عرض/ إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب قراءة تاريخية للثورة الأميركية ضد الإمبراطورية البريطانية العظمى في القرن الثامن عشر، خصائصها وطبيعتها وكيف غيرت هذه الثورة اتجاه التاريخ بتلك المنطقة، بالإضافة إلى نتائجها التي أدت إلى ظهور جمهورية ضخمة وممتدة وصعبة المراس.

ويعمل المؤلف جوردن وود أستاذا للتاريخ بجامعة براون منذ عام 1969، وقد حصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد.

التطورات السياسية والاقتصادية في القرن الثامن عشر
كانت التغيرات التي حدثت في النصف الثاني في القرن الثامن عشر كثيرة جدا وذات أثر عميق في المجتمع الأميركي، حيث شكلت هذه الأحداث وساهمت بقصد أو بدون قصد في إحداث الثورة.

-اسم الكتاب:الثورة الأميركية
-المؤلف: جوردن. س. وود
-ترجمة: نادر سعادة
-عدد الصفحات: 198 صفحة
-الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع عمان – الأردن
-الطبعة: الأولى/ 2006

وعلى الرغم من أن أغلب مسؤولي الإمبرطورية البريطانية لم يكن لديهم أي شك في مسألة تبعية المستعمرات الأميركية للبلد الأم، إلا أن الأمور لم تكن تسير بهذا الشكل، حيث كانت هذه العلاقة تعاني من مشاكل كثيرة وتطورات اجتماعية واقتصادية حدت من قدرة السلطات الإمبرطورية على التدخل في شؤون المستعمرات.

وكان التطور الأساسي من بين هذه التطورات هو نمو وحركة السكان، فبين الأعوام 1750 و1770 تضاعف عدد سكان المستعمرات من مليون إلى مليونين، وارتفعت بذلك نسبتهم إلى سكان بريطانيا إلى 20%، مما جعل بنجامين فرانكلن يتنبأ بأنه عاجلا أم آجلا سوف ينتقل مركز الإمبرطورية البريطانية إلى أميركا.

وقد أدى نمو المستوطنات واتساعها وانتشارها إلى فقدان السيطرة عليها من قبل الحكومة الاستعمارية، ونشوء سلطة محلية مستقلة عن المركز في شرق القارة.

وقد اتسع في الوقت نفسه الاقتصاد الأنجلو أميركي، ففي عام 1775 كان نصف الشحن البحري الإنجليزي تقريبا مشغولا بالتجارة مع أميركا، وبلغت نسبة مشاركة أميركا الشمالية في الصادرات الإنجليزية 25%، ومنذ عام 1747 وحتى عام 1765 تضاعفت قيمة صادرات المستعمرات إلى بريطانيا من 700 ألف باوند إلى 1.5 مليون باوند.

"
مع حلول منتصف القرن الثامن عشر توصل العديد من المسؤولين البريطانيين إلى إدراك الحاجة لإحداث نوع من الإصلاحات في الإمبراطورية، في أميركا، واحتاجت الإمبراطورية لتغطية نفقات جيشها الثابت في أميركا إلى توفيرها من المستعمرات
"

ولأول مرة منذ القرن 18 لم يعد إنتاج بريطانيا من الغذاء يكفي لسد الحاجات المتزايدة للسكان، وكان هذا الارتفاع في الطلب على الغذاء في بريطانيا وجنوب أوروبا يعني ارتفاع الأسعار للصادرات الأميركية، ومن ثم ارتفاع مستويات المعيشة لكثير من الأميركيين.

ومع حلول منتصف القرن توصل العديد من المسؤولين البريطانيين إلى إدراك الحاجة لإحداث نوع من الإصلاحات في الإمبراطورية، مثل إعادة تنظيم الأراضي المكتسبة من فرنسا وإسبانيا، والاحتفاظ بجيش ثابت في أميركا، واحتاجت الإمبراطورية لتغطية نفقاته إلى توفيرها من المستعمرات.

وكانت النفقات الهائلة التي واجهت الحكومة البريطانية مصدر تهديد للإمبراطورية وتوتر في العلاقات الأنجلو أميركية، فشكلت ثلاث حكومات: شرق فلوريدا، وغرب فلوريدا، وكويبك، وفرضت رسوما واسعة جديدة على الواردات والطوابع والوثائق القانونية والصحف مما أثار سخطا وتمردا واسعا في المستعمرات، وبدأ موضوع الاستقلال يطرح بجدية وعلى نطاق واسع.

