عرض/سكينة بوشلوح
تواجه البلدان العربية في الآونة الأخيرة العديد من التحديات الخطيرة التي تهدد أمنها واستقرارها, وتنبئ بخلق حالة انكسار مطلق في معادلات التاريخ العربي المعاصر.

وقد بات واضحا أن التفاقم الدرامي للمشكلات العربية يوحي بوجود تناقضات صارخة وترد عام قد يدفع بالعرب إلى هوة سحيقة وهم في بداية الألفية الثالثة، خاصة أن هذا الواقع المتردي انعكس على أكثر من 73 مليون عربي يعانون من الظلم والأمية والفقر.

ولعل الحلم في تحقيق عالم عربي موحد ومتحرر من الاستغلال، عالم ينبذ التضليل والتجهيل من أجل أن يتبوأ مكانة مرموقة في عالم العولمة والمعرفة والتقدم، هو حلم يراود كل عربي.

وفي سياق هذا الحلم صدر للأستاذ الجامعي الدكتور إسماعيل قيرة كتاب "أي مستقبل للفقراء في البلدان العربية؟" الذي جاء لإثارة الوعي واسترعاء الأنظار إلى تنامي عدد العاطلين والمهمشين والفقراء في البنية الطبقية الراهنة، وفي نفس الوقت نقد البناء الاجتماعي القائم وكشف مظاهر التحكم والاستغلال، من أجل تفادي النظر إلى غد الفئات الدنيا بمنظور كارثي يركز على تردي الأوضاع الراهنة وامتداداتها.

- الكتاب: أي مستقبل للفقراء في البلدان العربية؟
- المؤلف: إسماعيل قيرة
- عدد الصفحات: 204
- الناشر: دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2006

إشكالية الفقر في البلدان العربية
تعتبر ظاهرة الفقر واحدة من أبرز القضايا والتحديات التي تصدرت على مستوى العالم قائمة المشكلات الملحة التي جعلت المجتمع الدولي يدعو إلى مكافحتها، إذ أعلنت الأمم المتحدة عقدا دوليا للقضاء على الفقر (1997-2006).

وضمن هذا المنظور التفاؤلي سارع العديد من الدول إلى عقد الملتقيات والندوات لمكافحة الفقر والإقصاء والعمل الحاسم للتقليل من انتشاره وفق أهداف التنمية العالمية.

بيد أن السنوات الأولى من الألفية الجديدة تؤكد خطورة التزايد المتسارع للفقر والجوع في عصر العولمة الذي يكرس مقولة "السريع يأكل البطيء" ومقولة "إما أن تأكل أو تؤكل".

من هنا يقر الدكتور إسماعيل قيرة بفشل سياسات المجتمع الدولي ويتوقع أن يتضاعف عدد السكان الذين يقعون تحت خط الفقر في العالم إلى أربعة مليارات نسمة خلال العشريتين القادمتين.

كم يتوقع أن يؤدي عددهم وكبر وزنهم النوعي في ظل استمرار البنية الحالية للعلاقات الاقتصادية العالمية إلى انفجارات هائلة تكافئ في آثارها الانفجارات النووية.

وعمم هذه الصورة السوداء على البلدان العربية، خاصة تلك المصنفة في خانة الدخل المنخفض أو المتوسط، مركزا على شواهد تشير إلى أن حجم البطالة يصل إلى 14% من حجم قوة العمل العربي، في حين يبلغ عدد الداخلين إلى سوق العمل حوالي ثلاثة ملايين.

وتوضح الحقائق الرقمية أن 60 مليون عربي يعانون من الأمية و73 مليونا يعيشون تحت مستوى خط الفقر، مع وجود 10 ملايين عربي لا يحصلون على الغذاء الكافي، إلى جانب حرمان نصف سكان المناطق الريفية العربية من المياه النقية، وعدم حصول ثلثي سكان هذه المناطق على الخدمات الصحية.

