عرض/زياد منى
بيئة هذا الكتاب الزمنية العالم في مطلع النصف الثاني من القرن المنصرم، وتحديدا مطلع العقد السادس الذي شهد بداية انهيار المعسكر الاستعماري الغربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

 

وهذا الكتاب يأخذ القارئ إلى عهود من النادر أن نجد كتابات عنها في الوقت الحالي، ولكن كثيرا من الأجيال تحفظ كثيرا من أسماء زعماء "العالم الثالث" العالميين الذين شاركوا في صناعتها، ومنهم جمال عبد الناصر وجوزيب بروز تيتو وأحمد سوكارنو وجواهر لال نهرو وأحمد سيكوتوري وكوامي نكروما وأحمد بن بلة، وأخيرا، وليس آخرا، الزعيم الكونغولي المغدور باتريس لومومبا، موضوع هذا الكتاب.


- الكتاب: أسرار اغتيال باتريس لومومبا
- المؤلف: لودو دو فيته
- المترجم: رزق الله بطرس
- عدد الصفحات: 396
- الناشر: قدمس للنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة: الأولى/2005

لودو دو فيته، الكاتب وعالم الاجتماع كتب مؤلفه هذا باللغة الهولندية عام 1999، ثم أشرف على ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وهي النسخة التي اعتمدتها الترجمة العربية بناء على نصيحته.

موضوع الكتاب البحث في كل جوانب ما سمي (أزمة الكونغو) وما سبقها من أحداث وما تلاها من تطورات انتهت باغتيال رئيس الوزراء الكونغولي الزعيم الأفريقي الكبير باتريس لومومبا في (13/ 2/1961) والأطراف المشاركة فيها، على نحو مباشر أو غير مباشر، اعتمادا على ما توافر من وثائق بلجيكية رسمية، إضافة إلى وثائق الأمم المتحدة، حيث استخدمتها الدول الغربية المشاركة مطية لإسقاط الزعيم الكونغولي المنتخب وإعادة تلك البلاد الغنية بالثروات (النحاس على نحو خاص) إلى دائرة سيطرة الشركات التي كانت تستغل ثرواتها.

اعتماد المؤلف على الوثائق الرسمية البلجيكية التي أفرجت عنها حكومة بروكسل أخيرا عملا بقانون يعمل به في كثير من دول العالم الغربي، يعطي الكتاب أهمية خاصة.

ورغم المسافة الزمنية الكبيرة التي تفصل الحدث/ الجريمة عن صدور الكتاب التحقيقي، فإن المؤلف نجح في متابعة خيوط المؤامرة التي حاكتها بلجيكا، بالتعاون مع حليفاتها في الغرب، مستخدمة الأمم المتحدة وقوات السلام التي أرسلت إلى تلك البلاد الأفريقية بذريعة حفظ السلام.

وقد تمكن المؤلف عبر ثمانية فصول وملحق عن تسلسل الأحداث من تتبع تفاصيل الجريمة بدءا من يوم الاستقلال في (30/6/1960) وحتى إعلان وفاته في فبراير/ شباط من العام التالي، مع أن حاكم كاتنغا وأصدقاءه البلجيك نفذوا جريمتهم في (17/1/1961).

أزمة الكونغو

"
عملية التدخل في الكونغو والتحريض على الانشقاق ومن ثم التخلص من الزعيم الأفريقي الصاعد باتريس لومومبا تمت ضمن إطار عملية مخطط لها أطلق عليها اسم عملية باركودا
"
من المعروف أن ما سمي حينذاك (أزمة الكونغو) انفجرت ظاهريا بعد قيام حاكم إقليم كاتنغا مويس تشومبي بإعلان استقلال الإقليم الثري بالنحاس الذي تقطنه مجموعة كبيرة من المستوطنين الأوربيين عن جمهورية الكونغو حديثة الاستقلال.

هنا بادرت الحكومة البلجيكية، ومعها حكومات غربية أخرى وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، إلى تفويض الأمم المتحدة بإرسال قوات دولية لـ"الحفاظ على السلم" ومنع التعرض للمستوطنين الأوروبيين.

وقد ساد في ذلك رأي يقول إن النزاع في الكونغو كان داخليا، ولم يكن لأي من الدول الغربية أي دور في الأحداث التي قادت إلى انقلاب عسكري على رئيس الوزراء المخلوع باتريس لومومبا ومن ثم إلى قتله.

وقد ادعت الدول الغربية حينذاك بأنه لم يكن لها أي دخل في الأحداث وأن أي تدخل عسكري حصل وقتها كان دون موافقتها أو تنسيق معها.

