عرض/منى فاعور 
هذا الكتاب هو رواية سياسية تتناول موضوع الساعة، الإرهاب والحرب المعلنة عليه. ومحور الكتاب هو تعريف ماهية الإرهاب، متى تسمى الأعمال الحربية عملا إرهابيا ومتى تسمى دفاعا عن النفس والديمقراطية.

 
أحداث الرواية تجري في عالمنا الآني الذي نحياه اليوم وتقريبا كل الأسماء حقيقية، والسياسة هي السياسة التي تحكم عالمنا اليوم, كل الأحداث من الواقع ما عدا أن مجموعة فلسطينية تتمكن من الحصول على غواصة روسية على مستوى عال من التقنية.
 

-اسم الكتاب: السيدة رعب

المؤلف: يان غيّو

الناشر: دار نشر بيرات، أوسلو
-عدد الصفحات: 422

-الطبعة: الاولى/2006

وبقيادة امرأة فلسطينية هي العميد منى الحسيني تتمكن هذه المجموعة من الوصول إلى مدينة حيفا وتدمير الأسطول الإسرائيلي.
وهذه المجموعة تقوم باختطاف مراسلة معروفة تعمل في قناة الجزيرة لتغطية الحدث الذي سيهز العالم.

 

كاتب الرواية يان غيّو من أبرز الكتاب والصحافيين في السويد وله الكثير من المؤلفات، أبرزها الروايات التي كان بطلها العميل السري السويدي كارل هملتون، جيمس بوند الشمال الأوربي، وأشهرها رواية "الديك الأحمر" التي كانت قضية الشرق الأوسط حاضرة فيها وقد ترجمت كتبه إلى العديد من اللغات.  

 

سلطت الأضواء عليه كصحافي لأول مرة في العام 1973، عندما كشف مع صحافي آخر وجود مكتب المعلومات السويدي (IB)، وذلك لمراقبة اليساريين الرديكاليين السويديين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد حكم عليه بالسجن بسبب هذه القضية بتهمة التجسس.

 

وهو يكتب بانتظام لصحيفة سويدية وله آراؤه التي ينتقد من خلالها المجتمع والصحافة في السويد وهو كذلك نقد للغرب أيضا. وموقف الكاتب السياسي واضح جدا في مسار الرواية وهو المعروف بتأييده للقضية الفلسطينية.

 

مأساة الغواصة الروسية "كورسك"

بعد سقوط الإتحاد السوفياتي أصبح هناك قواعد لعبة سياسية دولية جديدة, وهذا ما مكن الفلسطينيين من حصولهم على الغواصة الروسية والتخطيط لعمليتهم.

 

الكاتب يبدأ روايته بمقدمة تتناول القصة الحقيقية لغرق الغواصة النووية "كورسك" في بحر بارنتس في العام 2000، وهذه الغواصة تم إغراقها من قبل الأميركيين أثناء قيامها بمناورة تجريبية لصاروخ ذي تقنية عالية من نتائجه أن يقلب موازين سياسية دولية كثيرة.

 

الرواية الروسية قالت إن طوربيدا قديما انفجر تلقائيا على متن الغواصة وتسبب بغرقها. وعلى أثر الحادث ألغيت مليارات غير محددة من ديون روسيا الخارجية وحصل الروس على ديون بشروط جيدة جدا.

 

ولاحقا قرر الروس تطوير سلاح البحرية أكثر ومواجهة الولايات المتحدة, هذه المرة ليس بمواجهة فعلية معهم وإنما ببيع هذه التكنولوجيا إلى أعداء الأميركان مقابل مبالغ ضخمة.

 

الهوية والجهاد

"
العالم يؤرقه هاجس العمليات الإرهابية وكل شيء فيه جاهز لمكافحة الإرهاب, حتى في البلدان التي لا يوجد تهديد مباشر وحقيقي ضدها, تصرفت وكأنها كذلك, وبالتالي أصبح لزاما عليها إيجاد إرهابيين على أرضها
"
السياسة الحالية حاضرة في الرواية, الحرب في العراق, البرنامج النووي الإيراني وبريطانيا في وقتها الحالي مع توني بلير كرئيس وزراء مطلوب منه الاستقالة والإدارة الأميركية بإدارتها الحالية التي يصفها الكاتب كمجموعة من الشريرين ورعاة البقر ما عدا كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الصوت الوحيد العقلاني، وبدونها ستكون الولايات المتحدة آلة حرب فقط.

 

والعالم يؤرقه هاجس العمليات الإرهابية وكل شيء فيه جاهز لمكافحة الإرهاب, حتى في البلدان التي لا يوجد تهديد مباشر وحقيقي ضدها, تصرفت وكأنها على أهبة هجوم حقيقي ضدها, وبالتالي أصبح لزاما عليها إيجاد إرهابيين على أرضها.

 

جزء كبير من الرواية يتناول الجيل الثالث من المهاجرين المسلمين في بريطانيا, هذا الجيل الذي جاء منه فتيان ليدز الذين فجروا حافلات القطارات والباصات في لندن في يوليو/ تموز 2005، وقد انصب الاتهام على أئمة جوامع لندن لدورهم في تعبئة هؤلاء الشبان.

