عرض/ الحسن السرات
ما مكانة الدين في الشأن السياسي الأفريقي؟ وما العلاقة بين المجال الروحي والمجال الزمني في القارة السمراء؟ هل يتزاوجان فلا يفترقان أبدا فلا تكاد تميز بين هذا وذاك؟ أم تستطيع التقاط الفروق بينهما وتوقع الطلاق في لحظة من اللحظات؟ أم أن العلاقة بين الدين والسياسة في هذه القارة المدهشة مهددة بالخيانة الزوجية والفساد؟ وهل يمكن اعتماد مفاهيم العلمانية الغربية وتطبيقاتها في مجموع النماذج الأوروبية والأميركية والعمل بها في الدول الأفريقية السمراء؟ أم أن للأفارقة ثقافة خاصة ونمط عيش فريد لا يقبل الفصل بين الدين والسياسة؟

تلك أسئلة بالغة الأهمية والحساسية يتناولها الكاتب الأفريقي الكاميروني فانسان سوستين فودا في دراسة سياسية علمية موثقة بعنوان "الكنائس المسيحية والدول الوطنية في أفريقيا: رباط مسكون بالخيانة الزوجية".



- الكتاب: الكنائس المسيحية والدول الوطنية في أفريقيا: رباط مسكون بالخيانة الزوجية
- المؤلف: فانسان سوستين فودا
- عدد الصفحات: 235
- الناشر:دار "لارماتان"، باريس
- الطبعة: الأولى/2005

والمؤلف كاتب وصحافي وعالم في السياسة وباحث مشارك في معهد التواصل بباريس، وأستاذ زائر بمعهد العلاقات الدولية بالكاميرون وبمدرسة الصحافة "تروا رفيير" في كندا. له مؤلفات أخرى بعضها روائي، مثل "في الزجاجة العاكسة"، والتبني مفسرا لحفيدتي".

ويعتبر الكتاب، حسب ما جاء في تقديم البروفيسورة نانديني هيث أستاذة العلاقات الدولية بجامعة جورج ماسون بالولايات المتحدة الأميركية، دعوة لإعادة تأسيس هيئة سياسية يوجد فيها مركز قرار وحيد يصلح لجميع الشعوب.

ومن أجل ذلك على أفريقيا أن تكف عن اعتبار الدولة الراعية العلمانية بالغرب النموذج الجدير بالتأسي، وأن تجتهد لبناء دولة راعية تأخذ بعين الاعتبار الميراث الثقافي والديني للقارة الأفريقية.

كنائس الاستعمار
يتخذ المؤلف بلده الكاميرون نموذجا للدراسة والتطبيق. ويفسر في الجزء الأول من كتابه الأسباب الداعية إلى هذا الاختيار. ويقدم للقراء أول الأمر نبذة عن الكاميرون بشعوبها وقبائلها التي تكاثرت حتى تجاوزت 250 موزعة على 30 مجموعة لغوية كبرى، ودياناتها الإسلام (وهو الدين الذي اعتنقه سكان القبائل الكاميرونية ونشروه شمالا وجنوبا وشرقا باستثناء بعض المناطق الجبلية والغابوية الوعرة)، والمسيحية التي جاء بها المنصرون السابقون على الاستعمار الممهدون لاستقرار الكنيسة الألمانية قبل غيرها، ثم العقائد المحلية المختلفة.

ويعود الكاتب إلى بدايات النشاط التنصيري بالكاميرون مع "شركة البعثة الإنجيلية" التي ركزت عملها ومشروعها على السود الذين هجر آباؤهم من بلدانهم في تجارة الرقيق ثم عاشوا صحوة دينية في جامايكا والولايات المتحدة الأميركية وقرروا العودة إلى أصولهم مساهمة منهم في تحرير الأفريقي الأسود وتخليصه.

هؤلاء الرواد هم الذين عملوا على بناء الكنيسة الإنجيلية الأولى في الكاميرون، وأدخلوا المطبعة وشيدوا المدارس ووزعوا الإنجيل قبل مجيء الألمان والأميركيين.

"
الدين الإسلامي هو أقدم الأديان بالكاميرون ويمثله بها ثلاثة تيارات: الزاوية القادرية القادمة من العراق والزاوية التيجانية الآتية من المغرب، والماديزمية القادمة من سوكوتو الأفريقية
"
وبعد حين دخلت البعثات التنصيرية البروتستانتية الأميركية لتستقر هي الأخرى في مناطق "دووالا" وتحصل في منتصف القرن العشرين على صفة الكنيسة الوطنية الكاميرونية.

أما الكنيسة الألمانية فقد اشتعلت بعثاتها موازاة مع الحماية الاستعمارية الألمانية واستطاعت تثبيت أقدامها وتوطين نفسها بالكاميرون لكن بدرجة أقل من الكنيسة البريطانية والأميركية.

