عرض/ علاء بيومي
التقرير الحالي يتكون من قسمين رئيسيين، أولهما يتناول تاريخ العلاقات الأميركية الإيرانية ومخاوف الولايات المتحدة من سياسات إيران منذ وقوع الثورة الإيرانية في عام 1979، وثانيهما يدرس الوسائل المتاحة أمام صانع القرار الأميركي للرد على التهديدات التي تمثلها السياسات الإيرانية للولايات المتحدة.


- التقرير: إيران: المخاوف والردود السياسية الأميركية
- المؤلف: كينيث كاتزمان
- عدد الصفحات: 48
- الناشر: خدمة أبحاث الكونغرس، واشنطن
- الطبعة: الأولى/ يوليو2006

وقبل أن نفصل في أهم مضامين التقرير يجب الإشارة إلى أن التقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس وهو مركز أبحاث تابع للكونغرس الأميركي تتميز تقاريره بالموضوعية والشمولية وبالنفوذ في دوائر صنع السياسة بواشنطن.

وقد صدر التقرير الراهن في أواخر شهر يوليو/ تموز الماضي وهو من إعداد كينيث كاتزمان أحد كبار الباحثين المتخصصين في قضايا الشرق الأوسط بخدمة أبحاث الكونغرس.

المخاوف الأميركية
يقول التقرير في خاتمته إن "عدم الثقة بين الولايات المتحدة ونظام إيران الإسلامي ذات عمق يفوق عقدين من الزمان، حتى قبل ظهور الخلاف على برنامج إيران النووي"، كما يبرز التقرير في مقدمته أن إستراتيجية الأمن القومي الأميركية تعتبر أن أميركا "لا تواجه تهديدا أعظم من بلد واحد أكثر من (تهديد) إيران".

المقتطفات السابقة قد تنقل للقارئ الشعور بالأزمة التي يشعر بها صانع القرار الأميركي تجاه إيران كما يظهر عبر صفحات التقرير، فالتقرير يكاد يصور إيران كصداع قوي ومتعدد الجوانب داخل عقل صانع القرار الأميركي، وذلك بسبب العدد الكبير من ملفات الخلاف بين أميركا وحكومات إيران الإسلامية.

حيث ترتبط هذه الملفات بأكثر من قضية هامة كعملية السلام العربية الإسرائيلية، وعلاقة إيران بالعراق وبدول الخليج، وعلاقتها بدول وسط آسيا الإسلامية وأفغانستان، وملف الأسلحة النووية، وموقف أميركا من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل إيران، وهي قضايا سوف نتناول أهم مضامينها -كما عرضها التقرير- في الفقرات التالية.

"
سوف تحرص أميركا في الغالب على زيادة نقدها لإيران في ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة لحشد الدعم الأميركي الداخلي والدولي الخارجي لمواجهة تهديدات إيرانية أخرى أكثر خطورة في نظر صانع القرار الأميركي
"
ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان
بالنسبة لقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان فهي تبدو ثانوية على أجندة صانع القرار الأميركي في الفترة الراهنة، حيث يؤكد التقرير في أكثر من موضع أن "الحكومات الأميركية المتعاقبة لم تعتبر بشكل عام أن سجل إيران في مجال حقوق الإنسان (يمثل) تهديدا إستراتيجيا لمصالح أميركا".

وإن كان التقرير يؤكد في أماكن متفرقة عدم رضا الحكومات الأميركية عن طبيعة النظام الإيراني منذ وقوع الثورة الإسلامية، لذا يتمنى الأميركيون أن يتغير النظام الإيراني يوما ما بشكل أو بآخر، كما تبنى الرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش منذ أوائل عام 2002 سياسة تهدف لتغيير النظام الإيراني باعتباره جزءا من محور الشر الذي تحدث عنه بوش في خطابات.

ووفقا لهذا التوجه زادت أميركا من مساعداتها للجماعات المعارضة للنظام الإيراني والساعية لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان بإيران إلى 75 مليون دولار في عام 2006، وهو دون شك مبلغ كبير مقارنة بالأموال التي رصدتها الحكومة الأميركية للغرض نفسه في الماضي.

ولكن المبلغ نفسه ضئيل جدا إذا قورن بحجم الهدف الأميركي في بلد بحجم إيران الجغرافي والسكاني، هذا إضافة إلى حديث التقرير عن "ضعف الجماعات المعارضة الحريصة على تغيير النظام كلية"، وعن أن الدعم الأميركي لهذه الجماعات يضعف من شعبيتها داخل إيران.

العوامل السابقة لا تعني أن الحكومة الأميركية سوف تتراجع عن نقدها للديمقراطية الإيرانية ولكنها تعني أن الولايات المتحدة لا ترى أن سجل إيران في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان هو أكبر تهديد موجه لها حاليا، وأن أميركا سوف تحرص في الغالب على زيادة نقدها لإيران في هذا المجال كأداة لحشد الدعم الأميركي الداخلي والدولي الخارجي لمواجهة تهديدات إيرانية أخرى أكثر خطورة في نظر صانع القرار الأميركي.

