خاص-الجزيرة نت
صدر هذا الكتاب منذ أيام وهو دراسة موثقة توثيقا قويا من مصادر الشرع الإسلامي، تتضمن مطارحة لطيفة قوية الحجة والبرهان، تدفع عن الدكتور حسن الترابي أغلب التهم الموجهة إليه، ببيان ضعف نسبتها إليه أو ضعف أساسها الفقهي.

والمؤلف هو محمد بن المختار الشنقيطي صاحب كتاب آخر ذي صلة بالترابي وفكره، وهو كتاب "الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الإستراتيجي والتنظيمي".

- الكتاب: آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير
- المؤلف: محمد بن المختار الشنقيطي
- عدد الصفحات: 130
- الناشر: مركز الراية للتنمية الفكرية، دمشق وجدة
- الطبعة: الأولى 2006

ضرورة التحري والتثبت

وقد كتب الأستاذ علاء الدين آل رشا من مركز الراية للتنمية الفكرية تقديما مقتضبا للكتاب، ركز فيه على ما ألح عليه المؤلف من ضرورة التحري والتثبت العلمي والالتزام بالإنصاف وأدب الخلاف، وعدم الرضا "بالأجوبة السهلة على الأسئلة الصعبة".

أما المؤلف فقد بدأ بالتذكير بما لاحظه على الجدل الدائر حول آراء الترابي من "التساهل في النقل، والتسرع في الحكم، واتهام النوايا، ونقص الاستقراء، وصياغة المسائل الفرعية صياغة اعتقادية، والظاهرية التجزيئية في التعامل مع النصوص، وتداخل الأهواء الشخصية والسياسية مع الآراء الشرعية".

وعبر عن أمله "بأن تعين هذه الملاحظات على تبصرٍ أكثر بالمسائل المطروحة، وعدم استسهال البتِّ فيها بتسرع، وإمساك أهل العلم والعدل بزمام المبادرة فيها، وهم الذين يستطيعون أن يقدموا للأمة ما يفيدها في هذه المسائل، بدلا من تركها منبرا مفتوحا لمتتبعي العورات، المسترخصين تكفير أهل التوحيد وتضليلهم وتبديعهم"..

وقد حصر هدف كتابه في "دفع داء التكفير والتشهير الذي يستسهله البعض اليوم، والحث على أخذ المسائل الشرعية بمأخذ الجد دون تعجل، والعودة إلى منهج العلم والعدل وحسن الظن بأهل العلم، مهما أغربوا أو خالفوا، المتعارف عليه من النقول والفهوم".

يتناول الكتاب بالبحث والتنقيب المؤصَّل -على إيجاز- 11 مسألة من المسائل التي أثار الترابي حولها جدلا أو أثارها خصومه ضده.

وهذه المسائل هي: الفناء في ذات الله، وإيمان أهل الكتاب، وإباحة الردة والخمر، وإسقاط الخمار، وإمامة المرأة الرجال، وقتل المرتد وقتاله، وتنصيف شهادة المرأة، وزواج المسلمة من الكتابي، ورد الأحاديث الصحيحة، ورجوع المسيح وظهور الدجال، وعصمة الأنبياء عليهم السلام.

ويبين المؤلف أن الذين هاجموا الترابي قد نسبوا إليه أقوالا في بعض هذه المسائل لم يقل بها، وإنما مرد اتهامهم له التحامل وسوء الفهم.

وهو يستدل على دفاعه هذا بنصوص من كتابات الترابي نفسه تقول بعكس ما نَسب إليه مخالفوه في تلك المسائل.

وتشمل المسائل التي نفى المؤلف نسبتها إلى الترابي نفيا قاطعا: الفناء في ذات الله، وإيمان أهل الكتاب، وإباحة الردة والخمر، وإسقاط الخمار عن المرأة..