الدين الإسلامي هو أقدم الأديان بالكاميرون ويمثله بها ثلاثة تيارات: الزاوية القادرية القادمة من العراق والزاوية التيجانية الآتية من المغرب، والماديزمية القادمة من سوكوتو الأفريقية.

زواج مبكر بين الروحي والزمني
يرصد الكاتب العلاقات الأولى التي حرصت البعثات التنصيرية على توثيقها مع السلطات القائمة منذ هيمنة القبائل بأنظمتها السياسية العتيقة إلى ظهور الدولة الوطنية الحديثة.

ويسجل أن المنصرين القادمين إلى "دووالا" (الاسم القديم للكاميرون) بذلوا غاية الوسع لإدخال زعماء القبائل وملوكها إلى المسيحية لضمان الحماية أولا، ولتسهيل عملية التنصير الجماعية ثانيا، وللتقريب بين القبائل وزعمائها في أفق نشوء شعور وطني جديد وهوية وطنية جديدة.

وهذه العلاقة هي التي سماها "الزواج بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية".

وبعد حين، يضع الكاتب سؤالا خطيرا حول الدور السياسي الذي قامت به الكنيسة، فيسأل "إن الكاميرون مثلها في ذلك مثل كثير من دول القارة عرفت طيلة 30 عاما هيمنة الاستبداد. ترى ماذا كان دور الكنائس في بناء مثل هذا النظام؟ وإذا كان الجواب سكوتا فيمكن أن تعد شريكة في هذا؟".

يقدم المؤلف البراهين والحجج على صمت الكنائس الطويل، فيشير أولا إلى أن ظهور النقابات والأحزاب بعد حصول البلاد على الاستقلال دفع بالكنائس إلى الانكماش والعودة إلى عملها الديني الأصلي الخالص، أي التنصير.

وليس هذا فحسب، ولكن الكنائس أحست بالفشل السياسي عندما صار أول رئيس للبلاد مسلما في الوقت الذي انتظرت فيه أن يكون مسيحيا.

وما زاد في الطين بلة أن نيجيريا، البلد المجاور، شهد حربا أهلية انفصالية في إقليم بيافرا وكان الطائفة المسيحية متورطة فيها تورطا شديدا.

سقوط النموذج الفرنسي

"
مع الأحادية القطبية للولايات المتحدة وجدت المسيحية الإنجيلية الأميركية لنفسها مجالا للاشتغال والتأثير، فزحزحت النموذج السياسي الفرنسي للدولة عن مكانته في القارة السمراء
"
رغم أن الكاميرون تعلن في دستورها أنها دولة علمانية، فإن ذلك يبقى مجرد شعار فقط حسب صاحب الكتاب، فحضور الكنائس والأديان في المجال العام والحياة السياسية بمختلف وجوهها وأشكالها حضور ثابت بين.

ويزيد في قوة الحضور لجوء المواطنين والهيئات السياسية، بل والنظام الحاكم، وحتى المعارضة، إلى الكنيسة والدين. ويبرهن المؤلف على ذلك مقدما إحصاء بليغا عن الندوات المنظمة في القارة الأفريقية، وكيف أن 90% منها سيرها رجال دين وزعماء كنائس، خاصة بعد سقوط جدار برلين.

ويتحدث الكاتب عن ظهور شكل جديد للدولة الأفريقية بدأ يتبلور، ويرى المؤلف أنه آخذ في القبول والانتشار، وربما صار هو النظام المختار في الألفية الثالثة لدى الدول الأفريقية، ويطلق الكاتب عليه مصطلح "الدولة الوطنية ثلاثية المعتقد"، والمقصود بذلك أن أديانا ثلاثة صارت تفرض نفسها على الساحة السياسية بأفريقيا، هي الإسلام والمسيحية والدين الأفريقي التقليدي، وصار معظم قادة المعارضة زعماء دينيين، كما هو الحال في رواندا والكونغو برازافيل والكونغو كينشاسا.

ومع الأحادية القطبية للولايات المتحدة، وجدت المسيحية الإنجيلية الأميركية لنفسها مجالا للاشتغال والتأثير، فزحزحت النموذج السياسي الفرنسي للدولة عن مكانته في القارة السمراء, فلم يعد هو المثال.

وذلك ما يرقبه الباحث في نيجيريا التي كانت مستعمرة بريطانية سابقة، وفي الغابون وساحل العاج. وهذا ما يفسر خسارة فرنسا لمناطق نفوذها القديم في أفريقيا.

التاريخ يعيد نفسه
أول ما يستنتجه القارئ عندما ينتهي من هذا الكتاب أن التاريخ يعيد نفسه، فبالأمس استخدمت الكنائس كاسحة ألغام وجيش طليعة للاستعمار الغربي للقارة الأفريقية وسعت إلى تهيئة النفوس والعقول لقبول المحتلين والتعاون معهم وتسليم الأرض وما عليها لهم، وكانت كل دولة تبعث بمنصريها ورهبانها لإتمام المهمة، حتى إذا ما أنجزوها دخلت الجيوش واستكملت القوى العظمى ما بقي.