ويرجع المؤلف تزايد ظاهرة الفقر بلا ضابط في البلدان العربية إلى قضيتين حاسمتين، تتعلق أولاهما بالإستراتيجيات التي أتبعت ولم تؤد فقط إلى طريق مسدود من حيث القضاء على الفقر، وإنما أدت في الواقع المعيش إلى زيادة الفاقة وظهور أسوأ أشكال الفقر مثل التسول وسوء التغذية والعيش على فضلات القمامة.

"
أغلب المجتمعات العربية تعاني من مشكلة تزايد التفاوت الاجتماعي الاقتصادي بزيادة فقر الفقراء وثراء الأثرياء، إذ الشواهد المتوفرة تؤكد أن الغالبية العظمى من سكان مدن البلدان العربية تعيش على هامش الاقتصاد
"
أما القضية الثانية فترتبط بالسياق الخاص الذي تحدث فيه هذه المآسي، وهو سياق يتميز بتعرض البلدان العربية لتحديات وتهديدات خطيرة بدءا من تلك المتأتية من قوى دولية وإقليمية إلى تلك المتأتية من قوى محلية، وهي كلها تمس وحدة وهوية وكيان الدول العربية التي شرعت في زعزعة استقرارها وتمزيقها بتشجيع الصراعات الداخلية والخارجية وإضعاف الحس بالولاء والانتماء الوطني وخلخلة التماسك العربي.

ونظرا للتباين الملحوظ بين البلدان العربية في معدلات الفقر ومستوياته ارتأى المؤلف مناقشة عدد من النماذج نذكر منها الجزائر على سبيل المثال.

فاعتمادا على تقرير الديوان الوطني للإحصاء يشير الكاتب إلى أن ثلث العائلات الجزائرية فقيرة، و45% من الأجراء؟ (هل المقصود العمال أو من لهم راتب شهري؟) يعيشون تحت الحد الأدنى للفقر، و50% من الفلاحين أرباب أسر فقيرة، و60% من أرباب العائلات أميون، و10% منهم عاطلون عن العمل و30% منهم يقل دخلهم الشهري عن ستة آلاف دينار جزائري أي ما يعادل 80 دولارا.

هذا إلى جانب نزوح 1.6 مليون مواطن من الأرياف إلى المدن بسبب الأزمة الاقتصادية وتردي الأوضاع الأمنية.

ويعزو الدكتور قيرة ذلك إلى مخطط التعديل الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على الاقتصاد الجزائري منذ العام 1990 وسوء التسيير اللذين سببا بشكل أساسي إفقار مئات الآلاف من المواطنين، ناهيك عن الإرهاب الهمجي الذي زاد سكان البوادي والمناطق المعزولة بؤسا كما زاد الاقتصاد الجزائري تدهورا بسبب تخريبه للبنية التحتية.

ويجسد المؤلف صور الفقر هنا في نمو وتزايد الأحياء الفقيرة، وعودة الأمراض الدالة على الفقر، وعودة ظاهرة التسول وانتشارها، وتضخم قطاع الأنشطة غير الرسمية..

وعلى غرار الجزائر تشير الدراسات الحديثة إلى أن أغلب المجتمعات العربية تعاني من مشكلة تزايد التفاوت الاجتماعي-الاقتصادي بزيادة فقر الفقراء وثراء الأثرياء، إذ الشواهد المتوفرة تؤكد أن الغالبية العظمى من سكان مدن البلدان العربية تعيش على هامش الاقتصاد.

وهذا التهميش مرشح للتزايد، إذ يرى المؤلف أن مكمن الخطورة في طبيعة الحلول المطروحة الآن، وهي حلول تتجاوز الصورة القاتمة للواقع العربي بوصول أنماط التنمية العربية إلى أفقها المسدود وعجزها عن حل المشكلات المرافقة لها، مع سقوط قناع حملة المشروع التحديثي العربي وانهيار الخطاب الشعبوي للقوى المهيمنة وفشل الطبقة الحاكمة في تجسيد وعودها، خاصة المتعلقة منها بمكافحة الفقر واستيعاب الفئات الدنيا في العمالة المؤجرة.