نحو الاستقلال
أدى التمرد على القوانين والضرائب الجديدة التي فرضتها بريطانيا إلى نشوء سلطات محلية للمدن والأقاليم انتشرت في جميع أنحاء القارة، ثم شكلت هذه المجالس فيما بينها مجلسا تشريعيا على مستوى القارة، والذي تشكل من 55 مجلسا منتشرا في 12 مستعمرة.

وقرر الملك ومؤيدوه بأنه لا مفر من استخدام القوة العسكرية، وابتدأت المواجهة في ماساتشوستس عام 1775، وشكل المؤتمر الأميركي جيشا مركزيا، وعين جورج واشنطن قائدا عاما لهذا الجيش، وأعلن استقلال القارة الأميركية في الرابع من يوليو/تموز عام 1776.

وأعد الأميركيون دستور بلادهم والذي عكس الرغبة في الحرية ومواجهة الطغيان، فكانت سلطات الحكام المنتخبين محدودة وتخضع للبرلمان "الكونغرس"، وشكلت سلطة مركزية على مستوى القارة تتمتع بإدارة الشؤون الخارجية والمعاهدات وشن الحرب.

وبهذا امتلكت الولايات المتحدة الأميركية معنى حرفيا، فمثلت الكونفدرالية تحالفا بين ولايات متعاونة ذات سيادة أكثر منها حكومة واحدة.

كانت حرب الاستقلال هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية حتى وقوع الحرب الفيتنامية في ستينيات القرن العشرين، فقد استمرت ثماني سنوات، كان الأميركان في أثنائها يواجهون جيشا مركزيا مدربا ومسلحا قوامه ثمانون ألف جندي.

"
امتلكت الولايات المتحدة الأميركية معنى حرفيا للاسم، فمثلت الكونفدرالية تحالفا بين ولايات متعاونة ذات سيادة أكثر منها حكومة واحدة, وكانت حرب الاستقلال هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية, وقد اعترفت بريطانيا عام 1783 باستقلال أميركيا
"

وأما الجيش الأميركي الناشئ والمبتدئ من الصفر، فقد بدأ بخمسة آلاف مقاتل يقوم على الأهالي، وحتى قادته فكانوا من أصحاب المهن والأعمال الذين انضموا إلى الجيش، ولكن المقاتلين الأميركان استفادوا من اتساع الأراضي ووحشتها في خوض حرب دفاعية استنزفت الجيش البريطاني.

ووفرت فرنسا سرا الدعم المالي والعسكري للجيش الأميركي، وشغل بنجامين فرانكلين في عام 1776 منصب سفير الولايات المتحدة الأميركي في باريس، وفتحت الموانئ الفرنسية للسفن الحربية الأميركية، وانضم عدد من ضباط الجيش الفرنسي للثورة الأميركية من أجل تدريب وتنظيم قواتها.

واعترفت بريطانيا عام 1783 باستقلال الولايات المتحدة الأميركية وبخاصة أنها كانت تخوض صراعا مع فرنسا وإسبانيا في الوقت نفسه، وضمن حدود فاقت التوقعات الفرنسية والإسبانية، وهو ما يعتبر أكبر إنجاز في تاريخ الدبلوماسية الأميركية.

مجد أميركا يتصاعد
كانت فكرة النظام أو الحكم الجمهوري تعد متطرفة في القرن الثامن عشر مثل تطرف فكرة الماركسية في القرن التاسع عشر، فقد عنت أكثر من إزالة ملك وتأسيس نظام حكومي انتخابي.

ولكنها أضافت بُعدا أخلاقيا ومثاليا على الانفصال السياسي عن إنجلترا، وكان هذا البعد تحولا جذريا في القيم وفي شخصية المجتمع الأميركي، وزادت فكرة النظام الجمهوري من تطرف الفكر الريفي الذي اقتبسه الأميركيون من المجموعات المعارضة في المجتمع الإنجليزي.