"
ما ذهب إليه الترابي ليس بجديد، وله أصل في نصوص القرآن والسنة وفي أقوال المتقدمين من علماء الإسلام، وما وسع العلماء الأقدمين من قبلُ يسَع الترابي اليوم
"
ما وسع العلماء يسَع الترابي
ثم يناقش المؤلف المسائل الأخرى التي قال بها الترابي وخرج بها على القول المعتمد لدى الفقهاء الحاليين، فيبرهن بتوثيق رصين على أن ما ذهب إليه الترابي ليس بجديد أصلا، وأن له أصلا في نصوص القرآن والسنة وفي أقوال المتقدمين من علماء الإسلام، وأن ما وسع العلماء الأقدمين من قبل يسع الترابي اليوم.

وقد وافق المؤلف الترابي في بعض المسائل التي طرحها، مثل رفض قتل المرتد إذا لم تتحول ردته إلى خروج على المجتمع، ومثل القول بأن تنصيف شهادة المرأة بشهادة الرجل حكم معلل بعدم خبرة النساء في التجارة والمعاملات المالية في العصر النبوي، وأنه يزول بزوال علته، فتستوي شهادتها بشهادة الرجل.

كما يفتح المؤلف الباب لإمامة المرأة الرجال في التراويح والنوافل تشبثا بقول الإمام أحمد والطبري وغيرهما من الأقدمين، ويوافق الترابي في التشكيك في أحاديث البخاري ومسلم عن المسيح والدجال.

لكنه يخالف الترابي في مسألة زواج المسلمة من الكتابي، ويقول إنه لم يجد للترابي "مستندا قويا في هذه المسألة يبرر مخالفته الفهم المتعارف عليه بين أهل العلم في هذا الباب"، معتبرا أن هذه هي المسألة الوحيدة التي "أغرب فيها الترابي جدا".

وتنصبُّ جُلّ انتقادات المؤلف على خصوم الترابي، حيث يتهمهم بالتسرع واستعمال أسلوب التكفير والتشهير وعدم التدقيق العلمي في المسائل التي طرحها الترابي.

كما يتهمهم بنقص الاستقراء الفقهي، وعدم الاطلاع على الخلافات القديمة في المسائل التي يطرحها، وبأنهم ممن "اعتادوا الأجوبة السهلة على الأسئلة الصعبة، فأغلب أحكام الشريعة عندهم معلومة من الدين بالضرورة، وجلُّ النصوص محكمة، وجميع أحاديث الصحيحين ثابتة، ولم يترك المتقدمون للمتأخرين من قول".

"
الترابي جنى على نفسه وعلى الخطاب الشرعي عموما حينما قدم آراءه واجتهاداته مجردة عن الإسناد والتوثيق، فبدت للقارئ غير المطلع إرسالا للكلام على عواهنه وخروجا على المرجعية الشرعية
"
سبيل الحكمة والتأصيل أولى

وكان للترابي حظه من النقد في الدراسة، وهو ما صبغ الدراسة بنوع من التوازن يندُر عادة في هذا النوع من المطارحات الجدلية.

والمأخذ الأكبر الذي يأخذه المؤلف على الترابي يتعلق بأسلوب طرحه أكثر مما يتعلق بمضمون فكره.

فهو يرى أن الترابي يستخدم "لغة استفزازية مستهتِرة" ليست هي لغة الفقه المناسبة، وبأنه لا يقيم وزنا لمخالفيه وأقوالهم، بينما "كان الأوْلى بالترابي أن يسلك سبيل الحكمة والتأصيل وتقديم الدليل".

ورغم ثناء المؤلف على علم الترابي وقدراته التحليلية وشجاعته الفكرية، ووصفه له بأنه "يمتاز باطلاع واسع.. وعقل تحليلي تركيبي نادر، قادر على سبر المسائل الشرعية والغوص على أصولها، والتنقيب عن أسسها وفحصها بدقة دون خوف من انهيار البناء".. فإنه يتهمه بأنه "تنقصه الحكمة في الطرح والرزانة في الأسلوب".