كما كشفت بعض الدراسات الاتجاه نحو تهميش الفقراء وكبحهم بوسائل خفية ومعلنة أحيانا، فضلا عن عرقلة أي برنامج يهدف إلى تغيير أوضاعهم.

ولم يخطئ المؤلف جادة الصواب حين قال إن "مختلف السياسات التي تستهدف الفقراء تميل إلى أن تختطف وهي في الطريق ليستفيد منها الأغنياء وذوو النفوذ".

"
استمرار المسؤولين في الاستخفاف بمسألة إدراج الفئات المهمشة ضمن حقائق جديدة وعدم قناعتهم بضرورة إعادة التفكير من جديد في مشاكلها وقضاياها الملحة سيديم الأزمة ويزيد من عدم الاستقرار
"
مجتمع التهميش إلى أين؟
يرى الدكتور إسماعيل قيرة أن مجتمع التهميش في البلدان العربية هو ذاك المجتمع المتكون سوسيولوجيا من كل الفئات المبعدة عن العملية الإنتاجية والاستهلاكية.

وهو مجتمع ينتمي إلى فئات اجتماعية واسعة تضم حتى الفئات الوسطى التي أصبحت في كثير من البلدان العربية تحتاج إلى مساعدة اجتماعية بعد التدهور الذي عرفته وضعيتها الاقتصادية.

فالفئات الهامشية أو المهمشة تشكل في نظره عالما واسعا يمتد عبر الشرائح المختلفة الرابضة في قاع المدينة وتنتشر في أماكن متعددة، لتشكل عالما له علاقته ولغته ونمطه المعرفي والقيمي.

كما أنها تختلف من مجتمع إلى آخر ومن نظام سياسي إلى آخر، ولكنها تتفق في خاصية واحدة على الأقل تتمثل في ضعفها النسبي مقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى وامتثالها التام أو الجزئي للقوى المسيطرة، ما جعلها تحرم من أبسط حقوقها.

ولهذا يؤكد المؤلف أن هذه الفئات المهمشة ليست كينونات خاصة قائمة بحد ذاتها، وإنما هي وحدات اجتماعية وعلاقات سياسية تحدد طبيعتها واتجاهاتها العامة حركة الصراع الاجتماعي.

ومن ثم فهي ليست أمرا معزولا عن مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان العربية، بل هي من أبرز الأعراض التي تدل على تناقض أبنيتها وعجزها عن تحقيق تطلعات الفقراء والمحرومين الذين أصبحوا موضوعا للرهان والخطابات الراديكالية الساعية لجذبها إلى حلبة الصراع وتغير موازين القوى كما هو الحال في الجزائر، حيث تعمل الدوائر الموجهة والراعية للعنف على استخدام فئات واسعة من مجتمع التهميش كقوى تدميرية ووقود للصدامات العنيفة والتخريب.

ورغم إدراك المسؤولين لأهمية النشاط المتعاظم لهذا المجتمع فإن استمرارهم في الاستخفاف بمسألة إدراجه ضمن حقائق جديدة وعدم قناعتهم بضرورة إعادة التفكير من جديد حول مشاكله وقضاياه الملحة سيديم الأزمة ويزيد من عدم الاستقرار.

الفصل الرابع من فصول الكتاب الخمسة تناول فيه المؤلف مختلف النظريات التي تعرضت للأنشطة الحضرية غير الرسمية التي يمتهنها الفقراء ودورها في عملية التنمية الحضرية، ليوضح في الوقت نفسه الاهتمام المتزايد بالتنظير الجديد حول الفئات المهمشة في ظل ظهور اتجاهات نظرية سوسيولوجية واقتصادية عديدة حاولت فهم بناء القطاع الحضري الهامشي وارتباطاته المتنوعة.

