عرض/علاء بيومي
الكتاب الراهن لا يبدأ بأطروحة واضحة يسعى المؤلف للبرهنة عليها بتسلسل منطقي عبر فصوله، لكنه يجمع ما يبدو أنه عدد من المقالات الطويلة التي كتبها مؤلفه نعوم تشومسكي عن السياسة الخارجية الأميركية مؤخرا.

لذا يتضمن كل فصل من فصول هذا الكتاب استطرادات طويلة يطلق فيها تشومسكي العنان لقلمه ليتناول حججا وأفكارا مختلفة تدعم أطروحة كل فصل بصفة خاصة وفكرة الكتاب بصفة عامة.

- الكتاب: الدول الفاشلة
- المؤلف: نعوم تشومسكي
- عدد الصفحات: 320
- الناشر: ميتروبوليتان بوكس، نيويورك
- الطبعة: الأولى/2006

 

ولا يجد تشومسكي صعوبة في البرهنة على أطروحاته من خلال الاستعانة بعدد لا يحصى من الاقتباسات من كتاب ومفكرين أميركيين ودوليين متنوعين.

كما يتميز تشومسكي بقدرته على العودة إلى التاريخ للحديث عن جذور السياسة الخارجية الأميركية الراهنة، كما يبحث عن جذور سياسة أميركا في توازن القوى الداخلي بالنظام السياسي الأميركي نفسه.

ويعود تشومسكي بشكل متكرر لسياسة أميركا تجاه دول أميركا اللاتينية لمقارنتها بسياسة أميركا تجاه دول الشرق الأوسط، حيث يوضح أن سجل أميركا الطويل في التدخل السلبي في شؤون دول أميركا اللاتينية يعد مختبرا قويا لنوايا أميركا الدولية الراهنة.

دول فاشلة
يسعى تشومسكي خلال كتابه إلى أطروحة عنوان الكتاب المتعلقة بالدول الفاشلة، والمقصود هنا هو مصطلح الدول الفاشلة الذي أطلقته الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون لوصف بعض الدول التي بات فشلها في لعب وظائفها الرئيسية يمثل تهديدا للأمن الدولي.

ويتناول تشومسكي في أماكن مختلفة من كتابه شروط وعلامات الدول الفاشلة، مثل عدم القدرة على حماية مواطنيها وغياب الديمقراطية فيها وتهديد الدولة للأمن الدولي ليثبت أن تلك العلامات تتوفر في الولايات المتحدة.

وهنا يظهر النقد الشديد الذي يحمله الكتاب لسياسات الحكومة الأميركية، إذ يسعى تشومسكي في أكثر من مناسبة في كتابه إلى المقارنة بين سياسات الحكومة الأميركية وسياسات الدول والجماعات التي تعاديها أميركا، مثل العراق في عهد صدام حسين وإيران، وصربيا في عهد سلوبودان ملوسوفيتش، وحركة حماس، لكي يثبت أن أميركا تمارس نفس السياسات التي تهاجم تلك الدول والجماعات بسبب ممارساتها.

بل ويسعى تشومسكي إلى البرهنة على أن أميركا تمثل خطرا على الأمن الدولي والسلام العالمي أكثر من تلك الدول.

ويرى تشومسكي في نهاية الفصل الثاني أن أميركا بسياساتها الحالية تصنع حرب آرمجدون "حرب نهاية العالم" بيديها، وذلك بسبب سياساتها الانفرادية التي تسعى إلى تحقيق الأمن المطلق لأميركا على حساب أمن دول أخرى عديدة.

ورأى أن ذلك سيدفع تلك الدول إلى حماية نفسها من أميركا من خلال زيادة التسلح والسعي لامتلاك أسلحة الدمار، مما سيقود العالم تدريجيا إلى مواجهة نووية بشكل مقصود أو عن طريق الخطأ.

"
الدولة الأميركية أداة في يد رجال الأعمال والأثرياء لحماية مصالحهم من الأغلبية الفقيرة بسن القوانين التي تنظم استغلال الأثرياء لثروات الشعوب عبر بناء نظام سياسي يضمن عدم ثورة أغلبية الشعب ضد الأقلية الثرية
"
أصل السياسات الأميركية
فكرة الكتاب الرئيسية تدور حول كون أميركا دولة إمبراطورية ورثت الإمبراطوريات الكبرى السابقة بسياساتها التوسعية الاستغلالية التي تتخفى تحت غطاء من الشعارات البراقة التي تتحدث عن المبادئ والقيم.

ويعبر تشومسكي عن تلك الفكرة بوضوح في خاتمة الكتاب حين يقول إن: "أميركا تتشابه إلى حد كبير مع الدول القوية الأخرى، في أنها تتبع المصالح الإستراتيجية والاقتصادية الخاصة بقطاعات مسيطرة داخل الشعب الداخلي على أن يصاحبها خطاب مزدهر عن الالتزام بالقيم".

