عرض/ مؤسسة المستقبل للدراسات والإعلام
الهزيمة القاسية التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي ووصفت "بالزلزال" أمام رجال حزب الله في لبنان، دفعت الكثيرين من الجمهور الإسرائيلي للبحث والقراءة عن هذا الحزب الذي ألحق الهزيمة بالجيش الذي لا يقهر، فوجدوا ضالتهم في كتاب "حزب الله بين إيران ولبنان" الذي ربما يكون من وجهة نظر الإسرائيليين الكتاب الوحيد الذي يعرض معلومات وافية عن الحزب، وقد أعيدت طباعته للمرة الثالثة عقب هذه الهزيمة.

- الكتاب: حزب الله بين إيران ولبنان
- المؤلف: شمعون شيغر
- عدد الصفحات: 256
- الناشر: مركز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا, تل أبيب 
- الطبعة: الثالثة 2006

مؤلف الكتاب شمعون شيغر يرى أن حزب الله يواصل إشغال إسرائيل لمدة تزيد عن 18 عاما منذ تأسيسه عام 1982 في أعقاب حرب لبنان الأولى، مشيرا إلى أن الصراع الدموي في جنوب لبنان يذكرنا بسنوات صراع إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1964.

ويشير الكاتب إلى أنه لطرد حزب الله وإبعاده عن بيروت وقعت إسرائيل أمام حركة وتنظيم اجتماعي سياسي ينهج نهج حرب العصابات و"الإرهاب" من أجل تحقيق الأهداف التي عجزت عنها الدول العربية.

ويرى شيغر أن وقوف رجال مسلحين على الحدود مع إسرائيل نجحوا بمساعدة بعض الدول في وضع صعوبات من أجل السلام بين إسرائيل وجيرانها، ولم تنجح إسرائيل في إيجاد حل عسكري لهذا التحدي، فأجبرت على التوصل إلى تفاهمات بواسطة جهات دولية من أجل إسكات آلام العمليات التي ينفذها رجال حزب الله ضد الإسرائيليين والتي أدت إلى انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، ما وضع علامات تساؤل على الفهم السياسي والعسكري لاستمرار الصراع المسلح.

ويوضح الكاتب أنه بعد قتال استمر 18 عاما استطاعت إسرائيل من خلال المسار السياسي إزاحة منظمة التحرير الفلسطينية التي أعادت تقدير أهدافها من جديد وخطت طريقها نحو اتفاقية سلام مع إسرائيل. وهنا يتساءل: هل هناك إمكانية لإزالة حزب الله عن ساحة المعركة بعد نفس المدة؟ وهل سيتوجه الحزب إلى العمل السياسي للوصول إلى أهدافه؟ وهل سيعيد حساباته من جديد؟

ويجيب شيغر على هذه التساؤلات بأنه لا يمكن التوقع إلى أين يسير حزب الله ومن الصعب فهم خطواته السياسية، وعلينا التعامل مع الدولة اللبنانية التي من السهل فهمها، حيث إن الفهم السياسي للدول العربية واضح، في حين يلف حزب الله نفسه بالضبابية الكثيفة وعدم الوضوح، وبناؤه التنظيمي العسكري غير ثابت ويصعب تحديد مقراته، مشيرا إلى أنه بعد هذه الحرب الطويلة والمريرة مع هذا الحزب لا يزال لغزا يحير إسرائيل وأن التحليلات التي تعرضت له كانت غير واضحة.

ويسود النقاش الدائم في إسرائيل: هل إيران تسيطر على حزب الله؟ هل سوريا تؤثر فيه؟ وماذا ستفعل إسرائيل بعد هذا القتال؟ وهنا يرى الكاتب أنه في ظل عدم وجود كتاب واحد موثوق عن الحزب باللغة العبرية، فالأمر يتطلب من الكتاب والباحثين الكثير من البحوث والدراسة المعمقة حوله.

تأثير السياسة الإيرانية

"
إيران تعتبر لبنان المكان المركزي لإنشاء الحركة الشيعية الراديكالية وتصدير الثورة إلى العالم العربي، وبالتالي أصبح لبنان خلال سنوات الثمانينيات جبهة المواجهة الأساسية في الصراع الإيراني ضد الغرب وإسرائيل
"
ويستعرض الكتاب السياسة الإيرانية في لبنان منذ حكم الشاه محمد رضا بهلوي وما بعد إزاحته من الحكم عن طريق تأثير الثورة الإسلامية على لبنان، مشيرا إلى أنه حدثت تطورات وارتباطات اجتماعية ودينية ذات جذور عميقة بين الطائفة الشيعية في إيران ولبنان، مكنت رجل الدين الإيراني من أصل لبناني موسى الصدر من المجيء إلى لبنان في نهاية الخمسينات والوصول إلى مكانة رفيعة في زعامة الطائفة الشيعية وإلى الصف الأول في السياسة اللبنانية، حيث إنه تحت لواء الإمام الصدر أصبح لبنان في سنوات السبعينيات ملجأ مركزيا لمعارضي حكم الشاه رغم التحالف بين الأخير والزعامة الأرمنية في لبنان الذي لم يمنع الثوريين الإيرانيين من العمل في الأراضي اللبنانية والتدريب استعدادا للثورة الإسلامية في إيران، حيث أصبح لبنان بوتقة لمعارضي نظام الشاه.