 

وألقى البوليس البريطاني القبض على العديد من المراهقين والأفراد بتهم التخطيط لعمليات إرهابية, معاداة السامية والتحريض على غير المسلمين وأحيانا كثيرة كانت التهم غير معروفة, ولن يكون من الممكن معرفتها في المستقبل,  ومع ذلك أدين البعض من الأشخاص المتهمين.

 

وأدى هذا إلى تزايد مشاعر الكره بين المحيطين بهؤلاء الأشخاص، وعليه فالإرهاب سيكون حقيقة واقعة فيما بعد.

 

وكان لتركيز الصحافة الغربية خاصة البريطانية على مثل هذه الأخبار التأثير الكبير على القارئ الغربي.

 

وبالإضافة إلى هذا جاءت  صحوة البحث عن الهوية التي طالت جميع المهاجرين المسلمين في الغرب, أيضا ردة فعل لما واجهه المسلمون في البلاد الغربية, بالبداية حينما تم الفرز تلقائيا بعد إعلان الحرب على الإرهاب مباشرة بعد تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

 

وأخذ المواطنون الغربيون ينظرون إلى مواطنيهم من أصل شرقي ومسلمين نظرة الحذر. لم يطل الأمر طبقة العمال التي تشكل الأكثرية من المهاجرين وإنما أيضا المثقفين والذين يشغلون وظائف مهمة.

 

المساجد كانت المكان الذي لجأ إليه الباحثون عن مرشد للطريق إلى الجهاد لكي ينتقموا لأنفسهم فيما لحقهم من سوء معاملة من خلال وضعهم في خانة المشكوك فيهم, باحثين عن الجهاد, البعض تلقفهم مثل أبو حمزة المصري الذي كما تصفه الرواية مجنون قدم نفسه بنفسه بدل أن تخلقه المخابرات البريطانية, والبعض الآخر أرسلوهم إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

 

تعريف الإرهاب

"
عندما يقوم الفلسطينيون بعمليات انتحارية متسببة بمقتل إسرائيليين يسمى هذا العمل العسكري عملية إرهابية, ولكن عندما ترد طائرات الأباتشي الإسرائيلية وتقتل عددا أكبر بكثير من الفلسطينيين, يكون هذا دفاعا عن النفس!!
"
ومن الواقع نستقرئ اللامنطق في تعريف الإرهاب, فالجيش الإسرائيلي هو جيش الدفاع والفلسطينيون المحاصرون إرهابيون, وفي الرواية يوضح الكاتب مفهومه للإرهاب, وهو هدف الرواية, عندما يقوم الفلسطينيون بعمليات انتحارية  متسببة بمقتل إسرائيليين, يسمى هذا العمل العسكري بعملية إرهابية, ولكن عندما ترد طائرات الأباتشي الإسرائيلية وتقتل عددا أكبر كثيرا من الفلسطينيين, العالم يتقبل هذا الرد العسكري على أنه رد للدفاع عن النفس.

 

لا أحد يصف الطيارين الإسرائيليين بالإرهابيين وهم يرتدون البزات الزرق مجهزين بأحدث العتاد.

 

في الرواية الفلسطينيون بعمليتهم العسكرية مجهزين بغواصة تكلفتها مليارا دولار وذات تقنية تكنولوجية عالية, وأيضا يرتدي طاقم الغواصة بزات زرقاء وأفراده يتصرفون بانضباطية عالية جدا خاصة خلال معاملتهم للأسرى الإسرائيليين حيث يطبقون كل الاتفاقات الدولية وبمبالغة أيضا.

 

هنا وإذا حصل هذا حقيقة كيف سيكون تعريف الإرهاب, هل هذه العملية عملية مشروعة ضد عدو يحتل أرض الآخرين أم عمل إرهابي.

 

مهمة مستحيلة

الشخصية الرئيسة بالرواية أو السيدة رعب هي منى الحسيني وهي شخصية وهمية كانت موجودة من قبل في إحدى روايات الكاتب, رواية "الإرهابي الديمقراطي" التي صدرت سنة 1987، وهي برتبة عميد في جهاز الاستخبارات الفلسطيني.

 

وكانت قد أعلن عن موتها بعد أن قتلها الإسرائيليون للمرة الثانية, وهي مسؤولة عن العملية العسكرية بتعليمات مباشرة من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الراحل ثم الرئيس محمود عباس.

 

وعلى فراش موته أسر لها عرفات بالأرقام السرية لحساباته الضائعة التي لا يعرفها أحد غيره. وبهذه الأموال مولت العملية العسكرية ضد إسرائيل.