وكانت الثورة الأميركية في نظر مثقفيها ليست مجرد انفصال عن بريطانيا، ولكنها شعلة الحضارة التي امتدت عبر الأطلنطي إلى العالم الجديد.

وبالطبع فلم يكن المثقفون الأميركان كلهم متأكدين من قدرة العالم الجدية لأن يستقبل الشعلة الموروثة من الثقافة الغربية، وشكك البعض فيما إذا كان الذوق الأميركي البدائي قادرا على استيعاب الفنون الرفيعة.

ولكن كثيرا من الثوريين كانوا يرون في الولايات المتحدة الأميركية ملاذا للحرية والهجرة من من طغيان العالم، وأيضا مكانا - برأي عزرا ستايلر رئيس جامعة ييل- يستحق أن يكون مركزا لاستقبال ونمو الفنون التي يمكن أن تنتقل من أوروبا وآسيا.

المساواة -الفكرة الأكثر قوة في كل التاريخ الأميركي- تنبأت بنهاية النزاع المستمر على المركز والرتبة، والخلاف المر للتحزب السياسي الذي ابتليت به المستعمرات، ولذلك كان تأكيد جيفرسون في "إعلان الاستقلال" بأن كل الرجال خلقوا متساوين، واعتبر ذلك فيما بعد "فطرة" العصر، فقط التعليم والتهذيب هما العاملان اللذان يفصلان رجلا عن آخر و إنسان عن آخر تلك الفكرة التي كانت الأكثر ثورية في القرن الثامن عشر، وفي الحقيقة في كل الفكر الحديث.

"
كانت الثورة الأميركية في نظر مثقفيها ليست مجرد انفصال عن بريطانيا، ولكنها شعلة الحضارة التي امتدت عبر الأطلنطي إلى العالم الجديد, وكان كثير من الثوريين يرون فيها ملاذا للحرية والهجرة من من طغيان العالم
"

في العالم الجديد والأفضل، رأى العديد من قادة الثورة بأن الحرب ستمحى وستزال، فإذا تركت شعوب الأمم المختلفة لكي تتبادل البضائع بحرية فيما بينها دونما التدخل الفاسد للقصور الملكية وتنافسات السلالات الحاكمة غير العقلانية، وبدون الدبلوماسية السرية المزدوجة، التي كانت كلها موجودة في الماضي فإن الأمل كبير بأن تصبح السياسة العالمية متسمة بالهدوء والجهورية.

كذلك ارتأوا أيضا وجود عالم متماسك بواسطة المصالح الطبيعية للشعوب في التجارة، ففي عام 1776 حاول أعضاء الكونجرس القاري أن يجسدوا هذه المبادئ الليبرالية في نموذج معاهدة يمكن تطبيقها مع فرنسا وآجلا مع أمم أخرى.

ولكن الأمم الأوروبية الرئيسية رفضت أن تفتح أبوابها البحرية للتجارة الأميركية وقد قامت دولتان فقط وهما بروسيا والسويد بالموافقة على التوقيع على المعاهدات الليبرالية مع الولايات المتحدة، وبرغم عدم مبالاة الدول الأوروبية، إلا أن الأميركيين، وبالأخص توماس جيفرسون وجيمس ماديسون، ظلوا واثقين من قوة التجارة في التأثير على السياسة العالمية.

وكان من الآثار المباشرة للثورة مغادرة عشرات الآلاف من الموالين أو التوريز، كما أطلق عليهم الوطنيون، وقد وصل عدد الموالين إلى ما يقرب من نصف مليون أو 20% من الأميركيين البيض.

وهنا يجدر الملاحظة أن الجيش البريطاني كان الأداة التي قامت بتحرير العبيد في أميركا قبل أيام الحرب الأهلية عندما حررهم للمشاركة في الحرب من أجل التاج، وقد رحل هؤلاء فيما بعد إلى كندا والإنديز.

ورغم أن الحرب تركت آثارا تدميرية عل بعض القطاعات والأفراد ولكن نتائجها الكلية كانت محفزة، فقد اندفع تجار جدد في جميع الاتجاهات للبحث عن أسواق جديدة، ليس فقط في المناطق المستعمرة في الإنديز الغربية وجنوب أميركا، التي كانت مقيدة سابقا، بل تعدوها إلى أوروبا وحتى إلى الصين.