"
إذا كانت سياسة إيران الإقليمية تمثل مصدر إزعاج أكبر لأميركا, فإن بعض المصادر تتحدث عن تحسن العلاقات الإيرانية الأميركية بسبب دعم طهران لواشنطن في حربها على طالبان ومساعدتها في إسقاط صدام حسين وجهودها في إصلاح علاقاتها مع الجيران
"
سياسات إيران الإقليمية
يعطي التقرير في مقدمته وخلال صفحاته أهمية أكبر لسياسات إيران الإقليمية باعتبارها مصدر إزعاج أكبر لأميركا، ويأتي على رأس هذه السياسات "الدعم المادي" لجماعات مثل "حزب الله اللبناني، وحماس والجهاد الفلسطينيين"، وهنا يذكر التقرير أن حماس كانت تتلقى 10% من ميزانيتها من إيران في أوائل التسعينيات، ولكنه يعود ليقول إن حماس نوعت من مصادر المساعدات التي تحصل عليها فيما بعد، وإن صعود حماس للسلطة سوف يجعلها أقل استعدادا لقبول نصائح طهران في حالة تعارض هذه النصائح مع المصالح الفلسطينية.

كما يتحدث التقرير عن إيران كداعم رئيسي لحزب الله، وخاصة من خلال دعم حزب الله بأسلحة تعتقد مصادر أميركية أن حزب الله استخدمها في الهجوم على إسرائيل خلال الأزمة الأخيرة، كما يتحدث التقرير عن تردي صورة حزب الله لدى صانع القرار الأميركي نتاجا للأزمة الأخيرة.

فيما يتعلق بالعراق، يتحدث التقرير -في عجالة سريعة- عن الدور الإيراني مؤكدا أن جوهر سياسة إيران تجاه العراق بعد سقوط نظام صدام حسين هو "إقناع جميع الجماعات الشيعية بالعراق بالعمل معا للتأكد من السيطرة السياسية والانتخابية للشيعة في عراق ما بعد صدام"، ولكن التقرير يعود ويشتكي من أن إيران سعت لدعم بعض المليشيات الشيعية المسلحة كمليشيات مقتدى الصدر.

كما يتحدث التقرير عن مساع أميركية للحوار مع إيران بخصوص الوضع في العراق كما ظهر في طلب السفير الأميركي ببغداد زلماي خليل زاد من الرئيس بوش في أواخر عام 2005 السماح له بالدخول في حوار دبلوماسي مباشر مع إيران بخصوص الوضع في العراق، وقد فعلت أميركا الشيء نفسه بخصوص أفغانستان وذلك رغم التردد الأميركي في الدخول في مشاورات دبلوماسية مع إيران بخصوص قضايا أخرى هامة.

بالنسبة لدول الخليج، يتحدث التقرير عن دخول إيران في مشاكل إقليمية مع عدد كبير من جيرانها بالخليج، فلإيران مشاكل مع السعودية والبحرين تتعلق بدعم الجماعات المعارضة داخل البلدين، كما أن لديها مشاكل مع الإمارات بخصوص جزر أبو موسى، ولديها مشاكل مع قطر بخصوص السيطرة على حقل هام للغاز الطبيعي.

ويزيد من أزمة العلاقات الإيرانية الأميركية حديث إيران عن حقوق لها في بحر قزوين وخلافها مع جمهورية أذربيجان، هذا إضافة إلى ما يراه التقرير على أنه نفوذ متزايد لإيران في أفغانستان، كما يتحدث التقرير عن وجود عدد من كبار المسؤولين بالقاعدة في حوزة إيران سواء بالسجون أو تحت حماية إيران، حيث يرى البعض أن إيران قد تستخدم هؤلاء كأدوات للتفاوض مع الولايات المتحدة في المستقبل.

في المقابل يتحدث التقرير عن بعض مصادر تحسن العلاقات الإيرانية الأميركية، حيث يشير إلى دعم إيران لأميركا في حربها على طالبان نظرا لموقف الحركة المعادي لإيران، كما يتحدث عن أن إسقاط أميركا لنظام صدام حسين ساعد إيران على التخلص من أحد ألد أعدائها مما قد يدفعها لفتح صفحة جديدة للتعاون مع أميركا في جو خال نسبيا من الضغوط، ولكن التقرير يحذر من أن سقوط صدام قد يعطي إيران فرصة للتوسع والبحث عن نفوذ أكبر.

كما يشير التقرير في فقرات متفرقة إلى جهود الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي باعتبارها جهودا إصلاحية ساعدت على تحسين علاقات إيران بجيرانها وبالمجتمع الدولي.

