عرض/أحمد فياض
هذا الكتاب الموسوعي المترجم عن العبرية يعطي القارئ العربي فرصة ذهبية في إلقاء الضوء على الشخصيات اليهودية التي أثرت وساهمت مجتمعة في قيام الدولة العبرية، ويبرز ذلك عبر استعراض الكتاب للسير الذاتية لألف شخصية يهودية مؤثرة.

- الكتاب: ألف يهودي في التاريخ الحديث
- المؤلف: يغآل عيلام
- المترجم: عدنان أبو عامر
- عدد الصفحات: 510
- الناشر: مؤسسة فلسطين للثقافة، دمشق
- الطبعة: الأولى/ديسمبر 2006

 
وجاء في مقدمة المترجم والباحث الفلسطيني عدنان أبو عامر، أن هذه الموسوعة تثبت أن اليهود، بعد أكثر من خمسة عقود على إقامة دولة الكيان الإسرائيلي صدقوا المقولة المنسوبة إليهم، بأنهم لا ينسون رجالهم.

وأشار إلى أن هذه المقولة تأكدت خلال تجارب كثيرة ومراحل عديدة من الصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي ينبه إلى الرغبة الإسرائيلية الجامحة في تجميع كل يهودي، مهما كانت طاقته ومجال إبداعه، للمساهمة في هذا المشروع.

وأوضح الكاتب أن قراءة السير الذاتية لهذه الشخصيات الألف، تتضمن إطلالة تاريخية تفصيلية على الكثير من المحاور والمجالات التي أحاطت بالمشروع الصهيوني منذ بداياته الأولى، وتقدم للقارئ كما هائلا من المعلومات التاريخية التي تهم كل متابع لتطور الحركة الصهيونية وصولا إلى قيام دولة إسرائيل.

وينوه المترجم بأن هذه الموسوعة التي تتطرق إلى السير الذاتية لشخصيات الكتاب الألف، تقدم قراءة تاريخية تفصيلية للكثير من الجوانب التي قد تكون خافية عن القارئ العربي، لاسيما الخلافات الداخلية العاصفة التي كادت تطيح بالمشروع الصهيوني.

وتذكر أن تلك الخلافات تنوعت بين خلافات سياسية ودينية وشخصية، أي أن مشروع دولة إسرائيل لم يقم فجأة في هذه المنطقة، بل سبقته صراعات ونزاعات غلب عليها الطابع الدموي في كثير من الأحيان.

"
هناك علاقات حميمة ربطت قادة الحركة الصهيونية الواردة ترجماتهم في هذا الكتاب ببعض الزعماء العرب
"

دولة التخصصات
تشير السير الذاتية لهذه الشخصيات الألف إلى مدى النفوذ الهائل الذي وصلت إليه قيادات الحركة الصهيونية، في جهات الأرض الأربعة، وتعددت أوجه هذا النفوذ، سياسيا واقتصاديا وأكاديميا وماليا، الأمر الذي قد يفسر سرعة تطبيق حلم الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين.

ويضيف الكتاب أن الأمر الأكثر وضوحا في هذه الترجمة هو أن الغالبية العظمى من هذه الشخصيات التي ساهمت في احتلال أرض فلسطين وإقامة الكيان الإسرائيلي، أتت جميعها من شتى أصقاع الأرض وليست لها جذور تاريخية في أرض فلسطين، كما تحاول الحركة الصهيونية الادعاء بذلك.

ولذلك أيقن اليهود منذ اللحظة الأولى أن إقامة دولتهم على أرض فلسطين تحتاج منهم إلى أن يكونوا موزعين في شتى المجالات، وذوي تخصصات متعددة، حيث سيجد القارئ في هذه الترجمة اليهودي السياسي والاقتصادي وعالم الاجتماع والممثل والنحات والرسام والمؤرخ والصحفي، مما مكنهم من دخول العديد من هذه المجالات، وخدمة المشروع الصهيوني من خلالها.

