عرض/إبراهيم غرايبة
إلى أي مدى يؤثر نمط الحياة الأميركية على سياسة الولايات المتحدة الخارجية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي؟

يتقصى المؤلف في هذا الكتاب مدى ارتباط الاقتصاد الأميركي المتأثر باستهلاك النفط بسياسة الولايات المتحدة واقتصادها ومجتمعها، وبخاصة موقع السيارة في حياة الأميركيين وعملهم.

وهذا ما يجعل النفط والطلب عليه عامل تأثير مهما في السياسة الخارجية الأميركية التي تسعى إلى إنشاء محمية نفطية موثوقة ومتفهمة في الشرق الأوسط تتعهد بتأمين طلب المستهلكين الأميركيين المتصاعد للنفط.

- الكتاب: العطش إلى النفط
- المؤلف: إيان رتليدج
- المترجم: مازن الجندلي
- عدد الصفحات: 312
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى 2006

النفط وأميركا

بين جميع الموارد ما من شيء أكثر إثارة للصراع بين الدول في القرن الحادي والعشرين من النفط، فهو أفضل مصادر الطاقة ويتفوق عليها جميعا، في مزايا الوزن والحجم والحقلية.

وبانتخاب الرئيس جورج دبليو بوش رئيسا أصبحت الرأسمالية النفطية في قلب السلطة الأميركية، وسرعان ما انتقلت متطلباتها إلى قمة أجندة النظام الجديد.

وصاحب ذلك تزايد الطلب الأميركي على النفط، وازدياد الاستهلاك النفطي في آسيا والصين، وبدأت الولايات المتحدة تفقد قدرتها على سد احتياجاتها النفطية من المصادر المحلية، وأصبحت تعتمد اعتمادا مصيريا على استيراد النفط وبخاصة من الخليج العربي.

ويعتمد المجتمع الأميركي على السيارة في العمل والحياة والاستجمام والتسوق والحياة العائلية أكثر من أي مجتمع آخر في العالم (843 مركبة لكل ألف شخص، أي أكثر بنسبة 50% مما في أوروبا الغربية).

بل إن علاقة الأميركيين بالسيارة تعبر عن روح أميركية يراها مفكرون أميركان قائمة على الحرية والقوة والاستقلال والحركية والأهمية والانعتاق والمغامرة.

ويندد هؤلاء بالنقد السائد لاستهلاك الطاقة لأنه يعني تخلي الأميركيين عن نمط حياتهم.

وارتبط بذلك سوق لصناعة السيارات وتسويقها ولوبيات سياسية واقتصادية أدت إلى تفكيك أنظمة النقل العام، ليس بسبب منافسة السيارة ولكن لإفساح الطريق أمامها.

بل إن شركة جنرال موتورز/شيفرون اشترت أنظمة النقل العمومي بالقطارات الخفيفة والحافلات الكهربائية ثم أوقفتها.

ويقول بول هوفمان رئيس شركة ستودبيكر إنه يجب أن يعاد تنظيم المدن، لأن أكبر سوق للسيارات اليوم وأضخم خزان للزبائن المحتملين هو ذلك العدد الضخم من سكان المدن الذين يرفضون اقتناء سيارات خاصة.

واحتفت الدراما بهذه الحياة، مثل مسلسل الطريق الذي عرض عام 1960 ويروي قصة شابين أميركيين يجوبان الولايات المتحدة بسيارتهما الشيفروليه.

ولكنها طريقة حياة تداخلت مع الظروف والأحداث السياسية والتهديد وعدم الاستقرار، فجعلت الولايات المتحدة معتمدة على بلاد بعيدة لا يعلم عنها الأميركيون إلا القليل، ولا يزيد اهتمامهم بما يحصل فيها عن معرفتهم بها، بل يقل عن ذلك ويقصر.

لقد سيطر الأميركيون على نفط الشرق الأوسط مع قدوم الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ولكن المنطقة لم تستقر.

"
النفط والطلب عليه عامل تأثير مهم في السياسة الخارجية الأميركية التي تسعى لإنشاء محمية نفطية موثوقة ومتفهمة في الشرق الأوسط تتعهد بتأمين طلب المستهلكين الأميركيين المتصاعد للنفط
"
ومن أهم الهزات التي واجهت السوق النفطية الأميركية والغربية في المنطقة تأميم حكومة مصدق للنفط عام 1951 وأزمة قناة السويس عام 1956 وحرب 1973 والثورة الإيرانية عام 1979.

وكان ثمة شعور قومي يتصاعد مصحوبا بالامتعاض والغبن بسبب قلة حصة عائدات البلاد المنتجة للنفط وبسبب السياسات المنحازة لإسرائيل.

وعندما احتل الاتحاد السوفياتي أفغانستان اعتبر الرئيس الأميركي جيمي كارتر هذه الخطوة تهديدا خطيرا لهذه المنطقة الإستراتيجية التي تحتوي على أكثر من ثلثي النفط القابل للتصدير في العالم.

وهذه المقولة التي سميت "مبدأ كارتر" تنص على أن أي حركة من طرف قوة معادية للسيطرة على منطقة الخليج سينظر إليها على أنها اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة.