لكن الكاتب تمكن عبر متابعة تفاصيل مهمة منشورة في الوثائق المفرج عنها أخيرا وعبر متابعة وثائق الأمم المتحدة ذات العلاقة إضافة إلى اعترافات بعض الضباط البلجيكيين المشاركين من الكشف عن بعض جوانب دور الحكومة البلجيكية برئاسة غستن آيسكنز في الأحداث.

فقد بين الكاتب أن الحكومة البلجيكية حينذاك هي من أفسح المجال القانوني في البرلمان أمام حاكم إقليم كاتنغا الانفصالي، مويس تشومبي، الذي عينته الجالية البلجيكية واجهة لها، لإعلان انفصال الإقليم عن الكونغو.

وهنا برأينا يكمن الجانب الأهم في الكتاب حيث يوضح شرحه عدم براءة الحكومة البلجيكية وحلفائها الغربيين من جريمة الإطاحة برئيس حكومة منتخب انتخابا حرا ووفق المقاييس الغربية.

كما يشرح بإسهاب الأحداث التي تلت ذلك من تدخل للخوذات الزرق في أمور الكونغو الداخلية وما أعقب ذلك من إقالة باتريس لومومبا، الذي كان رئيس الوزراء المنتخب، ومن ثم تسليمه إلى قوات الأمم المتحدة التي أرسلتها إلى كاتنغا، حيث قامت بدورها بالتواطؤ في تسليمه إلى أعدائه الذين قاموا بقتله ورفيقين له بطريقة غاية في البشاعة.

وقد أوضح الكتاب أن عملية التدخل في الكونغو والتحريض على الانشقاق ومن ثم التخلص من الزعيم الأفريقي الصاعد، باتريس لومومبا ذلك كله تم ضمن إطار عملية مخطط لها أطلق عليها اسم (عملية باركودا).

اتبع الكاتب منهجية التسلسل الزمني في متابعة الأحداث وعلى أكثر من مستوى، ما يجبر القارئ على التركيز بشدة على متابعة الأحداث، بما تحويه من أسماء المشاركين. كما أن المؤلف نجح في متابعة دور القوى العظمى آنذاك في تلك الجريمة، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأميركية ورئيسها دوايت آيزنهاور وبريطانيا وزعيمها اللورد هيوم، إضافة إلى الأمم المتحدة وأمينها العام حينئذ داغ همرشولد.

ويكتسب الكتاب أهمية خاصة من حيث مناقشته كتبا أخرى صدرت عن الموضوع في أوروبا، بما فيها رسالة دكتوراه غير منشورة، حاول بعضها التقليل من مسؤولية الحكومة البلجيكية وحليفاتها في الغرب عن الأحداث وإلقاء المسؤولية بأكملها على الصراعات الكونغولية الداخلية، وعلى تصرفات فردية لبعض العسكريين البلجيك المحليين في إقليم كاتنغا.

وللكتاب أهمية خاصة في أيامنا هذه، حيث نرى استخدام الغرب للأمم المتحدة وقوات القبعات الزرق استخداما متزايدا لتحقيق أهداف سياسية محضة.

وما لبنان وما يجري فيه حاليا عقب (الحرب السادسة) وفق تعبير محطة الجزيرة، إلا مثالا حيا على الدور الذي تريده بعض الدول الغربية "العظمى" لمنظمة الأمم المتحدة وتحويلها من أداة دولية لفرض السلام إلى جسر للتدخل في أمور الدول الصغيرة والضعيفة، وإلى أداة فرض هيمنتها وسياساتها.

ومن الأمور المهمة في هذا السياق أن الكاتب لا يكتفي بمتابعة مسألة جريمة الاغتيال على نحو منفصل عن الأحداث الجسام التي كانت الدول حديثة الاستقلال تواجهها، حيث يتناول الموضوع ضمن سياق محاولة الدولة المستعمِرة استعادة سيطرتها السياسية والاقتصادية على الدول المستعمَرة، مستخدمة ما توافر لها من أدوات، بما في ذلك قوات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات العالمية الأخرى.

لومومبا ملهم سياسي

"
ظهر لومومبا في زمن كانت الثورة على الاستعمار في العالم كله في أوجها، واغتياله لم يكن القصد منه فقط التخلص منه كشخص وإنما أيضا الهجوم الاستعماري المعاكس بهدف وقف مد حركات التحرر الوطني في المستعمرات
"
كما يوضح المؤلف السياق السياسي لاغتيال باتريس لومومبا الذي لم يكن قائدا كونغوليا وطنيا وحسب، وإنما كان زعيما من زعماء "العالم الثالث" ونجما لحركات الاستقلال في إفريقية حيث لا يزال إلى يومنا هذا مصدرا للإلهام السياسي في القارة الأفريقية.

