عرض/ نبيل السهلي
قبل عرض ما جاء في الكتاب من أفكار وإشكاليات طرحها المؤلف، لابد من تعريف بسيط للإعلام وأهميته في حياة المجتمعات، ومن بينها المجتمعات العربية.

تعرّف الدراسات الإعلامية المختلفة الإعلام بأنه جملة من المعلومات التي تعمل على مساعدة المستقبلين والمتلقين من الأفراد أو الجماعات، وذلك عن طريق الاتصال والتفاعل الذي يتم بينهم.

ويمكن القول بأن الإعلام يقصد به المعلومات والأخبار وأي مضمون يعمل على تنوير المتلقين المستقبلين ومساعدتهم على صناعة القرار المناسب.

كما تشير دراسات أخرى إلى الإعلام على أنه الأسلوب المنظم للدعاية السياسية وترويج الأفكار في وسط مهيأ نفسيا لاستقبال السيول الفكرية التي تنساب من المصادر القادرة على التحكم في الرأي العام في بلد معين.

- الكتاب: تدويل الإعلام العربي
- المؤلف: جمال الزرن
- الصفحات: 255
- الناشر: دار صفحات للنشر، دمشق
- الطبعة: الأولى 2007

الإعلام العربي وسؤال الهوية
في الفصل الأول من الكتاب حاول المؤلف الإجابة عن سؤال: ما الذي تغير في أداء الإعلام العربي في تغطيته للحرب على العراق عام 2003؟ مشيرا إلى أن تلك الحرب أنتجت حالة من التماهي مع المنتج الإعلامي العربي ونوعا من المصالحة المغلوطة بين المتلقي ووسائل الإعلام العربية.

ومصدر هذه المغالطة هو ما ألصق بالإعلام العربي من قفزات كمية في مجموع الفضائيات قبل الحرب وبعدها، إذ عصفت تلك التحولات الكمية بهوية الإعلام العربي نوعيا.

ويرى المؤلف أن النجاح التقريبي الظاهر في تغطية الإعلام العربي للحرب ليس إلا تسللا إعلاميا في جيوب الإعلام الغربي الأوروبي والأميركي.

وكان كل من الإعلام الأميركي والأوروبي يخوضان حربا إعلامية بلا هوادة بشأن خلفية الحرب على العراق، لها أبعاد أكثر من مجرد حرب آنية. وقد تأثرت التغطية الإعلامية العربية للحرب إلى حد كبير بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

والثابت للمتابع أن وسائل الإعلام في العالم وفي الوطن العربي عجزت حتى اللحظة عن إعطاء صورة واضحة للحرب: هل هي حرب على الإرهاب أم حرب شنت بسبب امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، أم لزرع الديمقراطية؟

وقد تبرز إلى الأمام أسئلة عديدة بفعل التداعيات المتسارعة على كافة الأصعدة بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب (2003-2007).

"
ضغط المجتمع المدني في الدول العربية وكذلك ضغط الدول الغنية عبر مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير، يطالبان بضرورة أن تقلع الدولة عن احتكار الإعلام تسييرا ومضمونا
"
الإعلام العربي ومجتمع المعرفة
في الفصل الثاني من الكتاب يتتبع المؤلف كيف أصبح الإعلام العربي شأنا دوليا، وانطلق من التشخيص الذي قدمه تقرير التنمية البشرية لعام 2003 والذي اعتمدت عليه الجهات التي صاغت مشروع إصلاح ما يسمى الشرق الأوسط الكبير -وهي الدول الثماني الكبرى- عام 2004.

وبذلك يؤكد أن المشروع المذكور حوّل القضايا الأساسية في العالم العربي، مثل التعليم وقضايا المرأة والديمقراطية إلى أروقة المؤسسات الحكومية الغربية وأحضانها لتحريكها وتفعيل المفاهيم والتصورات البالية التي تحكمها.

ودبّ التأويل والرفض والقبول للمصطلحات التي أبدعها الإنسان، وبات الإصلاح تهمة، والديمقراطية عند بعضهم زورا وارتماء في أحضان الغرب، وانكسر على أعتاب حوار الطرشان مجتمع المعرفة الذي يبشر بحرية الرأي وتحرير وسائل الإعلام، وغيرها من المبادئ النبيلة، ليلتف عليه خطاب أيدولوجي تقني محض.

الإعلام العربي وثورة الاتصالات
يحاول المؤلف في الفصل الثالث من بحثه توصيف الحالة التي يعيشها هذا الإعلام العربي الذي يعيش مخاضا عسيرا في التأقلم مع تطور التقنية والثقافة، فضلا عن عدم القدرة في التعامل مع آلية الاتصال والإعلام في تلاوينها الجديدة.

ويشير إلى أن ضغط المجتمع المدني في الدول العربية وكذلك ضغط الدول الغنية من خلال مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير، يطالبان بضرورة أن تقلع الدولة عن احتكار الإعلام تسييرا ومضمونا، كما عليها أن تراجع هيكلتها الرقابية لهذا الملف الشائك.

وبعد تربع مشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير في منتديات الفكر العربي وتدويله للشأن العربي العام، وجد في عراق ما بعد الحرب أرضية خصبة لتفعيل كافة البنود التي نص عليها المشروع المذكور الذي لم تشارك في صياغته أي دولة عربية أصلا.

