عرض/نبيل شبيب
منطلق مؤلفي الكتاب هو المنطلق الغربي عموما، القائم على "بدهية" الازدواجية المتمثلة في اعتبار السلاح النووي محظورا على دول دون أخرى، على أنهما يشيران إلى أن مصداقية القوى الدولية مرتبطة بمدى استعدادها للشروع في إتلاف مخزونها الكبير من أسلحة الدمار الشامل.

ويضم الكتاب مقدمة وسبعة فصول، تتناول تباعا موقع التسلح النووي في البلدان الإسلامية، ومراحل صناعة سلاح نووي، ودور الهيئة الدولية للطاقة، والنظرة الغيرانية إلى العالم، والسياسة الأميركية، وإخفاق المفاوضات الأوروبية، ليطرح الفصل الأخير عددا من الاحتمالات المستقبلية والتوصيات.

- الكتاب: القنبلة الإيرانية
- المؤلفان: جيرو فون راندوف وأولريخ لادورنر
- عدد الصفحات: 176
- الناشر: هوفمان أوند كامب، هامبورغ
- الطبعة: الأولى/2006

القنبلة الإسلامية!
في الفصل الأول محاولة لعرض الخلفيات السياسية والشعبية التي تجعل امتلاك سلاح نووي في بلد إسلامي أمرا مطلوبا مرغوبا، رغم النفقات الباهظة، ومخاطر المواجهة على المسرح الدولي.

ويُسهبان في استعراض مسيرة باكستان إلى السلاح النووي، منذ عام 1976 في عهد بهوتو، ودور عبد القدير خان.

وأهم ما يريد الكاتبان نقله للقارئ الألماني هو أن الترحيب الشعبي الكبير في باكستان وفي كثير من الدول الإسلامية بالقنبلة النووية الباكستانية يكشف عن مدى النقمة الشعبية على السياسات الغربية، إلى درجة تجعل الشعوب على استعداد لتحمل الأعباء المالية الضخمة.

ويرفض الكاتبان وصف "القنبلة الإسلامية" الشائع في كتابات غربية، ويستشهدان بكلمة لعبد القدير خان نفسه مفادها أنه لا أحد يتحدث عن "قنبلة مسيحية" أو "قنبلة يهودية".

في الفصل الثاني ينجح الكاتبان في عرض الخلفيات العلمية للانشطار النووي، وتوظيفه لأغراض سلمية أو عسكرية، والعقبات في وجه ذلك، شرحا يمكن أن يبدد مخاوف تثيرها مقولات مسؤولين سياسيين أو من المخابرات الغربية، محورها "اقتراب خطر صناعة إيران لقنبلة نووية"، لتسويغ المواقف المتشددة إزاءها، أما المعلومة الموضوعية فتؤكد استحالة ذلك قبل خمس سنوات على الأقل.

لا يقتصر تعليل هذه التقديرات على وصف دقيق للمراحل التصنيعية المتتالية والحتمية على طريق صناعة السلاح النووي، إنما يقترن بعرض تفصيلي مقارن للطاقات المتوفرة لدى إيران، اختصاصيا ومن حيث الخبرة العملية، ثم على صعيد المنشآت العديدة ذات العلاقة وحدود طاقتها الفعلية، بما يوصل القارئ إلى الاقتناع بالحصيلة، بقدر ما يستوعب الجانب العلمي والتقني من مضمون هذا الفصل.

السؤال هل يمكن الاعتماد على رقابة الهيئة الدولية للطاقة في فيينا؟.. لا يجد إجابة حاسمة في الفصل الثالث من الكتاب بعنوان "المخبرون النوويون من فيينا"، رغم الاستفاضة في الحديث عن المنظمة ورئيسها البرادعي، الذي أثار أحيانا انزعاج واشنطن لتمسكه بموقفه أنه لا يوجد لدى هيئته دليل قاطع على أن إيران تعمل لصناعة السلاح النووي، رغم مجموع ما انكشف بشأن مواراة إيران لبعض منشآتها ومخططاتها زمنا طويلا.

ويتبنى الكاتبان وجهة نظر الهيئة التي تعيد عدم قدرتها على اكتشاف ما يُحجب عنها في بعض البلدان كإيران، بنواقص في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وكذلك بعدم التزام القوى النووية بالشطر المتعلق بها بشأن الشروع في تخفيض تسلحها النووي، فضلا عن سياساتها الازدواجية كما يشير مثال التعاون النووي الأميركي-الهندي مقابل الموقف الأميركي من باكستان، بعد التجارب النووية في البلدين.

"
الترحيب الشعبي الكبير في باكستان وفي كثير من الدول الإسلامية بالقنبلة النووية الباكستانية يكشف عن مدى النقمة الشعبية على السياسات الغربية إلى درجة تجعل الشعوب على استعداد لتحمل الأعباء المالية الضخمة
"
دوافع النووي الإيراني
وكما هو النهج في الكتاب بمجموعه يستغرق الكاتبان في الفصل الرابع أيضا في وصف إيران وأوضاعها داخليا ومشكلاتها المختلفة من قبل سقوط الشاه الإيراني، وهي الفترة التي تميزت بالدعم العسكري الأميركي بصورة غير محدودة، لتقوم إيران بدور "شرطي الخليج".