الآن، تعيد الولايات المتحدة الأميركية اللعبة من جديد، وتتصدر الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية الجيوش والقواعد العسكرية الأميركية، غير أن الأميركيين فطنوا إلى أنه لا بد من جعل القساوسة السود على رأس البعثات الدينية إلى الدول الأفريقية، خاصة أن لديها كنائس يتزعمها رهبان من أصول أفريقية.

وبهذا صارت القارة السمراء ساحة من ساحات الصراع وتصفية الحسابات بين القارة العتيقة والولايات المتحدة الأميركية من جهة، والمسيحية والإسلام من جهة ثانية، مع تسجيل فارق واضح في كل هذا هو أن للمسيحية دولا تمثلها وتحميها في حين ليس للإسلام قوة سياسية تمثله أو تحميه.

ومن خلاصات الكتاب المهمة مكانة الدين في الحياة السياسية المحلية والدولية، ففي زمن العولمة والقرية العالمية الصغيرة، صار للدين مكانة حساسة في الجغرافيا السياسية والنظر الإستراتيجي البعيد، وانحصرت المواجهة بين الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذوكسية والإسلام. وتقوم لغة الأرقام بزيادة اللهيب في السباق العالمي المحموم.

فبعد الحرب العالمية الثانية شنت المسيحية الإنجيلية الأميركية غارة واسعة على أميركا الجنوبية حتى أصبحت الكنائس الأميركية هي الغالبة في بعض الدول، ووصل بعض الرؤساء الإنجيليين إلى الرئاسة في كل من غواتيمالا (الرئيس إفران ريوس مونت بانقلاب عام 1985، ثم الرئيس جورج سيرانو إلياس بانتخابات 1991، والرئيس ألبيرتو فوجيموري بالبيرو في السنة نفسها). حتى في أفريقيا وصل التأثير الإنجيلي الأميركي إلى قمة السلطة ممثلا في رئيس نيجيريا الحالي أوباسانجو.

والآن تضع سنابك خيولها في منطقة المشرق العربي وتسفك الدماء وتزهق الأرواح في انتظار خروج يأجوج ومأجوج وظهور المسيح المخلص. كما ترسل رسلها مبشرين ومنذرين إلى الجزائر والمغرب وبلدان أفريقية أخرى.

الدين والسياسة

"
يعلمنا التاريخ أن المؤسسات السياسية تستغل الدين لتزيين صورتها وسيرتها وقضاء مآربها وإسكات معارضيها بفتاوى الاستبداد وفتاوى التكفير والتفسيق
"
ويثير الكتاب، بدفاعه عن المثال الأنغلوساكسوني ونبذه للمثال الفرنسي، إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، إذ يرى أنه بدلا من العلاقة القائمة على الخيانة الزوجية ينبغي الانتقال إلى الوضوح وتوثيق عقد الزواج بين الطرفين، بفتح المجال أمام العامل الديني للتدخل والتأثير في المجال السياسي على مرأى ومسمع من الجميع، وبتوقيف أشكال استغلال السياسي للديني.

ويبني المؤلف دعوته هذه على حجة أن الواقع الأفريقي لا يرتفع ولن يرتفع، وأن العلمانية لا تصلح له ولا يعمل بها رغم التنصيص عليها في الدساتير.

غير أن مرافعة الكاتب بقيت ناقصة، ولم يتطرق فيها إلى تفصيل العلاقة بين المجالين والوقوف في وجه أوجه الاستغلال المتبادل بينهما، فالتاريخ يعلمنا أن المؤسسات الدينية قد يصيبها الاستبداد حين تحكم باسم الدين فتشتغل بمنطق "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد", ويوظف الدين للتفتيش في الضمائر وما تكنه الصدور، ولتقديس الحاكم وتأليهه في كثير من الحالات.

وفي المقابل يعلمنا التاريخ نفسه أن المؤسسات السياسية تستغل الدين لتزيين صورتها وسيرتها وقضاء مآربها وإسكات معارضيها بفتاوى الاستبداد وفتاوى التكفير والتفسيق.

ويقع استغلال الدين أيضا في الصراع الدولي كما نشاهد حاليا في حملة الولايات المتحدة الأميركية على ما تراه إرهابا، وكما يتكرر في كل مرة يسخر فيها الغرب من الإسلام ونبيه أو يتهمه فيها بتهم باطلة.

غاية القول أن الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، وحبذا لو توسع النقاش حول القضية وعرضت فيه وجهات النظر المختلفة، فقد عاد الدين ليتصدر الأحداث والنفوس، والخوف كل الخوف من إشعال الحروب بين الشعوب باسم المسيح أو باسم المهدي المنتظر أو باسم نبوة زائفة، في حين أن الدين سماحة وسكينة وسلام.

المصدر : الجزيرة