كما تعتبره إيران مكانها المركزي لإنشاء الحركة الشيعية الراديكالية وتصدير الثورة إلى العالم العربي، وبالتالي أصبح لبنان خلال سنوات الثمانيات جبهة المواجهة الأساسية في الصراع الإيراني ضد الغرب وإسرائيل.

وهذا الصراع أدى إلى نشوء حزب الله الذي بدأ طريقه كمجموعة صغيرة من رجال الدين اللبنانيين الشباب، حيث كان معظمهم في الثلاثين من العمر، والذين تلقوا تعليمهم في النجف الشيعية الراديكالية العراقية، ورجع معظمهم إلى لبنان خلال السبعينيات دون أن ينهوا تعلميهم بسبب طردهم من قبل نظام البعث. وبما أنهم أبناء عائلات كانت تحصل على رزقها من العمل الشاق في الزراعة والبناء والبيع المتجول، فقد لقي هؤلاء الشبان صعوبات في تحقيق تطلعاتهم حتى في إطار جهاز التعليم الديني الموجود في لبنان، بالإضافة إلى العلاقة المذلة وسياسة التمييز من قبل الدولة ومؤسساتها، ما جعلهم يعيشون وضعا محبطا اجتماعيا واقتصاديا. وحرب لبنان التي بدأت عام 1982 وسعت من دائرة الفجوة داخل السلطة المركزية في بيروت والتي سرعان ما انهارت.

وعلى ضوء ذلك الانهيار والفجوة التي حصلت دخلت قوات خارجية وعلى رأسها إيران التي لاحظت أن الفرصة مناسبة لتصدير الثورة الإسلامية إلى لبنان، وهنا التقت المصالح الإيرانية مع تطلعات شباب لبنان من الشيعة، وخلال وقت قصير انضم إلى هؤلاء الشباب رجال تركوا التنظيمات الفلسطينية وآخرون لم يجدوا لهم مكانا في حركة أمل الشيعية، فأسسوا حزب الله الذي غدا خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات الحركة الأكثر شعبية في الطائفة الشيعية بدعم إيراني كامل، الأمر الذي جعل الحزب يقتحم المسرح السياسي العالمي عبر دمج العمل "الإرهابي" ضد الغرب.

ويستطرد الكاتب أنه رغم استطاعة إسرائيل عام 1982 تدمير البنية التحتية العسكرية لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فقد نمت مكان هذه الفصائل بنية تحتية عسكرية شيعية بجذور أقوى، تمثلت في حزب الله الذي وضع هدفا أوليا له هو محاربة إسرائيل وإخراجها من لبنان كخطوة أولى لتحرير القدس. وهذا الهدف تم وضعه من رجال الدين في الحزب وبدعم من رجال الدين في إيران، حيث أصبح الجهاد ضد إسرائيل بمثابة "الزيت المحرك" الدافع لعجلات الثورة الشيعية في لبنان.

ويضيف أن ذلك ساعد في تشكيل هذه الحركة الجديدة وإعطائها شرعية العمل في المجتمع اللبناني والذي بدأ خارج نطاق الدولة اللبنانية، ومع استمراره أصبح الحزب جزءا من هذه الدولة، واستطاع هو وإيران إنشاء مكانة جديدة لرجال الدين في المجتمع اللبناني والذين حاولوا تقليد الثورة الإيرانية، حيث نجحوا في إيجاد مجتمع إسلامي محارب حوّل المسجد إلى حسينية في حجر الأساس لتصبح قلعتهم التي انطلقوا منها ووضعوا فيها سلاحهم ومنها جاءهم الوحي الديني الذي قادهم إلى أعمال العنف.

التحول الأيدولوجي

"
هناك فجوة عميقة في تصور حزب الله والمجتمع الإسرائيلي حول الموت، فالحزب يرى أن الموت في الجهاد معناه البقاء والوجود وأن كل شهيد مآله الجنة، بينما يقدس المجتمع الإسرائيلي الحياة ولا يحب الموت
"
ويتطرق الكاتب إلى التطور الفكري الأيدولوجي الذي حصل في العقد الأول لسياسة حزب الله بتحوله من حركة إسلامية دعت إلى إسقاط النظام اللبناني وعدم الاعتراف بحدوده ومؤسساته، إلى أن أصبح جزءا من هذا النظام، موضحا أن تركيبات جوهرية في تصوراته الفكرية أصبح لها أهمية مختلفة، فهو ليس إسلاميا فقط وإنما لبناني أيضا ولكن بدون التنازل عن هدفه المركزي وهو انتشار مجتمع إسلامي يعتمد على المؤسسات التي أقامها الحزب بمساعدة إيران.