وأكد الكتاب أن القارئ سيلاحظ أن تغيير الديانة اليهودية أمر ليس غريبا عند اليهود، مما يفسر أن إسرائيل والحركة الصهيونية من قبلها اجتهدت ونجحت في توظيف الدين اليهودي لخدمة برنامجها السياسي، حتى ولو برروا ذلك بالحملات المناهضة لليهودية وما حملته من قوانين وتشريعات حرمتهم من تولي بعض المناصب طالما بقوا على ديانتهم الأصلية.

ويشير المترجم أبو عامر إلى ملاحظة أثارت انتباهه كثيرا خلال ترجمته لصفحات هذه الموسوعة التي جاءت في 510 صفحات من القطع الكبير، تكمن في حجم الحقد الذي تكنه الحركة الصهيونية للدولة العثمانية، بسبب الإجراءات التي اتخذها العثمانيون لإعاقة تنفيذ المشروع الصهيوني.

وفي ذات الوقت كشف الكتاب عن علاقات حميمة ربطت قادة الحركة الصهيونية الواردة ترجماتهم في هذا الكتاب، ببعض الزعماء العرب!

ويختتم المترجم مقدمته بالقول: "لم أكن يوما من دعاة نظرية المؤامرة، رغم يقيني بأن التاريخ مليء بالمؤامرات، ومع ذلك فقد لفت نظري خلال الترجمة الكم الكبير من اليهود الحاصلين على جوائز نوبل في مختلف المجالات، السلام والفيزياء والطب والأدب، ولأن التكريم طبع فطر عليه الإنسان، لكنه حين يأتي مقرونا بعقدة الذنب التي تطارد الغرب تجاه اليهود، يجعل الجائزة بالتأكيد تنحرف عن أهدافها العلمية السامية باتجاه حسابات سياسية صرفة".

"
حين يأتي التكريم مقرونا بعقدة الذنب التي تطارد الغرب تجاه اليهود، يجعل ذلك الجائزة تنحرف عن أهدافها العلمية السامية باتجاه حسابات سياسية صرفة
"

تاريخ من صنع شخصيات
ويذكر مؤلف الموسوعة البروفيسور يغآل عيلام، المحاضر في قسم التاريخ والدراسات الثقافية في جامعة بن غوريون، في مقدمته أن التاريخ من صنع أناس وشخصيات بعينها، ذلك أن الدور الشخصي مهم في صناعة التاريخ، ومع ذلك فهو محدد بطبيعة المهمة التي قامت بها، بحيث تؤثر هذه الشخصية أو تلك في وجهة التاريخ من جهة، ومن جهة أخرى تحيل اتجاه تطور الأحداث.

دور الشخصية التاريخية إذن ثابت، وفي نهاية الأمر منوط بمن يحيط بهذه الشخصية من أناس، يضعون حريتهم وإرادتهم بين يدي شخصية ما ويمنحونها كل ما ترغب فيه.

ويضيف المؤلف مثالا جيدا على هذا النموذج يبدو واضحا في مراحل معينة من التاريخ الإنساني، من خلال نجاح عدد من الملوك والحكام في تقرير مصير شعوبهم ودولهم، وفي أيامنا هذه بالإمكان ملء مكان مثل تلك الشخصيات التاريخية بأناس منتخببن، سواء كانوا رؤساء دول أو رؤساء حكومات لأن القرارات التي تتخذ باسمهم لها علاقة أكيدة بتطورات سياسية معينة، ستؤثر بالتأكيد على مصير الشعوب والدول.

ولكن في أعقاب الثورات الجماهيرية التي أسفرت عن نشوء أنظمة سياسية قانونية في الشرق، وأنظمة ديمقراطية في العالم الغربي، لم يعد بالإمكان أن تكون لتلك الشخصية التاريخية التي تحدثنا عنها ذات الدور، فقد اختلفت الظروف التاريخية للبيئة المحيطة بهذه الشخصية أو تلك، ومع ذلك فليس بالإمكان نسيان حقيقة هامة وهي أن بعض المهام والمواقع، فقط أناس معينون يستطيعون ملء الفراغ فيها.