مقابل ذلك يأتي التفصيل حول الحرب الإيرانية-العراقية والدعم الغربي والعربي لها، والتعرض لأسلحة كيماوية، لتفسير ما يعتبره الكاتبان "الشعور بالوحدة" المسيطر على الساسة الإيرانيين، وبالتالي بيان أحد الدوافع الرئيسة المحتملة من وراء السعي لتسلح نووي رادع.

ويكمن دافع آخر في الحصيلة السلبية لمساعي من يوصفون بالساسة الواقعيين، مثل رفسنجاني وخاتمي، إذ لم توصل سياساتهما خلال سنوات ما بعد الخميني إلى موقع جديد لإيران في علاقاتها مع الدول الغربية والعربية.

من أسباب إخفاق سياسة "المعتدلين" السياسة الأميركية والإسرائيلية، لاسيما بعد اتهام إيران بمحاولة توريد صواريخ كاتيوشا إلى الفصائل الفلسطينية، في أعقاب اضطرار القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من جنوب لبنان تحت تأثير ضربات منظمة "حزب الله" المدعومة من جانب إيران.

وينتهي الحديث بالربط بين الموقف الإيراني من الوجود الإسرائيلي في المنطقة من عهد الخميني إلى الفترة الحالية ومواقف أحمدي نجاد، ويعود هذا المحور المتعلق بالخطر على الوجود الإسرائيلي ليظهر في مواضع عديدة لاحقة حتى نهاية الكتاب، كلما دار الحديث حول تعليل أي خطوة ضرورية لمنع التسلح النووي الإيراني.

كما يتطرق هذا الفصل -وهو الأطول في الكتاب- إلى "السياسة الازدواجية" التي تمارسها إيران في أفغانستان والعراق تجاه الأميركيين، ما بين دعم المتعاونين مع الاحتلال الأميركي والاعتماد على المتعاونين مع إيران مباشرة.

قلق الشيطان الأكبر
في الفصل الخامس بعنوان "قلق الشيطان الأكبر"، يعتبر الكاتبان مؤامرة المخابرات المركزية لإسقاط مصدق عام 1953م البذرة التي أوصلت إلى الثورة الإيرانية عام 1979م مع العداء المطلق للولايات المتحدة الأميركية.

ويشيران إلى أن السياسة الأميركية في إيران لمدة 25 عاما قبل الثورة، تفسر موقف الإيرانيين من واشنطن، مقابل ما تعرضت له الولايات المتحدة الأميركية من "ضربات إيرانية" في الفترة التالية.

ورغم محاولات محدودة للتقارب في التسعينيات من القرن الميلادي العشرين، استقرت واشنطن على ما سمي الاحتواء المزدوج، على أساس "العمل من أجل عزل إيران والعراق معا، دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا، حتى يسقطا".

وهذا ما أضيفت إليه الصبغة العسكرية المطلقة في عهد بوش الابن، ولكن -كما يقول الكاتبان في ختام الفصل- "إن رغبة التحرر من السلطة داخل إيران لا يمكن أن تنعكس في القبول بأن تحملها القنابل والدبابات الأميركية".

في الفصل السادس يتناول الكتاب باختصار يلفت النظر المفاوضات الأوروبية العقيمة مع إيران بموافقة أميركية ومشاركة بريطانية نتيجة الإخفاق في العراق.

ومع وصول أحمدي نجاد إلى السلطة وفق رؤية الكاتبين، اكتمل إخفاق المبادرة الأوروبية، واستؤنفت أعمال تخصيب اليورانيوم، وبدأ نجاد بإعلان مواقفه على صعيد السياسة الخارجية، بما فيها ما يعتبره الكاتبان "معاديا للسامية".

ورغم الاقتراب من حل وسط عن طريق موسكو في مارس/ آذار 2006م، كان الاعتراض الأميركي سببا في الإخفاق بصورة نهائية، وتحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي.

"
مع وصول أحمدي نجاد إلى السلطة اكتمل إخفاق المبادرة الأوروبية، واستؤنفت أعمال تخصيب اليورانيوم، وبدأ نجاد بإعلان مواقفه على صعيد السياسة الخارجية، بما فيها ما يعتبره المؤلفان "معاديا للسامية"
"
الحصيلة
الفصل السابع والأخير يمثل الحصيلة التي يريد الكاتبان عرضها على القارئ، ويتضمن أربعة احتمالات مستقبلية وسبع توصيات.

الاحتمال الأول: امتلاك إيران للسلاح النووي.. قد يثير ردود فعل إقليمية وسباق تسلح وخطر صدام نووي.

الاحتمال الثاني: "حرب وقائية" ضد إيران.. يستحيل تحقيق الهدف منها، بل قد تؤدي إلى إفلات البرنامج النووي الإيراني من الرقابة.

الاحتمال الثالث: عقوبات دولية شاملة.. مستبعدة بسبب المصالح الروسية والصينية، علاوة على صعوبة تقدير التأثير الفعلي على الموقف الرسمي الإيراني وعلى الأوضاع الداخلية.