وأصل المشكلة في سياسات الدول الإمبراطورية -كما يذكر تشومسكي في العبارة السابقة- هو أن الدول الإمبراطورية لا تطبق الديمقراطية والمساواة تطبيقا حقيقيا في الداخل، لأن الدولة الإمبراطورية هي في حقيقتها أداة في يد النخب الثرية لحماية نفسها من الأغلبية الفقيرة داخل الإمبراطورية ذاتها.

والدولة الأميركية كما يصورها تشومسكي -في الفصل الخامس والأخير من كتابه- هي أداة في يد رجال الأعمال والأثرياء لحماية مصالحهم من الأغلبية الأميركية الفقيرة من خلال سن القوانين التي تنظم استغلال الأثرياء لثروات الشعوب من خلال بناء نظام سياسي يضمن عدم ثورة أغلبية الشعب ضد الأقلية الثرية.

وهنا يرى تشومسكي أن غالبية الأميركيين غير راضيين عن ممارسات الحكومة الأميركية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأن مشكلتهم تكمن في أنهم مغيبون عما يحدث وأنهم يتعرضون لحملات دعاية سياسية مستمرة تخوفهم من العدو على الساحة الخارجية وتضعف مشاركتهم السياسة على الساحة الداخلية.

ويرى تشومسكي أن الأسلوب الذي تدار به الحملات السياسية الأميركية، والذي هو أشبه بأسلوب الدعاية للمنتجات الاستهلاكية، يعامل المواطن على أنه مستهلك يجب خداعه عن طريق إقناعه بمزايا المنتج الهامشية دون توعيته بمضمون المنتج الحقيقي ومدى حاجته له.

كما تمتلئ واشنطن بجماعات الضغط التي يستأجرها الأثرياء لضمان سن قوانين تخدم مصالحهم وتعيد توزيع الثورة بما يفيدهم، إضافة إلى تحالف النخب الثرية مع بعض الجماعات المتشددة التي تخدم أجندتها.

ومن هذا المنطلق تحالف الجمهوريون مع الجماعات المسيحية المتشددة التي باتت تسيطر على 36% من لجان الحزب الجمهوري بالولايات.

أما على ساحة السياسة الخارجية، فتكون وظيفة الدول الإمبراطورية فتح أسواق وثروات العالم أمام نخبها الثرية لاستغلالها.

ويشير تشومسكي -في أماكن متفرقة من كتابه- إلى أن النخب الفكرية والاقتصادية الأميركية ترى أن من حقها الطبيعي أن لا تتقيد بأي قوانين أو معاهدات دولية تحد من قدرتها على التحرك لحماية مصالحها.

فأميركا بالنسبة لهم -كما يوضح تشومسكي- دولة خارج القانون، إذ هي التي تصنع القانون وتطبقه وتضمن التزام الدول الأخرى به، ولكنها لا تخضع له، كما أنها تستثني نفسها بشكل انتقائي من الخضوع لأي قواعد أو قوانين من شأنها الحد من مصالحها كما تراها هي.

ولعل هذا يمثل أكبر مفارقات سياسات الدول الإمبراطورية كما يظهر في الحال الأميركية وفقا للكتاب الراهن.

"
سبب حرب العراق الحقيقي هو التحكم في مصادر النفط بما يخدم أهداف المنافسة الصناعية والاقتصادية الأميركية، وذلك يثبت أن أميركا ليست مشغولة بحماية أمن مواطنيها كما تدعي
"

أسطورة الأمن
يخصص تشومسكي فصلا من كتابه ليبرهن على أن أميركا مثل أي دولة فاشلة أخرى غير معنية بحماية أمن مواطنيها، وهي القضية التي أصبحت شعارا رئيسيا ترفعه الإدارة الأميركية عند الحديث عن سياستها الخارجية منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول.

وهنا يرى تشومسكي أن شعار الأمن الذي رفعته الإدارة الأميركية بعد 11/9 هو أسطورة كبيرة لأسباب مختلفة، منها أن أميركا حمت في الماضي إرهابيين عتاة مارسوا الإرهاب في أميركا اللاتينية، لأن ممارساتهم اتفقت مع المصالح الأميركية.

كما أن سياسات أميركا الراهنة تجعل العالم ينظر إليها كأكبر تهديد للسلام والأمن العالمي، إضافة إلى أن السياسة العسكرية الأميركية وما تقوم عليه من برامج تسلح فائقة وانتشار كبير عبر العالم وامتلاك لأسلحة الدمار الشامل، واعتماد مبدأ الحرب الاستباقية من شأنها الدفع بالعالم إلى سباق تسلح قد لا ينتهي إلا بحرب دمار شامل.

ويقول تشومسكي إن كذب أسطورة الأمن الأميركية ظهر واضحا في العراق الذي أصبح خطرا أمنيا كبيرا صنعته أميركا بأيديها، ويصف تشومسكي حرب العراق بأنها هدية لبن لادن، ويقول إن الحرب صنعت جيلا جديدا من الإرهابيين لم يكن موجودا في السابق.

ويؤكد تشومسكي أن سبب حرب العراق الحقيقي هو التحكم في مصادر النفط بما يخدم أهداف المنافسة الصناعية والاقتصادية الأميركية، وأن هذا الهدف في حد ذاته يبرهن على أن أميركا ليست مشغولة بحماية أمن مواطنيها كما تدعي.