وفي نهاية الأمر فإن التاريخ وحده سيكون الشاهد على صنائعهم، ويتحدث عن حكاياتهم لأن قلة من الناس فقط يستطيعون القيام بهذه الأدوار التاريخية.

مدخل عام كالذي سبق، كان مهما للحديث عن اختيار ألف شخصية سترد في هذا المعجم، وبالتأكيد فإن اختيار ألف شخصية تحديدا أحاطه الكثير من الصعوبات، ذلك أن 80% من الشخصيات التي ستظهر في هذا الكتاب لن تكون موضع خلاف بين القارئ والمؤلف.

ولكن بالنسبة لـ20% فقد اعتقدت أنهم جديرون بالظهور في هذا الكتاب، علما بأن اختيار عدد ألف شخص، لا يعني أن هناك شخصيات كانت مناسبة وجديرة بالظهور في الكتاب.

إن عملية اختيار هذه الشخصيات لم تتطرق بالضرورة إلى مواقعهم البارزة ومهامهم الظاهرة، بل لقد كان مناسبا أن يتم اختيار شخصيات نظرا لموقعها الشعبي في أوساط الجمهور اليهودي، ولها علاقة مباشرة بميلاد شعبنا اليهودي، أو كان لهم تأثير ما بتطورات فكرية خاصة بنا.

رأيت من الضرورة أن ترد أسماؤهم في هذه الموسوعة، وبالتالي جاؤوا على حساب شخصيات أخرى معروفة بالتأكيد أكثر منهم.

"
عملية اختيار هذه الشخصيات لم تتطرق بالضرورة إلى مواقعهم البارزة ومهامهم الظاهرة، بل تم اختيارهم نظرا لمواقعهم الشعبية في أوساط الجمهور اليهودي
"
تاريخ اليهود الحديث
وينوه المؤلف بأن القارئ سيجد أن هذا الكتاب يؤرخ بصورة أو بأخرى للشعب اليهودي، ونشأته في العصر الحديث، عبر الحديث عن قضايا شغلت الشعب اليهودي خلال القرون الأخيرة في مواضيع هامة سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية وفنية.

كما يتطرق الكتاب من خلال التأريخ لتلك الشخصيات الألف إلى ما قدموه من إنجازات ساعدت في تطوير الكيبوتس اليهودي، وطبيعة الاختلافات والتطورات في طبيعة الفعاليات اليهودية التي برزت خلال التاريخ الحديث.

ويؤرخ هذا التاريخ الذي يبدأ من القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن العشرين، وللحركات السياسية المختلفة داخل الشعب اليهودي، وللتغيرات الجوهرية التي حلت بالتاريخ اليهودي الحديث.

ولم يخف المؤلف الإشارة إلى الإرباك الشديد الذي أصابه في إعداد هذا الكتاب، بسبب اختيار عن من يكتب وعن من يغض النظر، عن من يستفيض وعن من يختصر.

ومع ذلك فقد تطرق الكتاب على سبيل المثال إلى جميع الشخصيات اليهودية التي حصلت على جائزة نوبل، لافتا إلى أن القارئ قد يشعر أنه أطال الحديث في موضوعات معينة، وأوجز في موضوعات أخرى، وهو أمر قد يثير استغراب القارئ، فمنهم المخرجون السينمائيون والممثلون، ومنهم رجال الجيش العسكريون، والرياضيون، وعلماء الآثار، وعلماء وأطباء، وكل هذه النوعيات سيبرز دورها كثيرا وبصورة واضحة في هذا الكتاب.

ويبدأ المؤلف مرحلته التاريخية منذ القرن الثامن عشر، وهذا التاريخ بالطبع على صلة وثيقة بالحركة التنويرية للشعب اليهودي في القارة الأوروبية، وقد استعان المؤلف بالعديد من المراجع والموسوعات والتراجم في تدعيم وتأكيد ما أورده في مؤلفه.

المصدر : الجزيرة