"
وسائل الإعلام العربية شاركت بدور أساسي في تعميق الغزو الإعلامي الأجنبي من خلال مدة ساعات البث المخصصة للمواد الأجنبية وبروز ظاهرة تلفزيون الواقع
"
التلفزيون وتدويل الإعلام العربي
يرى المؤلف في الفصل الرابع من الكتاب أن تلفزيون الواقع هو أحد مظاهر تدويل الإعلام العربي من زاوية إنتاج البرامج الثقافية إعلاميا واستهلاكها، وأن التساؤلات التي أفرزتها برامج التلفزيون مثل برنامج ستار أكاديمي والأخ الأكبر في المشهد الإعلامي الجديد تستحق وقفة جادة من التحليل والنقاش، وذلك لجملة الإشكاليات الفكرية والمنهجية التي أثارتها علاقة التلفزيون بالسلطة وبالمجتمع والآخر.

ويسجل عدة ملاحظات منهجية على الضخ التلفزيوني العربي، في المقدمة منها أن تلفزيون الواقع هو من إنتاج القطاع الخاص، إذ ظهرت أول ما ظهر في فضائية عربية خاصة وهي قناة "أم.بي.سي" عام 1991 أي بعد حرب الخليج الأولى وبعد انهيار جدار برلين عام 1989 وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق ونهاية الحرب الباردة.

وقد جاء مع بداية تشكل عود سياسة العولمة وبروز منظمة التجارة العالمية عام 1995، وتقهقر دور الدولة الإقليمية في المنطقة العربية وضعفها.

وتواصل تأسيس القنوات الفضائية العربية على نحو غير منتظم مدفوعا بتأثيرات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحرب الأخيرة على العراق، ليصل مجموع الفضائيات العربية إلى 270 قناة عام 2007.

وتعود ملكية أكثر من 50% من هذه الفضائيات إلى القطاع الخاص، منها قناتان متخصصتان كليا في إنتاج برنامج ستار أكاديمي.

ومن الملاحظات الأخرى التي سجلها المؤلف تبنّي غالبية الدول العربية ودعمها لبرامج تلفزيون الواقع، ليصل الأمر إلى تدخل هرم السلطة في أكثر من دولة عربية لاستقبال أبطال تلك البرامج وتشجيعهم.

ويشير في هذا الفصل أيضا إلى حدود التواصل والقطيعة بين ما ينتجه القطاع الخاص مستثمرا في قطاع الإعلام وإنتاج الصورة، وبين ما يعود إلى الدولة لكونها أول جهاز منتج للصورة من رأسمال ثقافي رمزي يوحي بحرية وتعددية إعلامية.

هل تحررية تلفزيون الواقع وجماهيريته بداية لميلاد إعلام حر، أم هي مجرد امتداد لإعادة إنتاج الدولة لصورتها الشعبوية بقطاع خاص، هو في الواقع من إفرازات سياستها الليبرالية الجديدة؟

ويصل المؤلف بالاعتماد على دراسة ياسر خضير البياتي حول الغزو الإعلامي إلى نتيجة هامة مفادها أن وسائل الإعلام العربية شاركت بدور أساسي في تعميق الغزو الإعلامي الأجنبي من خلال مدة ساعات البث المخصصة للمواد الأجنبية وبروز ظاهرة البرامج الواقعية أو ما يسمى تلفزيون الواقع.

"
تدويل الإعلام العربي يخدم أيضا هدفا إستراتيجيا اسمه استدراج الإعلام العربي شيئا فشيئا من أجل المشاركة في تلميع صورة الولايات المتحدة لوقف نزيف العداء لها وتبني فكرة تجفيف منابع الكره
"
استنتاجات أساسية
من خلال قراءة سريعة لخاتمة الكتاب، يمكن تسجيل النتائج التالية:
1- يعتبر الإعلام التنموي ودوره في نهضة المجتمعات المستقلة حديثا وتحديثها من المفاهيم التي راجت على نحو مكثف في دول العالم الثالث والدول العربية في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، ودور هذا الإعلام هو المساهمة الفعالة في النهضة الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية لدولة ما بعد الاستقلال.

2- أكثر من نصف المنطقة العربية هي فضاءات تحت التدويل، وهو ما يقدم إجابة على صلابة فرضية أن الإعلام العربي أصبح حقيقة قضية في أروقة التدويل.

3- لقد تحول الإعلام العربي إلى ملف يهم الجميع بعد عقود من الغياب، ففي الماضي كان الغرب يهتم بما ينشره من أخبار، أما اليوم فإن الغرب يهتم بما يبثه الإعلام العربي، ليس فقط ما يبثه العرب وما يبثه هو، وإنما آثار كل ذلك في المتلقي أي الجمهور الغربي والعربي.

4- إضافة إلى تلك النتائج التي أتى عليها البحث، يؤكد المؤلف أن المنطقة العربية تشهد تدويلا للإعلام على شاكلة تدويل أمني وحدودي وعسكري وسياسي وغذائي، وفي هذا السياق فإن الإعلام العربي يتجه إلى أن يصبح تحت إشراف متزايد من قبل هيئات ومنظمات دولية مختلفة الخلفيات الاجتماعية والثقافية والسياسية على نحو علني أو مستتر.

5- ومن النتائج الهامة أن تدويل الإعلام العربي يخدم أيضا هدفا إستراتيجيا اسمه استدراج الإعلام العربي شيئا فشيئا من أجل المشاركة في تلميع صورة الولايات المتحدة لوقف نزيف العداء لها، وتبني فكرة تجفيف منابع الكره.

المصدر : الجزيرة