 

وضع السلطة الفلسطينية بعد إعلان الحرب على الإرهاب جاء ملخصا على لسان منى الحسيني، بما معناه أنه في هذا الوقت أصبحت الأراضي الفلسطينية معتمدة اعتمادا كليا على المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي, في هذه الحالة أصبح أي عمل إرهابي يقوم به "مسلمون" في أي بقعة في العالم سواء عملية انتحارية في القدس أو ضد أستراليين في إندونيسيا أو في أي مكان آخر له تأثيره على الدعم الدبلوماسي وغيره للفلسطينيين.

 

وعليه فإن أي اعتداء "إرهابي" من أي مسلم سيكون له تأثير سلبي على مصلحة منظمة التحرير الفلسطينية.

 

"
أصبح أي عمل إرهابي يقوم به "مسلمون" في أي بقعة في العالم سواء عملية انتحارية في القدس أو ضد أستراليين في إندونيسيا أو في أي مكان آخر له تأثيره على دعم الفلسطينيين
"
ومن خلال منطق المصالح المشتركة تستطيع منى الحسيني إقناع  جهازي الأمن الداخلي والخارجي البريطانيين بتسليمها ثلاثة بريطانيين من أصل فلسطيني كانوا تحت المراقبة ومساعدتها على تسفيرهم إلى الخارج, لكي لا يقعوا في أيدي أئمة الجوامع ويفجروا أنفسهم بحافلات القطارات كما فعل مراهقو ليدز.

 

هؤلاء الثلاثة كانوا يترددون على أحد مساجد لندن بانتظار إشارة من الله وليس من منظمة التحرير التي يعتبرونها منظمة فاسدة وعلمانية, وفيما بعد سيكون لهم دور تقني حاسم في نجاح العملية.

 

فالغواصة كانت جاهزة لمهاجمة الإسرائيليين في أي وقت, ولكنها لن تستطيع الصمود أمام هكذا هجوم, فهم لم يتوصلوا إلى نظام دفاعي نهائي, ولهذا هم يحتاجون خبرة هؤلاء الأشخاص العلمية الذين لم يترددوا بالمساعدة.

 

والشخصية الثانية غير الحقيقية هي شخصية العميل السري كارل هاملتون, أحاله الكاتب للتقاعد في إحدى رواياته الصادرة في العام 1995، وأرسله ليعيش في كاليفورنيا تحت حماية (FBI) شاهدا في بعض الجرائم السياسة.

 

وفي هذه الرواية له دور سياسي أكبر وأوضح من كل أدواره في الكتب العشرة الأخرى.

 

ويستدعيه لكي ينسق ويضبط الوضع على الغواصة الروسية بين الروس والعرب, فحلفاء الأمس لا تجمعهم المصلحة السياسية كما في السابق ولا الأيديولوجية العقائدية, فبعد إجراء الغواصة لمناوراتها التجريبية الأولى وعلى متنها طاقم روسي فلسطيني, ورغم النتائج الباهرة للتعاون التكنولوجي, كاد الاختلاف الثقافي بين الفريقين يؤدي إلى فشل العملية كليا.

 

فالروس يدعون الفلسطينيين بالعرب عندما يكونون مسموعين, وشيشانا وإرهابيين فيما بينهم.

 

وصفة سياسة للفلسطينيين أم قراءة للمستقبل

الرواية تفتح المجال للغرب المحكوم أصلا بعقدته باضطهاد اليهود, في أن يفكر أكثر بمعنى الإرهاب وأن يعيد تقييم فهمه للحرب المشروعة بهدف الدفاع عن النفس, خاصة عندما يطلع القارئ على خلفية منى الحسيني وأيضا على خلفية كل فرد من أفراد طاقم الغواصة, النساء والرجال الذين انتقتهم للقيام بالعملية, وعلى الدوافع التي جعلتهم يوافقون على القيام بهذا العمل في سبيل قضية يؤمنون بها ومستعدون للتضحية بحياتهم في سبيل ما يؤمنون به.

 

"
السؤال.. هل سيأتي اليوم الذي يمتلك فيه الفلسطينيون أسلحة متطورة تغير مسار القضية الفلسطينية, وبالأحرى هل سيتقبلهم العالم كمدافعين عن حقهم هذه المرة؟
"
وكذلك تلقي الرواية الضوء على الوضع الحالي للقضية الفلسطينية, التي تكاد تختفي بعد عولمة كل القضايا وحصرها بالحرب على الإرهاب ومعها أيضا تختفي قضية احتلال العراق  كذلك مهاجمة واردة لإيران.

 

يمكن أن نفهم الرواية على أنها قراءة للمواجهة القادمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين, وفي الواقع فإن حزب الله تمكن من الوصول بصواريخه إلى حيفا وإلى أبعد من حيفا.

 

والسؤال هل سيأتي اليوم الذي يمتلك فيه الفلسطينيون أسلحة متطورة تغير مسار القضية الفلسطينية. وبالأحرى هل سيتقبلهم العالم كمدافعين عن حقهم هذه المرة.

 

يان غيّو كاتب جدّي, ملتزم ومؤيد للقضية الفلسطينية وكتاباته جديرة بالقراءة, وبالتالي يستحق أن يكون معروفا أكثر في العالم العربي.

المصدر : الجزيرة