستانية مع المعلومات الاستخبارية لديها.

وهكذا فقد أدخل مشرف نظامه في صراع مع القبائل نفسها هذه المرة، وصار عليه أن يواجه بالإضافة إلى الجماعات المتشددة الباكستانية والجماعات الوافدة إلى باكستان من أفغانستان القبائل البشتونية على امتداد الحدود الباكستانية الأفغانية وهي بالطبع حرب معقدة ومكلفة، وليس من السهل بل يكاد يكون مستحيلا على مشرف الانتصار فيها.

المصدر : الجزيرة