ويقدر شيغر أنه رغم كل ذلك وما يمثله الاندماج وإرسال الحزب مندوبيه إلى البرلمان اللبناني ومؤسساته فإن هناك جدلا حول هذا الاندماج في الحكومة اللبنانية، غير أن الجهاد ضد إسرائيل بقي القوة المحركة للحزب ومصدر التجنيد والتأييد في المجتمع، حيث إن أي تنازل عن هذا المبدأ سيفقد الحزب إنجازاته وثرواته.

وبما أنه يستمد قوته من المجتمع فقد أعطى الحزب التضحية بالنفس والاستشهاد في الصراع ضد إسرائيل قيمة عليا، حيث ينظر بقدسية إلى من ضحوا بأنفسهم ويعتني بعائلاتهم بتوفير جميع احتياجاتهم، مشيرا إلى أن زعيم الحزب حسن نصر الله الذي "فقد" ابنه البكر في القتال ضد إسرائيل يفتخر على المجتمع الإسرائيلي الذي يكابد العذاب كلما يدفن أحد ضحاياه، حيث إن هناك فجوة عميقة في تصور حزب الله والمجتمع الإسرائيلي حول الموت، فالحزب يرى أن الموت في الجهاد معناه البقاء والوجود وأن كل شهيد مآله إلى الجنة، بينما يقدس المجتمع الإسرائيلي الحياة ولا يحب الموت، ويرى أن كل قتيل في لبنان ضحية مجانية ذهبت سدى. كما يؤمن الحزب بأن الثبات في المواجهة والتضحية بأبنائه في مقابل انعدام رغبة المجتمع الإسرائيلي بالقتال على أرض أجنبية، سيؤدي به إلى النصر.

تحدي السلام
ويعتقد الكاتب بأن الاعتراف العربي بوجود إسرائيل وضع إيران أمام تحدٍّ يمس مبادئها الأساسية وتصوراتها الثورية، ما قد يضطرها للعمل ضد ما اعتبرته الخيانة العربية، ولذلك أصبحت طهران بمثابة "مكة" بالنسبة لمعارضي مسيرة السلام مع إسرائيل، وفرضت حمايتها على عناصر الرفض الإسلامي وغيرهم من الذين يسعون إلى وقف مسيرة السلام مع إسرائيل، حيث وجدت إيران في حلفائها من أجنحة الجهاد الإسلامي الفلسطيني وحماس وأيضا حزب الله وشجعتهم على تصعيد الجهاد ضد إسرائيل لعرقلة أي تسوية سلمية.

"
أدرك حزب الله أن مستقبله ربما يكون مقرونا بالنهاية مع دمشق من حيث ثمن التوصل إلى تسوية تاريخية بين سوريا وإسرائيل، ولذلك يسعى الحزب دائما إلى استخدام الجهاد كأداة لإحباط أي أمل نحو السلام مع إسرائيل
"
فحزب الله في لبنان هو الأداة الأساسية لإيران وسوريا في مواجهة إسرائيل، حيث تسعى كل واحدة منها للحصول على أهداف مختلفة. فمن وجهة النظر السورية -يقول الكاتب- أعد الحزب لاستخدامه ورقة مساومة لدفع إسرائيل للوصول إلى تسوية ضمن الشروط السورية، واصفا إياه "بكلب الحراسة على وحدة المسارين السوري واللبناني في المفاوضات مع إسرائيل"، عبر منع لبنان من التوصل إلى أي تسوية منفردة مع إسرائيل من جنوب لبنان دون أن يكون اتفاق على هضبة الجولان.

أما بالنسبة لإيران فقد وفر لها حزب الله جبهة مواجهة يكون لها من خلالها نصيب في الصراع مع إسرائيل وتجسيد الجهاد ضدها حتى لو لم تكن لها معها حدود.

وهكذا اشتركت المصالح الإيرانية والسورية في لبنان، وأدرك حزب الله أن مستقبله ربما يكون مقرونا بالنهاية مع دمشق، من حيث ثمن التوصل إلى تسوية تاريخية بين سوريا وإسرائيل تشمل هضبة الجولان، ولذلك يسعى الحزب دائما إلى استخدام الجهاد كأداة لإحباط أي أمل نحو السلام مع إسرائيل، معتبرا إياها بمثابة السرطان في جسد الأمة وليس لها أي شرعية وأنها قد أسست على الإرهاب وأنشأت لها كيانا على أرض فلسطين بعدما طردت شعبها منها وذبحت أبناءها، وأن إسرائيل لن تصبح دولة ذات شرعية نتيجة أي اتفاق، وليس هناك رجل على وجه الأرض يحق له التنازل عن ذرة تراب من أرض فلسطين للكيان الغاصب.

المصدر : الجزيرة