وكان الدعم الأميركي والعربي والإسلامي للمجاهدين الأفغان لمواجهة الخطر الإستراتيجي بداية لحركة جديدة عالمية إسلامية مناهضة للولايات المتحدة وحلفائها.

محور النفط
عندما احتل العراق الكويت عام 1990 وجه الرئيس الأميركي جورج بوش الأب خطابا إلى الأميركيين يدعوهم لحشد القوى.

ومما جاء فيه "إن وظائفنا وطريقة حياتنا وحريتنا وحرية البلدان الصديقة لنا في العالم كلها ستتأثر إذا وقعت احتياطيات النفط الكبرى في العالم تحت سيطرة صدام حسين".

وكانت حرب الخليج التي دمر فيها العراق، ثم واصل جورج بوش الابن بعد 10 سنوات غزو العراق واحتلاله بعدما اتجه الرئيس العراقي صدام حسين لمنح عقود إنتاج نفطية لشركات فرنسية وروسية وصينية.

وربما يكون ذلك وراء قول نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بأن لديه شعورا عميقا بعدم إكمال مهمتنا في العراق.

وقد جلب انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 الاستقلال إلى الجمهوريات الجنوبية الواقعة بين القوقاز والحدود الصينية، وهي كزاخستان وأوزبكستان وقيرغيزيا وطاجكستان وأذربيحان وتركمنستان، وهي بلاد غنية بالنفط.

وتمثل تلك البلدان سوقا واعدة للتنقيب والإنتاج كانت محظورة على الشركات الأميركية.

يقول تشيني في حديث أمام مجموعة من رجال الأعمال الأميركان: لا أعرف يوما ظهرت فيه فجأة منطقة ما لتصبح ذات أهمية إستراتيجية كبحر قزوين.

وقام بريجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس جيمي كارتر بزيارات إلى المنطقة أوائل التسعينيات لصالح شركات النفط، وحذر البيت الأبيض من أن الولايات المتحدة سترتكب خطأ فادحا إذا تجاهلت مصالحها الإستراتيجية الحيوية في تلك المنطقة.

"
الإستراتيجية الأميركية منذ عام 1998 أصبحت قائمة على دمج شعوب منطقة قزوين في تبعية قوية لها تستند إلى إقامة بنية تحتية من خطوط أنابيب النفط والغاز تمتد من الشرق إلى الغرب
"
وأصبحت الإستراتيجية الأميركية منذ عام 1998 قائمة على دمج شعوب منطقة بحر قزوين في تبعية قوية للولايات المتحدة تستند إلى إقامة بنية تحتية من خطوط أنابيب النفط والغاز تمتد من الشرق إلى الغرب عبر ممر يربط تركيا وجورجيا وأذربيجان وكزاخستان وتركمنستان وأوزبكستان وطاجكستان وأفغانستان وباكستان والهند.

وقد اشتغل نخبة أركان السلطة الأميركية، بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق، وسكوكروفت مستشار الأمن القومي للرئيس جورج بوش الأب، وبيرل رئيس أساقفة المحافظين الجدد وتعاونوا جميعا بشكل وثيق في شركة هدفها الأوحد إلحاق نفط بحر قزوين بالفلك التجاري والسياسي الأميركي.

وكانت غرفة التجارة الأميركية الأذرية تتكون من 38 عضوا بينهم اثنان فقط أذريان، وهما إلهام علييف ابن الرئيس السابق حيدر علييف الذي خلف أباه فيما بعد في الرئاسة، والسفير الأذري في الولايات المتحدة.

وفي عام 1997 قامت القوات الجوية الأميركية بعملية إنزال 500 مظلي أميركي من الفرقة المجوقلة الـ82 بقيادة الجنرال جون شيهان في جنوب كزاخستان من أجل الترتيب لعمل عسكري في "مناطق تحتوي على موارد طبيعية نادرة" كما جاء في تقرير هيئة الدفاع القومي.

وأشار التقرير أيضا إلى منطقة بحر قزوين والشرق الأوسط "لوقاية أنفسنا وحلفائنا من تبعية الموارد". واعتُبرت حاجة الولايات المتحدة للوصول إلى نفط الخليج وبحر قزوين حيوية للاستقرار الاقتصادي العالمي.

ثم جرت مجموعة أخرى من العمليات والمناورات والدراسات على نحو يوضح الرسالة الأميركية إلى العالم بأن أي تهديد للمصالح النفطية الأميركية في بحر قزوين سيواجه بتدخل عسكري سريع لا يعوقه بعد الشقة عن البر الأميركي.

لقد أصبح شائعا في وصف الوضع الجيوسياسي الراهن في منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى استعمال تعبير "اللعبة الكبرى"، ذلك الصراع الذي نشب في القرن الـ19 بين بريطانيا وروسيا القيصرية للسيطرة على "الخانات" أو الدول الإسلامية المستقلة التي هيمنت على المنطقة حتى أواخر ثمانينيات القرن نفسه.

ويبدو أن حكام هذه الجمهوريات السوفياتية السابقة تحولوا إلى ما يشبه خانات الأيام الخوالي، معيدين إلى الأذهان ذكريات تلك الأيام.