ولكن الإنجاز الأميركي للاستقلال عن بريطانيا العظمى في العام 1783 كان كارثة بالنسبة للهنود، فكثير من القبائل في الشمال الغربي والجنوبي الغربي التي تحالفت مع البريطانيين، ومع معاهدة السلام بين الأميركان والإنجليز خسرت تلك القبائل السيادة على أراضيها للولايات المتحدة الأميركية.

خاصة أن كثيرا من الهنود حاربوا مع الجانب البريطاني، وفي الثمانينيات من القرن الثامن عشر شارك كثير من الأميركيين الغربيين في التوقعات التي أطلقها المحارب الهندي جورج روجرز كلارك بأن كل الهنود في النهاية سيبادون.

ونظرا لأن الثوريين كانوا يؤمنون بأن الناس لا يولدون ليصبحوا ما قد يصبحون عليه، بدأ الأميركيون في السنوات التي تلت ثورتهم بإصلاح ثقافتهم في جهد شاق ليجعلوا أفكارهم وسلوكهم متوافقين مع حكوماتهم الجمهورية الجديدة، فزاد عدد الكليات التي كانت تسع عام 1776 إلى 16 كلية في السنوات الـ25 التالية للاستقلال.

"
لم تتأثر أي مؤسسة بشكل مباشر بروح الثورة في التحرير أكثر من العبودية والرق، ولكن لم ينتهي استعباد نصف مليون أسود تقريبا مع مجيء الثورة، وفي عيون الفكر الحديث شكّل هذا الفشل وسط كل الحديث اللامع عن الحرية والمساواة تباينا منافقا في أثناء عصر الثورة
"

وقد رسم عديد من قادة الثورة خططا موسعة لتأسيس أنظمة مدرسية عامة ورغم أهمية الكتابة فإن القراءة كانت أهم، ولهذا تم استكمال المكتبات الخاصة، وقد كان الأميركيون متشوقين لإيجاد الجمعيات الإنسانية والخيرية، لأنهم اعتقدوا أنهم شعب غريب في الإحساس والحساسية.

فقد كانت المدارس والمؤسسات الخيرية والإصلاحيات مهمة جدا لإصلاح المجتمع وجعله جمهوريا أكثر، فقد أزالت الثورة النماذج الإنجليزية القديمة للإرث، والنصائح القانونية الأرستقراطية التي سعت إلى الحفاظ على الأملاك حتى خط الجذر.

لم تتأثر أي مؤسسة بشكل مباشر بروح الثورة في التحرير أكثر من العبودية والرق، ولكن لم ينتهي استعباد نصف مليون أسود تقريبا مع مجيء الثورة، وفي عيون الفكر الحديث شكّل هذا الفشل وسط كل الحديث اللامع عن الحرية والمساواة تباينا منافقا في أثناء عصر الثورة، فقد عاش العديد من السود تحت نير العبودية في نهاية عصر الثورة أكثر من بدايتها.

وفي العالم الجديد الذي كان يبنيه الأميركيون هو عالم جمهوري يميل إلى فعل الخير الشامل ويعبر عن كل فضيلة إلهية واجتماعية، كان للدين دورا مهما يلعبه، فإن تحرير أميركا من الخطيئة والبهرجة، هو بالضبط ما كنت تتصوره الكنيسة في أوروبا.

وفي الحقيقة لم يكن العديد من قادة الثورة السياسيين والمميزين مندمجين عاطفيا في الدين، وفي أفضل الحالات نظروا إلى المسيحية بشكل سلبي وفي أسوأها حقّروها وسخروا منها، لأنهم ربطوا القوى المظلمة للطغيان المدني والطغيان الديني ببعضها البعض.

ولكن في كل مكان كانت أعداد كبيرة جدا من عامة الناس يوجدون تجمعات دينية تبشيرية مكتفية عاطفيا تدعو للمساواة، وبتدمير البناء التقليدي للسلطة فتحت الثورة فرصا دينية جديدة للأميين وللطبقات الدنيا وللتابعين، بالرغم أن الثورة أصلا أطلقت سيلا من التدين الشعبي والعاطفي في الحياة الأميركية.

المصدر : الجزيرة