"
يستبعد التقرير إمكانية القيام بهجوم عسكري أميركي شامل على إيران ويحذر من صعوبة القيام بهجوم محدود لأن الأهداف الإيرانية الواجب استهدافها قدرها خبراء بـ400 هدف من بينها 75 تحت الأرض
"
القدرات العسكرية الإيرانية
يصف التقرير جيش إيران التقليدي بأنه "كبير وقوي سياسيا"، ولكنه يرى أن قدرات الجيش الإيراني تكفي لحماية إيران داخل حدودها ولا تمكنها من مواجهة قوة كأميركا أو القيام بدور هجومي كبير خارج الحدود، أما خطورة القوات الإيرانية فتكمن في قوتها البحرية التي يرى التقرير أنها مدربة على غلق مضيق هرمز في حالة تعرض إيران لهجوم، كما تكمن في قوات إيران غير التقليدية خاصة في ما يتعلق بالصواريخ بعيدة المدى، حيث يعبر التقرير عن اعتقاد خبراء ومصادر مخابراتية وصحفية أميركية وغربية أن إيران تمكنت مؤخرا من إنتاج صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى إسرائيل، وأن إيران تسعى لتطوير صواريخ تصل إلى ما أبعد من ذلك وقادرة على حمل رؤوس نووية أو كيماوية.

كما يقول التقرير إن إيران تسعى لبناء بنية تحتية تضمن تزويدها بما تحتاجه من أسلحة كيماوية، وإن إيران تمتلك مخزونا من الأسلحة الكمياوية الهجومية.

أما فيما يتعلق بالأسلحة النووية فيشير التقرير –الذي يتعامل معها بالتفصيل– إلى اعتقاد مصادر أميركية مختلفة بأن إيران غير قادرة على إنتاج أسلحة نووية في الوقت الراهن، وأنها تحتاج إلى فترة من 6-10 سنوات لإنتاج هذه الأسلحة، ولكنهم يخشون من أن تصل إيران قريبا إلى "نقطة اللاعودة"، وهي نقطة تشعر فيها إيران بأنها تمتلك المعرفة والخبرة الكافية لإنتاج الأسلحة النووية.

الخيارات السياسية الأميركية

"
من بين العقوبات التي تدرسها أميركا ضد إيران الحد من التبادل الدبلوماسي، ومنع الطيران الدولي لإيران، وتجميد الأموال الإيرانية بالخارج، ومنع بيع الأسلحة لإيران، وقد تعارض روسيا والصين الفكرة الأخيرة
"
يقول التقرير في جزئه الأول إن الحكومة الإيرانية الراهنة –تحت قيادة الرئيس أحمدي نجاد– تبدو مستقرة سياسيا، كما أنها تبدو مستقرة اقتصاديا بحكم ارتفاع أسعار النفط، وبحكم سياسات نجاد التي وجهت نحو مساعدة الفقراء كإلغاء بعض ديون الفلاحين.

يقول التقرير إن سياسة تغيير النظام الإيراني التي تبناها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في عام 2002 تبدو بعيدة المنال على المدى القصير نظرا لضعف جماعات المعارضة الإيرانية، ولأن الدعم الأميركي لهذه الجماعات يضعف من الدعم الشعب الإيراني لها، ولكن ذلك لن يمنع الإدارة والكونغرس من الاستمرار في دعم ومساندة الجماعات الساعية لتغيير النظام الإيراني.

كما رأى التقرير أن القيام بهجوم عسكري شامل لتغيير النظام بإيران هو أمر لا تضعه الإدارة الأميركية "محل اعتبار جاد" في الوقت الراهن نظرا لانشغال القوات الأميركية في العراق، ولقوة المقاومة الإيرانية الداخلية المحتملة، وللمعارضة الدولية الشديدة لمثل هذا العمل، خاصة من قبل روسيا والصين وآخرين لم يسمهم التقرير.

ولكن التقرير رأي أن فكرة القيام بهجوم عسكري محدود تبدو فكرة قابلة للاختبار من قبل بعض الخبراء، ولكنه حذر من صعوبة استهداف جميع الأهداف الإيرانية الواجب استهدافها في مثل هذا الهجوم والتي قدرها أحد الخبراء بحوالي 400 هدف من بينها 75 هدفا تحت الأرض، كما حذر من رد فعل إيران الانتقامي في حالة تعرضها لمثل هذا الهجوم، كما أشار التقرير لمطالبة بعض أعضاء الكونغرس الرئيس الأميركي بالرجوع للكونغرس للحصول على موافقته قبل القيام بمثل هذا الهجوم.

وفي ظل غياب البديلين السابقين في الوقت الراهن يبقى أمام الإدارة عدد من الخيارات التي أشار إليها التقرير مثل الاحتواء عن طريق منع صادرات الأسلحة لإيران، والدبلوماسية عن طريق دخول أميركا كطرف في المباحثات الدولية مع إيران بشأن برنامجها النووي، حيث يرى التقرير أن مثل هذا التحرك سوف يساعد على حشد الدعم الدولي لسياسة أميركا تجاه إيران.

كما درس التقرير عددا من العقوبات الدولية التي يمكن فرضها على إيران في حالة امتناعها عن وقف برامج تخصيب اليورانيوم، ومن بين هذه العقوبات الحد من التبادل الدبلوماسي، ومنع الطيران الدولي لإيران، وتجميد الأموال الإيرانية بالخارج، ومنع بيع الأسلحة لإيران، مؤكدا أن روسيا والصين قد تعارضان الفكرة الأخيرة.

المصدر : الجزيرة