ويؤكد أن الفهم الحقيقي للأزمة يرتبط بضرورة توفر المعرفة بأبعادها في سياق القيام بدراسات علمية شاملة للمركب الحضري.

ورغم تزايد عدد الدراسات المهتمة بهذه الظاهرة استمرت المناقشة حول ما إذا كانت الأنشطة غير الرسمية التي يمتهنها الفقراء تمثل أنماطا وأشكالا متأخرة يمكن القضاء عليها لا محالة بواسطة التنمية الرأسمالية، أم أنها تمثل مظاهر جديدة ودائمة نسبيا لاقتصاد عالمي آخذ في الظهور.

ومن ثم يبدو جليا أن القضية الأكثر إلحاحا اليوم تتعلق بالموقف النظري في السوسيولوجيا الحضرية بعامة وسوسيولوجيا الفقر الحضري بخاصة، إذ إن وجود أنشطة حضرية غير رسمية لا تتماشى مع توسع القطاع الحديث يطرح مسألة فهم وإدراك الواقع المعيش وما فيه من مشكلات، كما يتيح الفرصة للدارسين كي يراجعوا نظرياتهم المستندة في الوقت الراهن إلى البعد الرسمي.

وهذا ما ركز عليه المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب بغرض تعرية البناء الاجتماعي للمدينة ورصد مشكلاتها الملحة وكيفية ضبطها، مع إبراز أهمية التنمية المستدامة والتخطيط الحضري.

"
هناك حاجة ماسة إلى مداخل نظرية جديدة لتحليل البناء الاجتماعي العربي تحليلا يكشف ما فيه من صور القصور والاستغلال والسيطرة، وفهم طبيعة واقعنا المتردي حتى يتسنى لنا مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في ظل المتغيرات الدولية الجديدة
"
تغيير اجتماعي شامل
في ختام الكتاب يخلص الدكتور إسماعيل قيرة إلى وجود حاجة ماسة إلى مداخل نظرية جديدة لتحليل البناء الاجتماعي العربي تحليلا يكشف ما فيه من صور القصور والاستغلال والسيطرة، وفهم طبيعة واقعنا المتردي حتى يتسنى لنا مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في ظل المتغيرات الدولية الجديدة.

ويرى أن إدماج قوة العمل العربية التي تعيش على هامش تقسيم العمل الرسمي في سياق التنمية الشاملة يمثل مطلبا ضروريا لتحقيق التقدم والمساواة.

وينطوي هذا المطلب على ضرورة مس النظام الاجتماعي ككل وليس الجزء الأسفل من الهرم التسلسلي فقط، فالقضية لا تكمن هنا في لمس مشكلات الفقر في أطرها التاريخية والبنائية، وإنما في الذين يتربعون على قمة هرم السلطة ولا يدركون ما يعانيه الراقدون أسفله، خاصة في هذه الفترة التي تعيشها الأمة العربية وهي قابعة في قاع النظام الدولي الجديد القائم على أطروحة مفادها أن المراكز الأساسية القائمة اليوم هي مراكز الغد، وأن مهمشي اليوم هم مهمشو الغد.

البقاء على هذه الحال بات مرهونا بمدى تغير الأوضاع الراهنة وقدرة العرب على دخول حلبة اكتساب المعرفة التقنية والمنافسة الصناعية دون تغييب حقيقة المخاطر الني تستهدف الوجود العربي.. وهذه القدرة وذلك التغير يشكلان بداية لمنطلق تواجه فيه الإرادة العربية بكل إصرار وحزم مخططات التفتيت والأمركة.

أما المستقبل فيبقى دائما إمكانية مفتوحة قابلة للتشكيل، وهذا ما يسوغ الأعمال والأفكار والأحلام الإنسانية قديما وحاضرا ومستقبلا.

المصدر : الجزيرة