عرض/ زياد منى
مؤلف هذا الكتاب، الفرنسي د فرانك مرمييه هو رئيس قسم الدراسات المعاصرة في (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى) في بيروت ودمشق وعمّان، عاش في دول عربية عديدة فترات طويلة من الزمن، وكتب مؤلفات عدة عنها.

ومادة هذا الكتاب لم يسبق لي أن قرأتها من قبل، ألا وهي موضوع النشر في العالم العربي على نحو عام، وفي لبنان/بيروت على وجه الخصوص.

والكتاب، كما يدل عليه العنوان، يتعامل بتفاصيل كثيرة ومهمة عن موضوع النشر في لبنان في خمسة فصول تتجاوز محتوياتها عنوان الكتاب حيث يستعرض المؤلف، الذي أجرى بحثه ميدانيا، موضوع النشر في مختلف أرجاء العالم العربي.

- الكتاب: الكتاب والمدينة
- المؤلف: فرانك مرمييه
- المترجم: يوسف ضومط
- عدد الصفحات: 176
- الناشر: دار مختارات/بيروت
- تاريخ النشر: 2006م

 
بدء السلالات النشرية
في الفصل الأول التمهيدي الذي منحه المؤلف عنوان (مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ) يتعامل الباحث مع بدايات الطباعة في العالم العربي، حيث يذكر أن أول نص عربي نشر بالعربية كان سفر المزامير لطائفة الكاثوليك الملكيين الذي صدر في إيطاليا عام 1514م.

أما أول كتاب عربي مطبوع فكان في مدينة حلب عام 1706م، وتبعتها إسطنبول في سنة 1726م ثم في الشوير من أعمال جبل لبنان، ومن بعدها في بيروت عام 1751م.

الفصل التمهيدي هذا شائق من ناحية تتبعه الدقيق لعملية إدخال الطباعة إلى العالم العربي، متابعة تاريخية، ومنها مثلا مطبعة الموصل بالعراق 1856م، ثم مطبعة اليمن التي أقيمت عام 1877م، والمطبعة الأميرية في الحجاز 1883م، والمطبعة الخاصة 1909م التي أسسها المكي محمد ماجد كردي.

ولا ينسى المؤلف المغرب العربي حيث يذكر أن نشر أول كتاب في تونس عام 1849م ترافق مع تأسيس أول مطبعة وأول مدرسة بنات ونواة متحف وأول مشفى وأول جمعية علمية، وكل ذلك حسب المؤلف.

كما يذكر أن أول مطبعة عربية في المغرب كانت عام 1864م ابتاعها صاحبها، وهو فقيه مغربي، من مصر، إبان عودته من رحلة الحج.

كما يهتم المؤلف بذكر المؤلفات الأولى التي أصدرتها تلك المطابع، ومنها على سبيل المثال "محيط المحيط" لبطرس البستاني و"دائرة المعارف"، والقاموس الفرنسي العربي المختصر، والمنجد، وغيرها من أمهات الكتب.

وهو يرى أن تأسيس كل من الجامعة الأميركية في بيروت 1866م التي ولدت تحت اسم "الكلية السورية الإنجيلية" وجامعة القديس يوسف 1875م التي تأسست أولا تحت اسم "كلية اليسوعيين"، وإن رمزت إلى التنافس الفرنسي الأميركي على الإقليم، فقد قادت في نهاية المطاف إلى التعددية اللغوية التي تطبع المجتمع اللبناني.

كما يتناول المؤلف في ذلك الفصل المدخل علاقة الطباعة بانتشار المعارف وتشجيع الإبداع الأدبي عبر صدور العديد من الصحف والمجلات، ويذكر تفاصيل طريفة عن قيام "سلالات" نشرية في لبنان منها على سبيل المثال، عائلات صادر والزين والخيل والعاصي ونوفل.

كما يتعرض أيضا لأسباب تحول قطاع النشر من مصر إلى بيروت، حيث يعزي ذلك إلى سياسة الرئيس المصري الراحل عبد الناصر في "احتكار" الثقافة، إذ "هاجر" العديد من الناشرين المصريين، ومنهم محمد المعلم، وكذلك بعض الناشرين السوريين.

"
استقلالية بيروت كانت نسبية كما لو أن الضغوط الحكومية المختلفة تبطل مفعول بعضها بعضا، ما يمنع تأثيرا وحيد الجانب في المشهد الثقافي
"
الامتدادات العربية لدور النشر
الفصل الثاني وعنوانه (بيروت: حيز عام للعالم العربي) يتعامل مع مسألة امتلاك العاصمة اللبنانية مكانتها الرائدة في مجالي النشر والإعلام، والناشئين، جزئيا، من طبيعة نظامها السياسي التعددي المظهر.