فالترابي حسب رأي المؤلف "يقدم نتائج قراءاته الواسعة واجتهاداته الجريئة دون بيان لمقدماتها، فيلقي المسائل إلقاء من غير توضيح لمواردها ومصادرها، ويقذف بالآراء الجريئة المثيرة للجدل دون توثيق لها من كتب التراث الإسلامي، رغم أن أكثر آرائه التي تبدو للقارئ غير المطلع بدعاً مستحدثة لها أصول في نصوص الشرع، وسوابق من آراء المتقدمين من علماء السلف، ممن لهم هيبة في العقل المسلم المعاصر المولع بتقديس اجتهاد الأموات واحتقار اجتهاد الأحياء".

وقد ألح المؤلف على هذه النقطة إلحاحا كبيرا، مؤكدا أن الترابي "لو خاطب حملة الثقافة الفقهية الحاضرة بلغتهم الأثرية السائدة ووثق آراءه من التراث الفقهي والفكري المتراكم، لنأى بنفسه عن سهام الاتهام، ولوجد من يتفهم مقولاتِه وإن لم يتبنَّها، ومن يقبلُ بها رأيا اجتهاديا مشروعا، وإن لم يوافقه عليها".

واتهم المؤلف الترابي بأنه "جنى على نفسه وعلى الخطاب الشرعي عموما حينما قدم آراءه واجتهاداته مجردة عن الإسناد والتوثيق، فبدت للقارئ غير المطلع إرسالا للكلام على عواهنه، وخروجا على المرجعية الشرعية".

"
لعل الترابي يأخذ العبرة مما حدث فيوثق آراءه الفقهية التي فيها إغرابٌ توثيقا يناسب الخطاب الفقهي المسيطر، ويحدث الناس بما يفهمون.. فيفيد المستمعين والقراء، ويوفر على نفسه تهما هو في غنى عنها
"
خاتمة
إن كتاب "آراء الترابي من غير تكفير ولا تشهير" دراسة ممتعة على إيجاز، موثقة على اقتضاب، تثير مسائل شرعية ومنهجية أكبر بكثير من الجدل الظرفي الحالي حول آراء الدكتور الترابي.

فمسألة قتل المرتد وحرية المعتقد، ومكانة المرأة في المجتمع المسلم، والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وتكفير المخالفين من المسلمين في الرأي والاجتهاد، وأدب الخلاف والحوار العلمي، وحاجة كتب الحديث القديمة إلى غربلة ونقد..إلخ، كلها مسائل على قدر كبير من الحيوية والأهمية للفكر الإسلامي في الزمن الحاضر.

وقد تناولتها الدراسة عرَضًا بحكم حدود موضوعها زمانا ومساحة، لكنها قدمت فيها آراء طريفة غائبة عن بال أغلب المشتغلين بالفقه والدراسات الإسلامية اليوم.

ويبقى الباب مفتوحا لحوار أوسع حول هذه المسائل وغيرها في الأمد المنظور.

وربما كان الدكتور الترابي محظوظا إذ وجد من يدافع عنه بأسلوب فقهي رصين وأسلوب جدلي متين، بعد أن تناوشته سهام الاتهام من كل جانب وتم وصمه بوصمة الردة والزندقة والكفر، في مشهد تراجيدي غريب، وهو الذي قضى حياته حاملا لواء الإسلام، وقائدا لإحدى أقوى الحركات الإسلامية في الدول العربية.

ولعل الترابي يأخذ العبرة مما حدث ويأخذ بنصيحة الشنقيطي، فيوثق آراءه الفقهية التي فيها إغرابٌ توثيقا يناسب الخطاب الفقهي المسيطر، ويحدث الناس بما يفهمون.. فيفيد المستمعين والقراء، ويوفر على نفسه تهما هو في غنى عنها.

المصدر : الجزيرة