أسطورة نشر الديمقراطية
أما بالنسبة لسياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط فيتناولها تشومسكي بتركيز في الفصلين الثالث والرابع من كتابه، حيث يرى أن أميركا ورثت من الإمبراطورية البريطانية سياستها القائمة على الحد من استقلال الدول الصغيرة لضمان خضوع تلك الدول لمصالح الإمبراطورية.

فاستقلال الدول هو بمثابة فيروس، والدول الإمبراطورية تسعى للقضاء على الدول المصابة به وضمان عدم انتشاره لما يمثله من خطر على مصالح الإمبراطوريات.

ويكون ذلك من خلال دعم النظم الديكتاتورية الخاضعة للمصالح الرأسمالية، وشغل الرأي العام الأميركي بأعداء خارجيين جدد بين الحين والأخر، ودعم الانقلاب ضد النظم الديمقراطية التي لا ترضى عنها أميركا كما هو الحال في نظام هوجو شافيز في فنزويلا.

وكذلك التحالف مع الدول غير الديمقراطية على حساب الدول الديمقراطية إذا تطلب الأمر، كما ظهر في الوصف الذي أطلقه وزير الدفاع الأميركي المستقيل مؤخرا دونالد رمسفيلد على دول أوروبا الشرقية التي تحالفت مع أميركا في حربها على العراق في ظل معارضة دول أوروبا الغربية الأكثر ديمقراطية.

فوصف رمسفيلد دول أوروبا الشرقية بأوروبا الجديدة، ناصحا أميركا بالتوجه نحوها والتعاون معها، مع أن تلك الدول أقل ديمقراطية بمراحل من دول أوروبا الغربية.

ويقول تشومسكي إن نشر الديمقراطية في العراق وفي الشرق الأوسط شعار رفعته الإدارة الأميركية بعد أن فشلت في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي شنت من أجلها الحرب على العراق.

كما يقول إن الديمقراطية العراقية سوف تتوقف عند حدود المصالح الأميركية، وهنا يشير إلى خوف أميركا وإسرائيل وحلفائها العرب من صعود النفوذ الإيراني في العراق والنفوذ الشيعي في المنطقة في حالة صعود القوى الشيعية الموالية لإيران في العراق.

ويقول تشومسكي إن الخوف السابق سوف يدفع أميركا إلى عدم الانسحاب من العراق إلا بعد ضمان قيام حكومة عراقية عميلة تحقق أهداف أميركا وحلفاءها في المنطقة.

أما فيما يتعلق بنشر الديمقراطية في بلدان العالم العربي الأخرى فيؤكد تشومسكي أن أميركا سوف تنشر الديمقراطية إذا اتفقت مع مصالحها، وسوف تتوقف عن نشر الديمقراطية عند حدود مصالحها.

"
نشر الديمقراطية في العراق وفي الشرق الأوسط شعار رفعته الإدارة الأميركية بعد أن فشلت في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي شنت من أجلها الحرب على العراق
"
لذا سوف تسعى أميركا لنشر ديمقراطية محدودة لتجنب التغيير الراديكالي، كما ستعارض قوى الديمقراطية في العالم العربي كقنوات الإعلام العربية الجديدة إذا تعارضت مع مصالحها وستسعى إلى السيطرة عليها على الرغم من أن وجودها يعد ضمانة هامة لنشر الديمقراطية في العالم العربي.

أما فيما يتعلق بعملية السلام بالشرق الأوسط، فيرى تشومسكي أن أميركا وإسرائيل هما العقبة الحقيقية أمام عملية السلام، مؤكدا أن عرفات لم يكن العقبة الرئيسية أمام تحقيق دولة فلسطينية، ولكن تلك العقبة هي أميركا وإسرائيل.

ويقول إن أميركا تستمر في منع الحل الدبلوماسي لصراع الشرق الأوسط، كما يرى أن مساندتها لإسرائيل وسياسات إسرائيل ذاتها وموقفها من عملية السلام هي العقبات الحقيقية أمام عملية السلام لا الفلسطينيين كما تصورهم أميركا وحليفتها إسرائيل أمام الرأي العام الغربي.

المستقبل
في خاتمة الكتاب يرى تشومسكي أن سياسات الحكومة الأميركية سوف تؤدي إلى توحد العالم ضدها، كما يظهر في إحياء التوجهات اليسارية المعادية لأميركا بين دول أميركا اللاتينية، وسعي القوى الكبرى الصاعدة كالصين والهند إلى الاستقلال عن النفوذ الأميركي، وسعى دول الشرق الأوسط والدول المعارضة لأمريكا إلى التوحد ضد تلك القوى الصاعدة.

أما أمل تشومسكي فهو أن تحدث حالة صحوة داخل المجتمع الأميركي ذاته يندفع خلالها المواطن الأميركي لإصلاح الديمقراطية الأميركية أولا ومن ثم سياسة أميركا الخارجية.

المصدر : الجزيرة