ويرى المؤلف أن تفوق بيروت المفترض في حقل الثقافة على زميلاتها العربيات يعود بجزء كبير منه إلى استقبالها المنفيين العرب من فلسطين وسوريا، وكذلك إلى استقبالها الرساميل العربية بعد حملة التأميمات المصرية.

هذه الكثافة الثقافية "العرب الفارون من القمع واللبنانيون الهاربون من الطوائف والقبائل" حسب الكاتب اللبناني إلياس خوري، المحصورة في أربعة أبنية في شارع سوريا في منطقة الوسط التجاري قبل تدميره إبان الحرب الأهلية عام 1975م قادت بالضرورة إلى تحول المدينة إلى بؤرة الإبداع.

لكن لا يفوت المؤلف التعامل على نحو مسهب، إلى حد ما، مع الامتدادات العربية لكثير من دور النشر المهمة ومنها على سبيل المثال "دار الكلمة" ومؤسسة "الدراسات الفلسطينية" و"دار القدس" و"دار العودة" و"دار الفتى العربي" و"المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

وبسبب ذلك تمكنت بيروت من منافسة القاهرة "كمصرف اعتماد أدبي" وسلطة عليا للتكريس الأدبي، مع أنها كانت تنطلق من رأسمال أدبي ضئيل، على حد تعبير المؤلف.

كما لاحظ المؤلف أن بيروت شكلت بالنسبة للعديد من الناشرين السوريين "صمام أمان" لنشاطاتهم في حقل النشر، من خلال إقامة مستديمة (دار ابن رشد، دار الحقيقة، دار التنوير، دار الكتاب الحديث، دار الكلام، دار النفائس، مؤسسة الرسالة، دار ابن حزم) أو فروع للدار السورية الأم (دار الفكر المعاصر، دار ابن كثير).

كما لاحظ المؤلف أن "الضاحية الجنوبية" في بيروت شهدت حضورا مكثفا للكتب "الشيعية"، ما يعكس تنامي القوة السياسية للأحزاب "الشيعية" هناك.

ويتعامل المؤلف في هذا الفصل بتفاصيل مهمة عن بعض دور النشر الرئيسة في لبنان مثل دار "النهار" و"دار الآداب" ثم "دار الساقي" و"دار الانتشار العربي" و"دار الجديد" و"دار رياض الريس" و"المركز الثقافي العربي".

ومن المهم أن المؤلف يطرح للتساؤل مسألة مدى استقلالية حقول الثقافة العربية، إذ يرى أن استقلالية بيروت كانت نسبية "كما لو أن الضغوط الحكومية المختلفة تبطل بعضها مفعول بعض"، ما يمنع تأثيرا وحيد الجانب في المشهد الثقافي.

ينتقل المؤلف في الفصل الثالث، بعد انتهائه من استعراض المحطات الرئيسة في مسيرة النشر في لبنان، وامتداداته العربية، إلى بيئة النشر العربية (المشهد الجديد في عالم النشر)، أو كما يطلق عليها اسم (جمهورية الأدب العربية) في الدول العربية الأخرى: الأردن وفلسطين، ثم سوريا، فالعراق، فجزيرة العرب، ثم المغرب العربي.

سوق الكتاب
يتناول الفصل الرابع (سوق الكتاب) والمعوقات التي تعترض انتشار الكتاب في العالم العربي، حيث يعدد أمورا كثيرة أولها الرقابة المسبقة التي تمارسها مختلف الدول العربية، "المتقلبة بين مزاج الرقيب والاتجاهات الهذائية والأولويات السياسية للأنظمة وتناقضاتها"، المتنقلة بين "الحذر الشديد من الكتب الإسلامية في الجزائر وتونس" و"منع بعض مؤلفات الإصلاحيين المسلمين أو العلمانيين في بعض دول جزيرة العرب"، يضاف إليها الثالوث المحرم (الدين والسياسة والجنس).

وهنا يذكر المؤلف بعض المفارقات التي حصلت في معارض الكتب في السعودية والكويت وعُمان والأردن ومصر وغيرها من الدول العربية.

"
تطور القطاع الخاص للنشر في العالم العربي بدأ يفتح آفاقا جديدة في الإبداع والتوزيع، وعلى الناشرين العرب التفاوض مع العديد من الحراس للوصول إلى حيز عام يسهمون في صياغته وتشكله
"
لكن لا يفوت المؤلف التذكير بأن معارض الكتب تشكل مساحات تجارية تتيح تصريف جزء مهم من الإصدارات، حيث تقوم العديد من الحكومات العربية بابتياع كميات لا بأس بها من بعض الكتب.

الباب الآخر الذي يتعامل معه المؤلف بالعلاقة مع توزيع الكتب هو سوق الكتاب الافتراضية (الإنترنت) والتوزيع عبر الإنترنت حيث يعدد تجارب بعض المؤسسات الخاصة مثل: (Arabicebook, adabwafan, shorook.com, furat.com, maktabah.com, neelwafurat.com, alfurat.com,).