ففي كزاخستان على سبيل المثال قامت صداقة وشراكة بين المصرفي جيمس غيفن والرئيس الكزخي نور سلطان نزارباييف وعمل مستشارا له، وعن طريقه حصلت الشركات النفطية مثل شيفرون على حصة في حقول النفط الكزخية.

وفي تحقيق أجرته وزارة العدل الأميركية عام 2000 تبين أن غيفن حوّل 60 مليون دولار إلى حسابات مصرفية في سويسرا يسيطر عليها الرئيس نزارباييف ورئيس الوزراء كاشيغلدين والرئيس السابق لشركة النفط الوطنية نور سلطان بالجيمباييف.

أميركا "المُمَوترة"
يصف جون براغ من مركز الدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية السيارة بأنها أعظم رمز معاصر للحرية الأميركية، وأنها رمز قوي لما يجعل الولايات المتحدة أعظم بلاد العالم وأكثرها حرية.

وقد شهد الاقتصاد العالمي بدءا من سبعينيات القرن العشرين تحولات كبرى قائمة على المعرفة، فقامت شركات الكمبيوتر ووادي السيليكون مثل مايكروسوفت عمالقة عالم تقنية المعلومات والاتصالات خفيف الأصول ثقيل المعرفة.

وصاحب هذه التحولات زيادة في إنتاج السيارات ذات المحركات الخفيفة في الولايات المتحدة بنسبة كبيرة بلغت 42%.

وأنتجت الولايات المتحدة عام 1999 نحو 13 مليون سيارة، مواصلة تقدمها المريح رغم المنافسة اليابانية الشرسة التي أنتجت في ذلك العام نحو 10 ملايين سيارة.

وحسب دراسة أجرتها جامعة متشيغان لصالح اتحاد صانعي السيارات فإن صناعة السيارات أضخم صناعة في الولايات المتحدة، وما من صناعة أخرى تجاريها في كثرة ارتباطاتها بالصناعات الأخرى ولا في حجم ما تولده من أعمال بيع بالتجزئة ووظائف.

"
الولايات المتحدة مسؤولة عن 44% من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتصلة بالطاقة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المصنعة
"
وأشار تقرير للمجلس القومي الأميركي للبحوث عام 2003 إلى أن سدس العمال في الولايات المتحدة يتعاملون بشكل ما مع السيارات والشاحنات، صنعا أو قيادة مهنية أو تأمينا أو ترخيصا أو عملا في بناء وصيانة الطرق العامة.

وقال التقرير إن تأثير صناعة السيارات على المجتمع ليس كتأثير أي صناعة أخرى عليه، فالسيارة ليست مجرد تقنية أو وسيلة نقل، إنها عامل محدد أساسي للاقتصاد.

ووصلت مبيعات السيارات في الولايات المتحدة عام 2000 إلى 17.8 مليون سيارة.

وبالطبع فقد تغيرت وجهة صناعة السيارات عما كانت عليه من قبل، فثلث السيارات الخفيفة التي تباع في الولايات المتحدة تصنعها شركات أجنبية، أو تصنع في شركات أميركية يملكها أجانب.

وصارت المنافسة ضارية وتدنت ربحية صناعة السيارات، ولكن التطور الكبير في استيراد السيارات من اليابان وكوريا وألمانيا لم يحل دون النمو المتواصل لهذه الصناعة الأميركية.

وقد تنامت صناعة السيارات الرياضية والشاحنات الخفيفة التي تستهلك كميات من النفط أكثر من السيارات العادية، وتركزت سياسة شركات السيارات في السنوات الأخيرة على زيادة إنتاج السيارات الرياضة نظرا لربحها.

وقد تعرضت جنرال موتورز عام 2002 لمظاهرات احتجاجية باعتبارها سببا في زيادة استهلاك النفط وتلوث البيئة.

ومن طرف الحملات الإعلانية المناهضة للتلوث أن الشبكة البيئية الإنجيلية ومقرها بنسلفانيا أطلقت حملة إعلانية تلفزيونية ضد السيارات الرياضية تحت شعار "أي سيارة كان يسوع سيقود؟".

ويقول قائد الحملة الكاهن جيم بول إن التلوث الذي تسببه السيارة كان له أثر مدمر على الناس، وعلى صانعي السيارات أن يصنعوا سيارات تعكس قيمنا الأخلاقية.

ولكن الكاهن بات روبرتسون من الإنجيليين الأميركان الذي يستخدم سيارة رياضية أدان هذه الحملة البيئية وقال: أظن أن ربط يسوع بحملة مناهضة للسيارات الرياضية يقارب التجديف وأعتبره نكتة.

إن الولايات المتحدة مسؤولة عن 44% من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتصلة بالطاقة من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المصنعة.

ووقفت إدارة بوش ضد بروتوكول كيوتو الذي يضع حدا للانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وقد نال موقف كيوتو هذا تأييدا واسع النطاق في أوساط شركات النفط والغاز والفحم، ولكنه عكس أيضا واقع أميركا "المُمَوْترة".

المصدر : الجزيرة