فقد ظهر لومومبا في زمن كانت الثورة على الاستعمار في العالم كله في أوجها، واغتياله لم يكن القصد منه فقط التخلص منه كشخص وإنما أيضا الهجوم الاستعماري المعاكس بهدف وقف مد حركات التحرر الوطني في المستعمرات، والقضاء على إنجازاتها.

وضمن هذا السياق تحديدا تكمن أهمية الكتاب الإضافية في متابعة تفاصيل الجريمة وأبعادها السياسية، وبالتالي: الاقتصادية، وتأثير ذلك في مسار التطور السياسي العالمي.

وضمن هذا السياق وجب النظر إلى أحداث جسام تالية شهدها "العالم الثالث" ومن ضمنها اغتيال المهدي بن بركة ومالكولم إكس وكذلك الانقلابات العسكرية ضد رموز عالمية معادية للاستعمار ومنهم كوامي نكروما وأحمد سيكوتوري وأحمد بن بلة وأحمد سوكارنو، إضافة إلى عدوان العام (1967 م) الذي انتهى كما هو معروف باحتلال إسرائيل كلا من شبه جزيرة سيناء والجولان وما تبقى من أراضي فلسطين "الانتداب".

آراء لومومبا السياسية
وقد تناول الكاتب في ختام مؤلفه آراء باتريس لومومبا السياسية وسياساته حيث أوضح أن الزعيم الكونغولي لم يكن شيوعيا، كما حاولت الدوائر الاستعمارية الغربية تصويره، وبالتالي الإيحاء بأن "التصدي له" كان جزءا من الصراع بين "العالم الحر" والشيوعية و"أطماعها التوسعية" في القارة الأفريقية الثرية.

برأي الكاتب أن الأمر كان على العكس من ذلك حيث دان بشدة موقف الزعيم السوفياتي نيكيتا خرتشوف واتهمه بترك الزعيم الأفريقي يلاقي مصيره المؤلم بسبب عدم كونه شيوعيا، وبأنه أراد الإفادة القصوى من التدخل الغربي الفج في أمور المستعمرات السابقة.

هنا، في ظننا أن الكاتب لم يتمكن من إثبات وجهة نظره، إلا من منطلق عقِدي محض. لكن استنتاجه القائل إن الدول الغربية أرادت الإطاحة بالزعيم الكونغولي لأنه شكل مثال حي خطر على تطلعاتها للتسلل إلى المستعمرات السابقة بعدما فقدتها واضطرت للاعتراف باستقلالها.

"
قراءة هذا الكتاب في أيامنا هذه تجيب عن كثير من الأسئلة المرتبطة بالأمم المتحدة والدور الذي يراد لها أن تؤديه كأداة للتدخل الغربي وقمع الشعوب الضعيفة بدلا من الهدف المعلن لتأسيسها وهو الحفاظ على الأمن والسلم العالميين
"
وتتجلى أهمية الحقائق التي سجلها الكتاب في اضطرار الحكومة البلجيكية إلى تشكيل (لجنة تقصي حقائق) للبحث في مسؤوليتها والاتهامات التي ساقها المؤلّف ضد شخصيات بلجيكية مرموقة.

إن الأحداث الجسام في الكونغو التي تلت الإطاحة بذلك الزعيم الإفريقي، وما تبع ذلك من أحداث غاية في الإيلام في "العالم الثالث" أشرنا إلى بعضها آنفا تؤكد موضوعة الكتاب هذه.

فقد قام قائد الجيش الكونغولي حينئذ الجنرال موبوتو بانقلاب عسكري أطاح برئيس البلاد كاسا فوبو، وأعلن باتريس لومومبا شهيدا، لكنه أعاد الكونغو مستعمرة للشركات الغربية الكبرى، وحكمها حكما عسكريا إلى أن أطاحت به ثورة شعبية حيث اضطر للهجرة إلى فرنسا حيث مات هناك بسبب مرض عضال.

أما الكونغو فمازالت تعاني إلى يومنا هذا عدم الاستقرار، ومازالت قوات الأمم المتحدة ترابط في بعض أقاليمها، ومازال شعبها يعاني الفقر والجوع والموت، مع أن بلاده تعد من أكثر دول العالم ثراء بالمواد الخام.

كلمة أخيرة، إن قراءة هذا الكتاب في أيامنا هذه تجيب عن كثير من الأسئلة المرتبطة بالأمم المتحدة والدور الذي يراد لها أن تؤديه، أداة للتدخل الغربي وقمع الشعوب الضعيفة بدلا من الهدف المعلن لتأسيسها ألا وهو الحفاظ على الأمن والسلم العالميين.

المصدر : الجزيرة