الفصل الأخير (عالم النشر) خصصه المؤلف للحديث عن مشكلات النشر في العالم العربي ومعوقات انتشار الكتاب، كما قدم فيه معلومات مهمة عن تمركز صناعة الكتب والإعلام العربية بشكل عام في شركات محددة.

ويخلص أخيرا إلى أن تطور القطاع الخاص للنشر في العالم العربي بدأ يفتح آفاقا جديدة في الإبداع والتوزيع، ويرى أنه يبقى على الناشرين العرب، سواء أكانوا "عباري الأفكار أم حراسها، ومروجي الثقافة أم حفاري قبورها"، التفاوض مع العديد من الحراس للوصول إلى حيز عام يساهمون في صياغته وتشكله.

الكتاب يحوي معلومات تفصيلية مهمة عن النشر العربي، تاريخا وحاضرا، ترد للمرة الأولى بين غلافي كتاب، وهي مثيرة ومهمة للباحث والقارئ على السواء.

نواقص في الكتاب
وإذا تمكن المؤلف من التعامل مع أقسام مهمة من مشاكل نشر الكتاب وتوزيعه في العالم العربي، تبقى أمور غامضة لم يتعرض لها، وقد تتيح طبعة جديدة من الكتاب الفرصة أمام التعامل مع بعض النواقص ومنها:

- أسباب عدم وجود شركة توزيع كتب على المستوى الوطني أو القومي بسبب امتناع العديد من كبار الناشرين عن التعاون في هذا المجال لارتباطهم الوثيق بأسواق محددة لا يريدون الإفصاح عنها.

- من المهم أن يشرح المؤلف بعض المقولات التي أوردها في مؤلفه ومنها (دار نشر كبيرة)، و(دار نشر شيعية)، و(دار نشر إسلامية)، حيث من السهل على البعض إساءة استخدام هذه الأوصاف غير الدقيقة.

- سيكون من الأمور المناسبة إعادة النظر في بعض المقولات ذات الطابع السياسي الدعائي وليس العلمي الصارم، الذي يخط مسار المؤلف ومن ذلك "النظام الإيراني" و"النظام البعثي في سوريا"، وما إلى ذلك.

- يلاحظ المرء غياب بعض الحقائق التي من المهم أن يتعرف القارئ عليها ومنها قيام معظم دور النشر العربية بل وحتى أكثرها شهرة وعراقة بـ"إشراك" المؤلف (في مجالي الأدب والعلوم الإنسانية في كثير من الأحيان) في تكاليف النشر تصل أحيانا إلى 10 آلاف دولار للمؤلف الواحد، ولكن من دون إعلام القارئ بهذه الحقيقة.

- كما يجب ألا يفوت على الكاتب، في طبعة جديدة، الإفصاح عما يعنيه ببعض المقولات مثل (دار نشر يسارية) حيث إنه لم يشر إلى أي "دار نشر يمينية" أو "دار نشر وسطية"!!

- ومن المهم أيضا للقارئ معرفة أن بعض دور النشر تضع على كتبها رقما دوليا مختلفا عن مقر إقامتها، وسيكون من المفيد شرح معنى ذلك ومغزاه.

"
كتاب المؤلف نشره أصلا بالفرنسية وهو بالتالي موجه إلى الناشرين الفرنسيين الجاهلين بوضع الناشر وشروطه وظروفه في العالم العربي
"
عندما لفتنا انتباه المؤلف إلى ملاحظاتنا هذه أجابنا عن بعضها وفي مقدمتها حقيقة أن كتابه نشره أصلا بالفرنسية وهو بالتالي موجه إلى الناشرين الفرنسيين "الجاهلين بوضع الناشر وشروطه وظروفه في العالم العربي".

وقد بين المؤلف أن تأليفه الكتاب جاء أيضا ردا على (تقرير التنمية الإنساني) الذي انتقد بشدة مسألة النشر في العالم العربي وكذلك موضوع الترجمات إلى العربية.

وأضاف أنه رغب في الرد على تلك الادعاءات، الظالمة، التي وردت فيه، بينما عزا مسألة بعض التعبيرات إلى الترجمة الحرفية لمصطلحات فرنسية.

مع ذلك، يبقى الكتاب شهادة مهمة على عالم النشر، تتوفر للمرة الأولى للقارئ العربي.

ومع أن المؤلف حوى كمية كبيرة من المعلومات، فإن الكاتب نجح في تنسيقها على نحو إبداعي سهل القراءة. ولاشك في أن صدور طبعة جديدة من المؤلف، مفهرسة ومدققة، وتأخذ في الاعتبار الملاحظات آنفة الذكر، ستسهم في تحويله إلى وثيقة ومرجع أساس في مجاله.

المصدر : الجزيرة