الاحتمال الرابع: إغراءات واسعة النطاق للتخلي عن البرنامج النووي وعن تهديد الإسرائيليين، وهو ما لا يمكن أن يجد لدى طهران سوى السخرية.

ويحاول الكاتبان في الختام طرح صيغة متكاملة في نطاق سبع توصيات متكاملة مع بعضها:

1- تجنب الصدام العسكري مع الإعداد له.
2- كسب الوقت.

3- عقد التحالفات الإقليمية والدولية.
4- سياسة "عقوبات" مدروسة بعناية.
5- عروض مغرية لإيران بما في ذلك أن تكون قوة إقليمية رئيسية.
6- السعي من أجل عملية إصلاح داخلي.
7- حل جوهر المشكلة وهو تمكين إيران من التقنية النووية السلمية.

الخاتمة
كتاب "القنبلة الإيرانية" الصادر في مرحلة حساسة على طريق التعامل الدولي مع الملف النووي الإيراني، كتاب يذكر عنوانه بكتب ومقالات عديدة بعنوان "القنبلة الإسلامية" في مواكبة أحداث باكستان والعراق وسواهما من البلدان الإسلامية، وبانتشار أسلوب تحريضي عدائي في وسائل الإعلام، بينما يتخذ محتوى هذا الكتاب بين أيدينا وأسلوب صياغته نهجا آخر، يعبر عنه الشطر الثاني من العنوان: "خلفيات خطر عالمي".

فهو ينطلق بدهيا من أن القنبلة النووية الإيرانية "خطر عالمي"، ولكنه يركز على أن التعامل مع هذا الخطر يتطلب إدراك خلفياته السياسية والتاريخية والعلمية ذات العلاقة باستغلال الطاقة النووية.

ويتبع الكتاب أسلوبا يجمع بين عنصر الصياغة المبسطة، الأقرب إلى القصصية أحيانا، والمناقشة الموضوعية، ويترك الانطباع بأن الكاتبين لا يتحاملان على طرف دون آخر، ولا يهملان التعليلات الأقرب إلى الموقف الإيراني.

ويبدو أن الكتاب يستهدف فئة من القراء الألمان تحتاج إلى الصيغة الموضوعية ولا تفيد معها الصيغ الغالبة على كتب أخرى، وهنا تلفت النظر فيه نواقص تُضعف قيمته الموضوعية وتجعله نموذجا لسواه على هذا الصعيد.

وتكفي الإشارة في الختام إلى أمثلة على بعض هذه النواقص:

"
القنبلة النووية الإيرانية "خطر عالمي"، ولكن التعامل مع هذا الخطر يتطلب إدراك خلفياته السياسية والتاريخية والعلمية ذات العلاقة باستغلال الطاقة النووية
"
1- الصورة بالغة السوء عن عبد القدير خان لا تفتقر فقط إلى شواهد أو أدلة، بل تقوم على تكهنات، وأحيانا هفوات -ربما مقصودة- كالخلط بين فترة وجود خان في هولندا قبل باكستان -أي قبل الثورة الإيرانية أصلا- ونقله معلومات عن صناعة السلاح النووي إلى إيران.

كما افتقر تصوير عبد القدير خان بأنه رجل يحب المال فحسب، إلى دليل يتجاوز ما هو منشور في الإعلام العربي والإسلامي عن تعليل عمله بحاجة البلدان الإسلامية إلى قوة رادعة مقابل ما تواجهه من هجمات عدائية أجنبية.

2- يربط المؤلفان "قرار" الحكومة الباكستانية بشأن صناعة السلاح النووي بخسارة الحرب مع الهند إبان انفصال بنغلاديش، دون الإشارة إلى التجربة النووية الأولى للهند في مطلع السبعينيات، كدافع مباشر للتحرك في اتجاه مضاد أمام خطر جديد.

كما يبدأ تاريخ البرنامج النووي الإيراني في الكتاب بقرار الحكومة الإيرانية بعد الحرب مع العراق كرد فعل، فلا يأتي ذكر تأسيس البرنامج النووي في عهد الشاه بدعم أميركي وألماني إلا في موضع آخر بصورة عابرة.

3- رغم حديث الكاتبين عن احتمال وقوع تزييف في الانتخابات التي أوصلت أحمدي نجاد إلى الرئاسة، فإنهما يستبعدان أن يكون الفارق الكبير في الأصوات لصالحه على حساب رفسنجاني نتيجة تزوير ما، وتتناقض هذه الصورة عن الانتخابات مع صورة تعميمية منتشرة في الغرب -ويتبناها الكاتبان- تقول إن الإيرانيين "يتمنون" في سرهم أن تخلصهم القوات الأميركية من الحكم القائم.

ولا تستند المقولة إلى دلائل ملموسة أو تحليل موضوعي، إنما تبدو من قبيل تخفيف وطأة موقف الرئيس الأميركي بوش، عندما صنف إيران فيما سماه "محور الشر"، مع تلاقي أطياف الساسة الأميركيين على الخشية من "القنبلة الإيرانية" تحديدا.

المصدر : الجزيرة